ما هي طرق الاستئذان وآدابه، وما الحكم إذا تعارفوا دخول بعضهم على بعض دون إذن؟

السؤال: 614451

ماهي طرق الاستئذان؟ هل يشترط الدق على الباب ثلاثًا أو السلام ثلاثًا أولًا ثم قول "أأدخل؟"، أم يكفي المناداة بالشخص حتى يرد بــ"نعم؟" ثم الدخول عليه؟ أو هل يكفي قول "أأدخل" لوحدها؟
وإذا تعارف الأهل على الدخول على بعضهم بدون إذن واعتادوا ذلك، فهل هذا يعد من الإذن العُرفي؟، ويجوز لهم الدخول على بعضهم بدون استئذان؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

الاستئذان أدبٌ شرعيٌّ عظيم، شُرع لحفظ العورات، وصيانة الخصوصيات، وهو واجبٌ عند دخول بيوت الغير، بنص القرآن والسنة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: 27].

قال الشنقيطي رحمه الله في "أضواء البيان" (5/ 493):

"اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإنسان بيت غيره، بدون الاستئذان والسلام: لا يجوز؛ لأن قوله: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ)  نهي صريح، والنهي المتجرد عن القرائن: يفيد التحريم على الأصح، كما تقرر في الأصول" انتهى.

ثانيًا:

الأكمل والأتم في صيغة الاستئذان:

أن يجمع بين السلام والاستئذان، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ويكرر ذلك ثلاث مرات، فإن لم يُؤذن له انصرف.

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن استأذن بغير سلام: ارجِعْ فقُل: السَّلامُ عليكُم، أأدخُلُ؟   

رواه أحمد (15425)، وأبو داود (5176)، والترمذي (2710)، وصحَّحه الألباني، وجوَّده ابنُ القيم في "زاد المعاد" (2/379).

قال النووي رحمه الله: "السنة: أن يسلّم، ثم يستأذن، وهذا هو الصحيح". انتهى من "الأذكار" ص 259-260).

وقال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" (2/392): "وصح عنه: التسليم قبل الاستئذان، فعلا وتعليما ... وفي هذه السنن رد على من قال: ويقدم الاستئذان على السلام، ورد على من قال: إن وقعت عينه على صاحب المنزل قبل دخوله، بدأ بالسلام، وإن لم تقع عينه عليه، بدأ بالاستئذان، والقولان مخالفان للسنة" انتهى.

قال الشنقيطي رحمه الله في "أضواء البيان" (5/497):

"وتقديم الاستئناس، الذي هو الاستئذان، على السلام في قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا) لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو؛ كقوله تعالى: (يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ) آل عمران/43، والركوع قبل السجود" انتهى.

وقال ابنُ عاشورٍ في قَولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النور: 27] : "وظاهر الآية أن الاستئذان واجب وأن السلام واجب غير أن سياق الآية لتشريع الاستئذان. وأما السلام فتقررت مشروعيته من قبل في أول الإسلام ولم يكن خاصا بحالة دخول البيوت فلم يكن للسلام اختصاص هنا وإنما ذكر مع الاستئذان للمحافظة عليه مع الاستئذان لئلا يلهي الاستئذان الطارق فينسى السلام أو يحسب الاستئذان كافيا عن السلام...وقال ابن العربي في أحكام القرآن قال جماعة: الاستئذان فرض والسلام مستحب...

وأقول: ليس قرن الاستئذان بالسلام في الآية، بمقتض مساواتهما في الحكم، إذا كانت هنالك أدلة أخرى تفرق بين حكميهما. وتلك أدلة من السنة.

ومن المعنى: فإن فائدة الاستئذان دفع ما يكره عن المطروق المَزُور، وقطع أسباب الإنكار أو الشتم، أو الإغلاظ في القول، مع سد ذرائع الريب؛ وكلها، أو مجموعها: يقتضي وجوب الاستئذان" انتهى من "التحرير والتنوير" (18/198).

ثالثًا:

لا يكفي قول: "أأدخل؟"، مجردًا عن السلام، ولا الاكتفاء بالمناداة بدون سلام، فإذا نادى؛ فلا بد أن يكون قبله سلام، فيكفي حينئذ؛ كأن يقول: السلام عليكم، يا أهل الدار..

فعن أبي العَلانيةِ، قال: "أتَيتُ أبا سَعيدٍ الخُدريَّ رضي الله عنه، فسَلَّمتُ فلم يُؤذَنْ لي، ثُمَّ سَلَّمتُ فلم يُؤذَنْ لي، ثُمَّ سَلَّمتُ الثَّالثةَ، فرَفَعتُ صَوتي، وقُلتُ: السَّلامُ عليكُم يا أهلَ الدَّارِ، فلم يُؤذَنْ لي، فتَنَحَّيتُ ناحيةً، فقَعَدتُ، فخَرَجَ إليَّ غُلامٌ، فقال: ادخُلْ، فدَخَلتُ، فقال لي أبو سَعيدٍ: أمَا إنَّك لو زِدتَ، لم يُؤذَنْ لك!" رواه البخاري في "الأدب المفرد" (1077). صحَّحه الألبانيُّ في "صحيح الأدب المفرد" (821).

وعن عَطاءٍ، عن أبي هُرَيرةَ فيمَن يَستَأذِنُ قَبلَ أن يُسَلِّمَ، قال: (لا يُؤذَنُ له، حتَّى يَبدَأَ بالسَّلامِ).

وفي لفظ آخَرَ: (إذا دَخَل ولم يَقُلْ: السَّلامُ عليكُم، فقُل: لا، حتَّى يَأتيَ بالمِفتاحِ: السَّلامُ)  .

رواه البخاري في "الأدب المفرد" (1066)، وصححه الألباني في "صحيح الأدب" (813،817).

والسلام والاستئذان إنما يُسمعان إذا كان الباب قريبًا من أهل البيت، بحيث يصلهم الصوت.

أما في غالب البيوت الحديثة، فإن أهلها لا يسمعون من خلف الأبواب، فلا يتحقق إعلامهم إلا بواسطة الجرس، أو دق الباب، فيقوم ذلك مقام الاستئذان في مثل هذه الحال.

جاء في "فتح الباري" لابن حجر (11/ 25): "وأخرج أبو داود بسند قويّ، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان الناس ليس لبيوتهم ستورٌ، فأمرهم الله بالاستئذان، ثم جاء الله بالخير، فلم أر أحدًا يعمل بذلك"، قال ابن عبد البرّ: أظنهم اكتَفَوا بقرع الباب" انتهى.

قال الشيخ صالح الفوزان: " الجرس يقوم مقام الاستئذان؛ لأنهم لا يسمعونك لو سلّمت ..

المباني الحديثة ما يسمعونك، صار الجرس ضروري الآن لأجل إسماعهم" انتهى من شرح مختصر زاد المعاد.

رابعاً:

السنة أن يكون الاستئذان ثلاث مرات فقط، ثم ينصرف. لقوله صلى الله عليه وسلم: (الاستِئذانُ ثَلاثٌ؛ فإن أُذِنَ لك، وإلَّا فارجِعْ) رواه مسلم (2154).

قال ابنُ عبدِ البَرِّ: "ظاهِرُ هذا الحَديثِ: يوجِبُ ألَّا يَستَأذِنَ الإنسانُ أكثَرَ مِن ثَلاثٍ، فإن أُذِنَ له، وإلَّا رَجَعَ، وهو قَولُ أكثَرِ العُلماءِ..." انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" (2/392): "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن ثلاثا، ولم يؤذن له؛ انصرف. وهو رد على من يقول: إن ظن أنهم لم يسمعوا، زاد على الثلاث، ورد على من قال: يعيده بلفظ آخر، والقولان مخالفان للسنة" انتهى.

وقال الشنقيطي رحمه الله في "أضواء البيان" (5/493): "ولا يزد على الثلاث، وهذا لا ينبغي أن يُختلف فيه، لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا مطعن فيه" انتهى.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "والاستئذان يكون ثلاثًا: "السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم"، وإن كانت هناك حلقة أو جرس ضربه حتى ينتبهوا، فإن أُذِنَ له وإلا فليرجع، هذا هو المشروع" انتهى من "شرح رياض الصالحين".

خامسًا:

الاستئذان ليس محصورًا في لفظ معين، بل يتحقق بكل ما يدل على طلب الدخول، ويُفهم عرفًا. ويكون بالسلام مع طلب الإذن، بأي لغة تُفهم.

قال القرطبي رحمه الله في "تفسيره"(12/ 218): "لكل قوم في الاستئذان عُرفَهم في العبارة ، كما رواه أبو بكر الخطيب مسندا، عن أبي عبد الملك، مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام بالباب قال: أندر؟ قالت أندرون. وترجم عليه (باب الاستئذان بالفارسية)". رواه البخاري في الأدب المفرد، ص: 377، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (1/166)، وبنحوه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (2/89)، وتُكلم في إسناده.

(أندر) يعني: أأَدخل؟ و (أندرون) يعني: اُدْخل.

في "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير رحمه الله (1/74):

"فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: "وَسُئِلَ: كَيْفَ يُسَلَّم عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ: قُلْ أَنْدَرَايْنِم".

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ، مَعْنَاهَا: أأدْخُل؟

وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَخُصُّهُم بالاسْتِئذان بِالْفَارِسِيَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مَجُوسًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَاطِبَهُم بلِسَانهم.

والذي يُراد منه: أنه لم يَذْكُرُ السَّلام قَبْل الاسْتئذان، ألاَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أندراينِم" انتهى.

وانظر: "التعليق على تفسير القرطبي" عبد الكريم الخضير (7/ 18).

سادساً:

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (12/ 217): "وصفة الدق: أن يكون خفيفا، بحيث يُسْمَع، ولا يَعنُف في ذلك" انتهى.

قال أنس رضي الله عنه: "كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم تُقرع بالأظافير". "صحيح الأدب المفرد" (ص 418).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح" (11/ 36): وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب، وهو حسن لمن قرب محله من بابه، أما مَن بعُد عن الباب، بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر: فيُستحب أن يقرع بما فوق ذلك، بحسبه" انتهى.

قال ابن مفلح رحمه الله: " ولا يدق الباب بعنف، لنسبة فاعله عرفا إلى قلة الأدب.

قال الميموني: إن أبا عبد الله دقت عليه امرأة دقَّاً فيه بعض العنف، فخرج وهو يقول: (ذا دق الشُّرَط). [يعني: الشرطة]. وفي معناه: الصياح العالي، ونحو ذلك" انتهى "الآداب الشرعية" (1/ 44، 399).

وينبغي أن يفرق بين طرقات الباب، ومرات الاستئذان، بما يعلم به أن أهل البيت، لو كانوا بحيث يسمعون، لأجابوا، أو منعوا؛ ولا يوالي بين طرقاتهم بما يزعجهم، أو يشغل عن مهم أمرهم.

يقول العلامة ابن عابدين، رحمه الله: "يستأذن للدخول ثلاثا يقول في كل مرة: السلام عليكم يا أهل البيت أيدخل فلان، ويمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل والمتوضئ والمصلي أربع ركعات، فإذا أذن له دخل، وإلا رجع سالما عن الحقد والعداوة" انتهى، من "حاشية ابن عابدين" (6/ 413).

والتقدير المذكور: ليس قيدا، ولا هو منصوص في أثر، وإنما الأمر على ما قلنا؛ أن يتمكن أهل البيت من الجواب، من غير أن يعجلوا عن شأنهم، ولا يكربهم بطرقه عليهم، ولا يفوت المعنى المقصود من تكرار الاستئذان.

سابعًا:

إذا تعارف الناس أن فتح الباب هو إذنٌ للدخول، وقد دعا صاحبُ البيت الضيفَ، أو الزائر، قال الزائر: (السلام عليكم)، ولا حاجة أن يقول: أأدخل، فهو من الإذن العرفي.

قال ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" (4/ 316):

"وقد أُجريَ العرفُ مجرى النطق في أكثر من مئة موضع ... (ثم ذكر أمثلة)" انتهى.

فإذا جعل صاحب البيت فتح بابه علامة في الإذن في الدخول، جاز اعتمادها، والدخول إذا وُجدت بغير استئذان.

قال ابن تيمية رحمه الله في "القواعد النورانية" (ص: 167)، "مجموع الفتاوى" (29/21):

"الإذن العرفي، في الإباحة، أو التمليك، أو التصرف بطريق الوكالة: كالإذن اللفظي؛ فكل واحد من الوكالة والإباحة: ينعقد بما يدل عليها، من قول وفعل.

والعلم برضى المستحِق، يقوم مقام إظهاره للرضى.

وعلى هذا يُخرّج .. إدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة، ومنزل جابر، بدون استئذانهما؛ لعلمه أنهما راضيان بذلك. ولما دعاه - صلى الله عليه وسلم - اللحام سادس ستة: اتبعهم رجل، فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي، وكذلك ما يؤثر عن الحسن البصري: أن أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه، قال: ذكرتموني أخلاق قوم قد مضوا.

وكذلك معنى قول أبي جعفر: إن الإخوان من يدخل أحدهم يده في جيب صاحبه، فيأخذ منه ما شاء" انتهى.

وقال ابن مفلح: "ويعمل بعلامة كرفع ستر أو إرخائه في الإذن وعدمه" انتهى من "الآداب الشرعية" (1/402). لما رواه مسلم (2169) أن ابْنَ مَسْعُودٍ، رضي الله عنه قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنْهَاكَ).

قال النووي رحمه الله في "شرحه على مسلم" (14/150):

" السِّواد بكسر السين... اتفق العلماء على أن المراد به السرار .. وهو السر والمسار ، "وفيه دليل لجواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول.

فإذا جعل الأمير، والقاضي، ونحوهما، وغيرهما، رفع الستر الذي على بابه، علامة في الإذن في الدخول عليه، للناس عامة، أو لطائفة خاصة، أو لشخص، أو جَعل علامةً غير ذلك: جاز اعتمادها، والدخول إذا وُجدت بغير استئذان.

وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه، ومماليكه، وكبار أولاده، وأهله.

فمتى أرخى حجابه، فلا دخول عليه إلا باستئذان، فإذا رفعه: جاز بلا استئذان. والله أعلم." انتهى.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ومن أحكام السلام أنه ينبغي إذا قرع الباب على شخص أن يقول (السلام عليكم أأدخل) إن كان الباب مغلقاً، وإن لم يكن مغلقاً قال: (السلام عليكم)، ولا حاجة أن يقول: أأدخل؛ لأنه إذا كان قد دعاك وأتيت، والباب مفتوح، فهذا يعني الإذن في الدخول" انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (24/2).

انظر: إجابة رقم: (147652)، (307722).

وحيث لم توجد قرينة تدل على الإذن في الدخول، فإنه لا يكتفي بكون الباب مفتوحا؛ لاحتمال أن أهل البيت نسوه كذلك، أو لعارض آخر، فيحتاج أن يستأذن، ولو بدق الجرس، أو الاتصال بالهاتف، أو نحو ذلك من الوسائل الحديثة.

في "الفواكه الدواني" (2/327): " التنحنح أو قرع الباب ثلاثا، سواء كان الباب مفتوحا أو مغلوقا، فإنه يقوم مقام الاستئذان بالكلام، والحاصل أنه يستأذن على كل من لا يحل له النظر إلى عورته حتى أمه وأخته" انتهى. وانظر: "حاشية الصاوي" (4/762)، "حاشية العدوي" (2/477).

وأما مشروعية السلام: فتدل عليه السنة، وأيضاً عموم قول الله تعالى (فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ

عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ)، وفي السلام نوع تنبيه.

وفي "صحيح الأدب المفرد" (ص: 407) (810/1055) عن عبد الله بن عمر قال: "إذا دخل البيت غير المسكون، فليقل: السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين". حسن إسناده الألباني.

قال ابن العربي رحمه الله في "أحكام القرآن" (3/371): "قال جماعة: الاستئذان فرض، والسلام مستحب.

وبيانه: أن التسليم كيفية في الإذن.

روى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم أنه استأذن علي ابن عمر، فقال: أألج فأذن له ابن عمر. قال زيد: فلما قضيت حاجتي أقبل علي ابن عمر، فقال: مالك ‌واستئذان ‌العرب، إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رد عليك السلام فقل: أأدخل؛ فإن أذن لك فادخل. فعلمه سنة السلام." انتهى.

ثامناً:

الآيات والأحاديث عامة في الأمر بالاستئذان، للرجال والنساء، حتى للأقارب، كالأم والأخت.

فإذا كنت تعيش في نفس البيت، فلا تدخل غرفة مغلقة إلا بإذن، وإذا كنت تعيش في الخارج فاستأذن، إلا إذا جرى عرف، بوجود علامة في الدخول بغير إذن، كأن يكون الباب مفتوحاً. والعلة في الاستئذان هي عدم النظر إلى العورات.

قال الله تعالى:

( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) النور/58 - 59.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب، بعضهم على بعض.

وما تقدم في أول السورة: فهو استئذان الأجانب، بعضهم على بعض.

فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم، مما ملكت أيمانهم، وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم، في ثلاثة أحوال:

الأول من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نياما في فرشهم.

( وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ) أي: في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.

( وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ )؛ لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال ألا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال .....

ثم قال تعالى: ( وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )، يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال " انتهى من "تفسير ابن كثير" (6/ 82 - 83).

والحكمة من هذا الأمر: بالاستئذان قبل الدخول – كما سبق ذكره – هي : حفظ العورات من أعين الناظرين، كما أشار إلى هذا قوله تعالى: ( ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ).

انظر: إجابة رقم: (350805).

في "صحيح الأدب المفرد" (813/1059) عن علقمة قال: جاء رجل إلى عبد الله، قال: أستأذن على أمي؟ فقال: " ما على كل أحيانها تحب أن تراها". صحح إسناده الألباني.

 عن عطاء قال: سألت ابن عباس، فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: "نعم". فأعدت، فقلت: أختان في حجري، وأنا أمونهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: "نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟! ثم قرأ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) إِلَى: (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) النور/ 58 قَالَ: فَلَمْ يُؤْمَرْ هَؤُلَاءِ بِالْإِذْنِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ". قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) النور/ 59 ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "فالإذن واجب، على الناس كلهم" رواه البخاري في "الأدب المفرد" (815/1063) وصحح إسناده الألباني.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android