هل تثبت رواية: (إذا توضأت فأبلغ في المضمضة)؟

السؤال 616431

عندي سؤال حول زيادة أبو بشر الدولابي في حديث لقيط بن صبره: (وأبلغ في المضمضة)، هل تثبت؟ وعلى فرضية ثبوت اللفظ، هل ستكون المبالغة للاستنشاق فقط ولا المضمضة والاستنشاق؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

هذا الحديث رواه عدد من الرواة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمَ بْنَ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ! قَالَ: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، ‌وَبَالِغْ ‌فِي ‌الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا).

وليس فيه ذكر المبالغة في المضمضة.

قال الحاكم رحمه الله تعالى:

" فأمّا أبو هاشم إسماعيل بن كثير القارئ فإنّه من كبار المكّيّين، روى عنه هذا الحديث بعينه، غيرُ الثوريّ: جماعة، منهم: ابن جريج، وداود بن عبد الرّحمن العطّار، ويحيى بن سُلَيْم، وغيرهم" انتهى. "المستدرك" (1 / 148).

فأما طريق يحي بن سليم:

فرواه أبو داود (142)، والترمذي (788)، والنسائي (87)، وابن ماجه (407): عَنْ يَحْيَى بْن سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، الحديث. وفيه ذكر الاستنشاق فقط، دون المضمضة.

وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

وأما من طريق ابن جريج:

فرواه الإمام أحمد في "المسند" (29 / 388)، وعبد الرزاق في "المصنف" (1 / 296)، وغيرهما: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ: الحديث. وليس فيه أيضا ذكر المبالغة في المضمضة.

وأما طريق داود بن عبد الرّحمن العطّار:

فرواه الحاكم في "المستدرك" (1 / 148): عن دَاوُد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّار، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِّ كَثِيرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ‌لَقِيطِ ‌بْنِ ‌صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: الحديث. وليس فيه ذكر المبالغة في المضمضة.

وأما طريق الحسين بن علي:

فرواه أبو داود الطيالسي في "المسند" (2 / 677): عن الْحَسَن بْن أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: ( قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَافِدَ قَوْمِي، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلِ الْأَصَابِعَ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا، وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَمَا تَضْرِبُ أَمَتَكَ). فلم يذكر فيه المضمضة.

وأما طريق سفيان الثوري:

فرواه الإمام أحمد في "المسند" (26 / 306)، والنسائي (87): عن وكيع.

ورواه الإمام أحمد في ( 26/308): عن عبد الرحمن بن مهدي.

والنسائي في "السنن الكبرى" (3/292): عن مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وعبد الرزاق في "المصنف" (1/295)، وغيرهم، بأسانيدهم:

كلهم: ( وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وغيرهم) رووه: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: الحديث. بذكر الاستنشاق فقط دون المضمضة.

وخالف هؤلاء جميعا: أبو بشر الدولابي؛ فروى هذا الخبر عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان. فذكر فيه المبالغة في المضمضة.

قال ابن القطان رحمه الله تعالى:

"قال أبو بشر الدولابي - فيما جمع من حديث الثوري -: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي هشام، عن عاصم ابن لقيط، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق، ما لم تكن صائما)، وهذا صحيح " انتهى. "بيان الوهم والإيهام" (5/593).

فالحاصل:

أن كل الروايات عن إسماعيل بن كثير: ليس في شيء منها ذكر المبالغة في المضمضة، سوى ما جاء من رواية سفيان الثوري.

وكل الروايات التي روت الخبر من طريق سفيان الثوري، تتفق مع الروايات السابقة من غير طريق سفيان، فلم يذكر فيها المبالغة في المضمضة.

ومن روى من الثقات رواية عبد الرحمن بن مهدي، وهما كما سبق أحمد بن حنبل ومحمد بن المثنى وهما أوثق، رووها بدون ذكر المضمضة.

وانفرد أبو بشر الدولابي، عن محمد بن بشار: برواية الحديث من طريق ابن مهدي؛ فذكر فيه المبالغة في المضمضة، وخالف كل الروايات السابقة، وهم أكثر عددا، وفيهم من هو أوثق وأضبط، مع ما في أبي بشر الدولابي من كلام.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"محمد بن أحمد بن حماد الحافظ أبو بشر ‌الدولابي: قال الدارقطني: تكلموا فيه" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2/550).

والحاصل:

أن الذي يترجح: هو شذوذ هذه الزيادة.

ثانيا:

جماهير أهل العلم، على سنية المبالغة في المضمضة، كما في الاستنشاق.

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (36/54):

"المبالغة ‌في ‌المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه وأشداقه، والمبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف.

واتفق الفقهاء على أن ‌المبالغة ‌في ‌المضمضة والاستنشاق سنة لغير الصائم.

أما للصائم فالمبالغة فيهما مكروهة بالنسبة له، لحديث لقيط بن صبرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَبَالِغْ ‌فِي ‌الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا)" انتهى.

وأهل العلم في قولهم بسنية المبالغة في المضمضة، منهم من استند إلى الراوية التي فيها ذكر المضمضة.

قال الكاساني رحمه الله تعالى:

"المبالغة ‌في ‌المضمضة والاستنشاق، إلا في حال الصوم فيرفق؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: (بَالِغْ فِي المضمضة، والِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا فارفق)" انتهى. "بدائع الصنائع" (1/21).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقال الماوردي: لا استحباب في المضمضة؛ لانه لم يرد فيها الخبر.

ورواية الدولابي ترد عليه..." انتهى. "التلخيص الحبير" (1/210).

وإما استندوا للقياس؛ لأن المبالغة تكميل للطهارة، وهو مستحب في سائر أعضاء الوضوء.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

"المبالغة مستحبّة في سائر أعضاء الوضوء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَسْبِغ ‌الوُضُوءَ)" انتهى. "المغني" (1/147).

وقال الكاساني رحمه الله تعالى:

"المبالغة ‌في ‌المضمضة والاستنشاق، إلا في حال الصوم فيرفق؛ …

ولأن المبالغة فيهما من باب التكميل في التطهير، فكانت مسنونة، إلا في حال الصوم، لما فيها من تعريض الصوم للفساد" انتهى. "بدائع الصنائع" (1/21).

فالمضمضة فعل من أفعال الوضوء كالاستنشاق، فيستحب المبالغة فيها تكميلا للطهارة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"مسألة: (والمسنون: التسمية وغسلُ الكفَّين ثلاثًا، والمبالغةُ في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا)...

وأما المبالغة، فلما روى لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول الله أخبِرني عن الوضوء. قال: (أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، ‌وَبَالِغْ ‌فِي ‌الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح...

والمضمضة في معناها، ليستغرق داخل الفم" انتهى. "شرح عمدة الفقه" (1/196).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"احتجّ به [الحديث بدون ذكر المبالغة في المضمضة] الرّافعي على المبالغة فيهما، وليس فيما أورده إلاّ لفظ الاستنشاق، وألحق به المضمضة قياسا" انتهى. "التلخيص الحبير" (1 / 210).

الخلاصة:

أكثر روايات حديث لقيط بن صبرة، وأوثقها: وردت بدون ذكر المبالغة في المضمضة، وإنما تفرد برواية الأمر بالمبالغة في المضمضة أبو بشر الدولابي عن محمد بن بشار عن ابن مهدي، فالراجح أنها شاذة.

وعلى القول بشذوذها لا تسقط سنية المبالغة في المضمضة؛ لأنه يدل عليها القياس، والقول بسنيتها هو قول جماهير أهل العلم.

والله أعلم.

المراجع

الوضوء

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android