يجوز إتلاف أوراق المصحف بآلة التقطيع (فرامة الورق) بشرط أن يكون التمزيق دقيقاً جداً (طولاً وعرضاً) يمحو صورة الحروف والكلمات تماماً.
ما حكم التخلص من أوراق المصحف بآلة تقطيع الأوراق؟
السؤال 622919
هل يجوز إتلاف أوراق تحتوي على آيات من القرآن أو أوراق مقطوعة من المصحف عن طريق آلة تقطيع الورق (فرامة الورق)؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
ذكر الفقهاء رحمهم الله جواز إتلاف أوراق المصحف إذا بليت أو تلفت، وكيفية التعامل في التخلص من أوراق المصحف، فذكروا أربع طرق لذلك:
الأولى : إحراقه حتى يصير رمادا، وهذه الطريقة ذكرها المالكية والشافعية والحنابلة، ومنعها الأحناف.
واستدل من قال بالجواز بما ثبت عن عثمان رضي الله عنه، أنه لما جمع المصحف الإمام وأرسله إلى الأمصار، أمر بحرق المصاحف الأخرى، وأقره على ذلك جمهور الصحابة .
ويُستدل للحنفية بما روي عن أبي موسى الأشعري له أنه أتي بكتاب فقال: لولا أني أخاف أن يكون فيه ذكر الله، له لأحرقته.
لكن نوقش ذلك: بأن هذا اجتهاد من أبي موسى، خالفه فيه جمهور الصحابة.
الثانية: دفنه في مكان نظيف طاهر بعيد عن مواطئ الأقدام ومرمى القاذورات، ذكر ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة، وتوقف فيه بعض الشافعية؛ خشية أن يوطأ بالأقدام.
واستدل من قال بجواز دفن المصحف بما روي عن عثمان الله: أنه دفن المصاحف بين القبر والمنبر.
الثالثة: الغسل، بأن يُمحى حبر الورق بالماء حتى تزول الكتابة. وهذا أجازه فقهاء المذاهب الأربعة.
ويدل على ذلك ما جاء في إحدى روايات قصة إتلاف عثمان الله المصاحف بعد جمع المصحف الإمام: أنه "غسلها غسلا". وفي رواية أخرى: فلما فرغ عثمان من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم.
قال ابن حجر رحمه الله:
"والمحوُ أعم من أن يكون بالغسل أو التحريق، وأكثر الروايات صريح في التحريق، فهو الذي وقع، ويحتمل وقوع كل منهما بحسب ما رأى من كان بيده شيء من ذلك.
وقد جزم عياض بأنهم غسلوها بالماء ثم أحرقوها" انتهى من "فتح الباري" (۲۰۹).
ينظر: "الشرح الكبير" للدردير وحاشية الدسوقي" (4/ 301) و"تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (1/ 155) و"الفروع" (1/ 248) و"حاشية ابن عابدين" (6/ 422).
الرابعة: التمزيق، ذهب إليها بعض الشافعية. ينظر: "نهاية المحتاج" (1/ 128) و"الفتاوى الفقهية الكبرى" (1/35-36).
ويُستدل لمن قال بجواز تقطيع المصحف بما يأتي:
1. ما جاء عن أنس له في قصة جمع عثمان له المصحف، وفيه: وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف، أن يحرق.
قال الحافظ ابن حجر:
"قوله: (وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق). في رواية الأكثر: (أن يخرق) بالخاء المعجمة، وللمروزي بالمهملة، ورواه الأصيلي بالوجهين، والمعجمة أثبت.
والخرق هو التمزيق، وقد دلت الرواية الصحيحة ثبوته عن الصحابة.
فعن مصعب بن سعد، قال: أدركت الناس حين شقق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعب ذلك أحد.
ما رواه سالم بن عبد الله: أن مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها الصحف؛ ليمزقها، وخشي أن يخالف الكتاب بعضُه بعضا، فمنعته إياها ... فلما توفيت حفصة، أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر ساعة رجعوا من جنازة حفصة، بعزيمةٍ: ليرسلَنَّها، فأرسل بها عبد الله بن عمر إلى مروان، فمزقها؛ مخافةَ أن يكون في شيء من ذلك خلاف لما نسخ عثمان.
ينظر: "فتح الباري" (9/20).
ثانياً:
أما حكم تمزيق أوراق المصحف بآلة تقطيع الورق، فإن هذه الآلة (فرامة الورق) على نوعين:
الأول: ما يُقطع الورق على هيئة شرائح طولية، وهذا النوع لا يجوز استعماله في تقطيع أوراق المصحف؛ لأنه قد تبقى معه بعض ألفاظ القرآن، كلفظ الجلالة وسائر أسماء الله الحسنى، فيؤدي ذلك إلى إهانتها؛ لأن مصير هذه الأوراق غالبا المزبلة إلا إذا أعقب التقطيع بهذه الآلة حرق ما تبقى من الأوراق، فلا بأس بتقطيع أوراق المصحف بها.
الثاني: ما يُقطع الورق طولا وعرضا، بحيث تكون قطعا صغيرة جدا، بحيث لا يبقى شيء من النص القرآني، لا من الكلمات ولا من الحروف؛ فيجوز إتلاف المصحف بتقطيع أوراقه بالآلة المذكورة.
والمعنى في جواز ذلك: أنه لم يرد دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع في تعيين وسيلة معينة في إتلاف أوراق المصحف، مما يدل على أن مبنى الوسيلة الاجتهاد، فما حصل به الإتلاف دون امتهان للمصحف جاز، وليس في هذا امتهان؛ لأنّ الحكم يتبع القصد والنية، وما دام القصد من تمزيق أوراق المصحف بهذه الآلة، حفظ مكانته وصيانته من تعرض أوراقه للامتهان والابتذال؛ فإن ذلك جائز.
وبهذا قال الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله، وبعض الباحثين المعاصرين.
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: "ما حكم تمزيق الأوراق المكتوب فيها آيات قرآنية؟
فأجاب: أما تمزيق الآيات التي حفظتها إذا مزقتها تمزيقا ما يبقى معه شيء فيه ذكر الله، أي: تمزيقا دقيقا: فلا حرج في ذلك، وإلا فادفنها في أرض طيبة أو أحرقها، أما التمزيق الذي يبقى معه آيات لم تمزق: فإنه لا يكفي" انتهى من "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز (24/ 393).
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ما حكم جمع الأوراق المتناثرة من المصاحف إذا مُزقت؟
فأجاب: "إذا مزقت: تبقى هذه طريقة ثالثة -بعد الحرق والدفن-لكنها صعبة؛ لأن التمزيق لابد أن يأتي على جميع الكلمات والحروف، وهذه صعبة؛ إلا أن توجد آلة تمزق تمزيقاً دقيقاً جداً، بحيث لا تبقى صورة الحرف، فتكون هذه طريقة ثالثة، وهي جائزة" "فتاوى نور على الدرب للعثيمين" (5/ 2 بترقيم الشاملة آليا).
وسئل رحمه الله: "توجد آلة تفرم الورق فرماً، بحيث إنه ما يقرأ الكلمات الموجودة، فهل يجوز أن يوضع بها أوراق فيها آيات من القرآن لأنها تفرم الورق؟
فأجاب: هذه الآلة التي تقطع الورق إذا وضعت فيها ورقة مصحف، أو ورقة حديث، أو ورقة تتضمن آية أو حديثاً ومزقته حتى لا يوجد اسم الله مثلاً فلا بأس.
السائل: ربما تظهر بعض الحروف.
الشيخ: هذه الآلات قسمين: قسم تجعل الورق شرائح طويلة، هذه ربما تظهر فيها لفظ الجلالة مثلاً، أو كلمة من آية، هذه ما تصلح.
وبعضها ينتفه، حتى يكون كحب الرز، يعني: تقطعه طولاً وعرضاً، فهذه لا تبقى أي حرف فيها، فإذا أردت أن تشتري مثل هذا، فاشتر مثل هذا النوع، أما الأول فكما قلت لك: إذا استعرضنا هذه الشرائح ووجدنا فيها لفظ الجلالة، أو لفظ الآية، فلا بد من أن نحرق الورق الذي وجدنا فيه لفظ الجلالة" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (96/ 29).
وسئل الشيخ ابن جبرين رحمه الله: "ما حكم وضع الأوراق التي فيها أسماء الله أو صفة من صفاته في سلة المهملات أو في برميل الزبالة؟ علماً بأن أكثر من وقع في هذا العاملين في الإدارات والمؤسسات الحكومية (المكاتب) ؟
فأجاب: يجب احترام أسماء الله تعالى وصفاته، ومن احترامها رفعها عن الامتهان إذا وجدت في الصحف والأوراق العادية والمعاملات، فلا يجوز إلقاؤها على الأرض تحت الأحذية، ولا إلقاؤها مع الزبالات في سلة المهملات، حيث إنها تلقى في القمامات ويستهان بها؛ بل يلزم إتلافها وإحراقها، وعلى الكُتّاب أن يحضروا عندهم آلات الإتلاف التي تمزقها قطعاً صغيرة، كما هو معتاد، والله أعلم" انتهى من "فتاوى ابن جبرين" (64/ 10) ترقيم الشاملة.
وينظر: "النوازل الفقهية المتعلقة بالقرآن الكريم"، د. خليل المبارك" (ص:182) فقد أجاد وأفاد وبسط المسألة فيحسن الرجوع إليه.
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (539632)، (21511)، (105326).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟