أولا:
إذا كان هذا القول فيما بينك وبين نفسك ولم تتلفظ به: فلا يلزمك شيء، ويحق لك المطالبة بهذا الدين.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ رواه البخاري ( 5269 )، ومسلم ( 127 ).
قال الإمام الشافعي: "وإذا طلق الرجل امرأته في نفسه ولم يحرك به لسانه لم يكن طلاقا، وكل ما لم يحرك به لسانه فهو من حديث النفس الموضوع عن بني آدم " . انتهى من "الأم" (6/ 659)
ينظر: إجابة رقم (224072).
ثانيا:
إذا كان للإنسان عند غيره دين فأسقطه ، هل يجوز له أن يرجع في هذا الإسقاط ، ويطالب بدينه ؟
هذه المسألة تقع على صورتين :
الأولى :
أن يكون ذلك في حضور المدين ، فيقول له الدائن : أسقطت عنك الدين أو نحو ذلك من العبارات الدالة على هذا المعنى .
فيقول المدين : قبلت ، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على قبوله .
فهنا يسقط الدين باتفاق العلماء ، ولا يجوز للدائن أن يرجع ويطالب به .
الصورة الثانية :
إذا كان هذا الإسقاط في غير حضور المدين ، أو كان في حضوره ولم يقبل هذا الإسقاط .
وقد اختلف العلماء في سقوط الدين في هذه الحالة على قولين .
وسبب الخلاف : هل الإبراء من الدين ، إسقاط ، أو تمليك ؟
فذهب الجمهور إلى أنه إسقاط ، فلا يحتاج إلى قبول المدين ولا علمه ، وذهب المالكية إلى أنه تمليك فيحتاج إلى قبوله .
قال القرافي في الفروق (2/111) :
"الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ – هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ؟ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الدُّيُونِ حَتَّى يَقْبَلَ أَوْ ؟ يَبْرَأَ مِنْ الدُّيُونِ - إذَا أَبْرَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ؟ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ .
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ: هَلْ الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ ؟ وَالْإِسْقَاطُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ . أَوْ هُوَ تَمْلِيكٌ لِمَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ؟ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ عَيْنًا بِالْهِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا - لَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ وَقَبُولِهِ ؟" انتهى .
وقال ابن قدامة في المغني (8/250) :
"إِذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ : دَيْنٌ فَوَهَبَهُ لَهُ ، أَوْ أَبْرَأْهُ مِنْهُ ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ : صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ مِنْهُ ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ ؛ لِأَنَّهُ : إسْقَاطٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبُولِ ، كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ" انتهى .
وقال النووي في روضة الطالبين (4/196) :
"إن قَالَ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَلْفِ الَّذِي عَلَيْكَ : - بَرِئَ مِمَّا أَبْرَأَهُ - وَلَا يُشْتَرَطُ
الْقَبُولُ - عَلَى الصَّحِيحِ " انتهى .
وجاء في الموسوعة الفقهية (4/254) : "من المعلوم أن الساقط ينتهي ويتلاشى, ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلا بسبب جديد ... , فإذا أبرأ الدائن المدين فقد سقط الدين, فلا يكون هناك دين, إلا إذا وجد سبب جديد ... لأن الحق قد بطل, فلا يعود إلا بسبب جديد" انتهى.
وجاء في درر الحكام في شرح المادة (51) : "الساقط لا يعود، يعني إذا أسقط شخصٌ حقاً من الحقوق التي يجوز له إسقاطُها يسقط ذلك الحق، وبعد إسقاطه لا يعود. لو كان لشخصٍ على آخر دينٌ فأسقطه عن المدين، ثم بدا له رأيٌ فندم على إسقاطه الدين عن ذلك الرجل، فلأنه أسقط الدين، وهو من الحقوق التي يحق له أن يسقطها، فلا يجوز له أن يرجع إلى المدين ويطالبه بالدين؛ لأن ذمته برئت من الدين بإسقاط الدائن حقه فيه" انتهى "درر الحكام شرح مجلة الأحكام" (1/89).
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن رجل سامح المدين في الدين ثم طالبه به وأخذه منه . فأجابوا :
"إذا كان الأمر كما ذُكر فليس لك الحق في أخذ المبلغ الذي سامحت المدين فيه" انتهى.
فتاوى اللجنة الدائمة (13/177) .
والذي نراه أنه لا يجوز لك أن تطالب بهذا الدين الذي أسقطته ، لاسيما وأنك قد أكدت ذلك بإشهاد الله تعالى ، وأنك جعلت هذه المسامحة وسيلة ترجو بها المغفرة من الله والرحمة والقبول ، فكيف ترجع وتطالب بالدين ، وتنقض ما أشهدت الله عليه ؟
وقول الإنسان : أشهد الله ، أو : يشهد الله ، هي من ألفاظ اليمين ، إذا أراد المتكلم بها اليمين ، أي : إلزام نفسه بما قاله ، وهذا هو الظاهر من قولك ، أنك أردت أن تلزم نفسك بذلك ، فتكون يمينا .
جاء في "نهاية المحتاج" (8/178) في بيان بعض الألفاظ التي تكون يمينا إذا قصد المتكلم بها اليمين :
"وَأَشْهَدُ بِاَللَّهِ كِنَايَةً ، لِعَدَمِ اشْتِهَارِهَا فِي الْيَمِينِ" .
قال الشبراملسي في حاشيته عليه :
"وَمِثْلُهُ : اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَيَّ ، أَوْ يَشْهَدُ اللَّهُ عَلَيَّ ، أَوْ اللَّهُ وَكِيلٌ عَلَيَّ" انتهى .
والحاصل أنه لا يجوز لك الرجوع في العفو عن هذا الدين .
وينظر جواب السؤال (75056)
والله أعلم .