الحديث لا يصح إسناده، فلا يصلح حجة للتوسل بصيغة "بحق النبي".
هل يصح حديث: (أسألك بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي)؟
السؤال 619083
سمعت حديثا في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وهو حديث وفاة خديجة وفيه
اللهم اني اسالك بحقي وحق الانبياء من قبلي
فهل يصح الحديث ولو صح على اي محمل فهمه العلماء وهل فيه دليل على جواز التوسل بحق وليس ذات الانبياء
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذا الخبر رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (24 / 351)، وفي "المعجم الأوسط" (1 / 67)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ زُغْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ صَلَاحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: (لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيٍّ، دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا، فَقَالَ: رَحِمَكِ اللَّهُ يَا أُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، تَجُوعِينَ وتُشْبِعِينِي، وتَعْرَيْنَ وتكسُونني، وتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبَ الطَّعَامِ وتُطْعِمِينِي، تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُغْسَلَ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ، سَكَبَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ خَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَمِيصَهُ فَأَلْبَسَهَا إِيَّاهُ، وكُفِّنَتْ فَوْقَهُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفِرُوا، فَحَفَرُوا قَبْرَهَا، فَلَمَّا بَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ بِيَدِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فاضْطَجَعَ فِيهِ، وَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَهَا، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ أدْخَلُوهَا الْقَبْرَ، هُوَ وَالْعَبَّاسُ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنهم).
ثم قال الطبراني في "الأوسط": "لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ إِلَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، تَفَرَّدَ بِهِ: رَوْحُ بْنُ صَلَاحٍ" انتهى.
وروح بن صلاح: قد ضُعِّف.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"رَوْح بن صلاح المصري، يقال له: ابن سَيَابة، ضعّفه ابن عدي، يكنى أبا الحارث. وقد ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحاكم: ثقة مأمون…
ذكره ابن يونس في "تاريخ الغرباء" فقال: من أهل الموصل، قدم مصر، وحدث بها. رُويَتْ عنه مناكير...
وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث. وقال ابن ماكولا: ضعفوه، سكن مصر. وقال ابن عدي، بعد أن أخرج له حديثين: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعضها نُكْرة" انتهى. "لسان الميزان" (3 / 480 — 481).
وقد حكم أبو نعيم على هذا الخبر بالغرابة، فقد رواه في "حلية الأولياء"، من طريق الطبراني، ثم قال عقبه رحمه الله تعالى:
"غريب من حديث عاصم والثوري، لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح، تفرد به" انتهى. "حلية الأولياء" (3 / 121).
وضعفه ابن الجوزي، حيث قال رحمه الله تعالى:
" تفرّد به روح بن صلاح، وهو في عداد المجهولين، وقد ضعّفه ابن عدي" انتهى. "العلل المتناهية" (1 / 270).
وقال الهيثمي رحمه الله تعالى:
"رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح" انتهى. "مجمع الزوائد" (9 / 257).
وقد تعقبه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، بقوله:
"وفي قوله: وبقية رجاله رجال الصحيح نظر رجيح، ذلك لأن زغبة هذا ليس من رجال الصحيح، بل لم يرو له إلا النسائي، أقول هذا مع العلم أنه في نفسه ثقة.
بقي النظر في حال روح بن صلاح، وقد تفرد به كما قال الطبراني، فقد وثقه ابن حبان والحاكم كما ذكر الهيثمي، ولكن قد ضعفه مَن قولهم أرجح من قولهما لأمرين:
الأول: أنه جرح، والجرح مقدم على التعديل بشرطه.
والآخر: أن ابن حبان متساهل في التوثيق، فإنه كثيرا ما يوثق المجهولين حتى الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه؟ كما نقل ذلك ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي"، ومثله في التساهل الحاكم، كما لا يخفى على المتضلع بعلم التراجم والرجال.
فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن، حتى ولوكان الجرح مبهما لم يذكر له سبب، فكيف مع بيانه كما هو الحال في ابن صلاح هذا؟! فقد ضعفه ابن عدي (3 / 1005)، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني: ضعيف في الحديث، وقال ابن ماكولا: ضعفوه، وقال ابن عدي بعد أن خرج له حديثين: وفي بعض حديثه نكرة.
فأنت ترى أئمة الجرح قد اتفقت عباراتهم على تضعيف هذا الرجل، وبينوا أن السبب روايته المناكير، فمثله إذا تفرد بالحديث يكون منكرا لا يحتج به، فلا يغتر بعد هذا بتوثيق من سبق ذكره إلا جاهل أو مغرض" انتهى. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (1 / 80 - 81).
وينبغي التنبه، إلى أن ابن حبان لم يخرج هذا الخبر في "صحيحه" ، وكذا الحاكم لم يروه في "المستدرك"، وإنما روى الخبر بإسناد آخر ضعيف جدا، وبدون جملة: " بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي".
فروى الحاكم في "المستدرك" (3 / 108): عن عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة الباهلي، حَدَّثَنَا أبي، عن الزُّبير بن سعيد القرشي، قال: كنا جلوسًا عند سعيد بن المسيّب، فمرَّ بنا علي بن الحُسين، ولم أرَ هاشِميًّا قط كان أعبدَ للهِ منه، فقام إليه سعيدُ بن المسيّب وقُمنا معه، فسلَّمْنا عليه، فردّ علينا، فقال له سعيد: يا أبا محمد، أخبرنا عن فاطمةَ بنت أسد بن هاشم أمِّ علي بن أبي طالب قال: نعم، حدثني أبي، قال: سمعتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: ( لما ماتت فاطمةُ بنت أسد بن هاشم كفّنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في قميصِه، وصلَّى عليها، وكبَّر عليها سبعين تكبيرةً، ونزل في قبرها، فجعل يُومِي في نواحي القبر كأنه يُوسعُه ويُسوِّي عليها، وخرج من قبرها وعيناهُ تَذرِفان، وحَثَا في قبرها، فلما ذهب قال له عمرُ بن الخطّاب: يا رسول الله، رأيتُك فعلتَ على هذه المرأة شيئًا لم تفعلْه على أحدٍ، فقال: "يا عمرُ، إِنَّ هذه المرأةَ كانت أمّي بعد أُمّي التي وَلَدَتني، إنَّ أبا طالبٍ كان يصنع الصَّنيعَ، وتكون له المأدُبةُ، وكان يَجْمَعُنا على طعامِه، فكانت هذه المرأةُ تَفصِلُ منه كلَّه نَصِيبَنا فأعودُ فيه، وإنَّ جبريل عليه السلام أخبرني عن ربِّي عز وجل أنها من أهل الجنة، وأخبرني جبريلُ عليه السلام: أنَّ الله تبارك وتعالى أمَرَ سبعين ألفًا من الملائكة يُصلُّون عليها).
الخلاصة:
الحديث لا يصح إسناده، فلا يصلح حجة للتوسل بصيغة "بحق النبي"، وقد سبق بيان عدم مشروعية هذا التوسل في جواب السؤال رقم (125339)، ورقم (114142).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟