ما حكم الحج عن المريض النفسي؟

السؤال 609972

ما حكم من لم يستطع الحج لأسباب صحة نفسية، وليست عضوية ولا مادية؟

ملخص الجواب

المرض النفسي منه ما يسقط وجوب الحج أصلًا لخروج صاحبه عن حد المكلف، ومنه ما يستوي مع المرض البدني فيسقط الأداء ويلزم صاحبه أن ينيب عنه إن كان يملك المال، ومنه ما لا يسقط الوجوب ولا الأداء، ويرجع في ذلك كله إلى الطبيب المسلم الثقة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

إن الاستطاعة المذكورة في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران/97، هي شرط لوجوب الحج، وهي تشمل الاستطاعة المالية، والبدنية، وكذلك "النفسية"؛ إذ العقل هو مناط التكليف، وسلامة الإرادة هي شرط الأداء.

وكلام العلماء في الاستطاعة يدور على وجود المركب الذي يوصله، ونفقة الطريق ذهابًا وإيابًا، بعد أن يترك نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة غيابه، وبعد قضاء ما عليه من الديون، مع الصحة وأمن الطريق والمحرم للمرأة.

وقد جاء عن عكرمة رحمه الله في تفسير الآية السابقة قوله: "السبيل الصحة". انظر: "تفسير ابن كثير: سورة آل عمران آية 97".

ويمكن تفصيل الحكم الفقهي لهذه المسألة في النقاط التالية:

أولًا:

أثر المرض النفسي على أهلية الوجوب (هل الحج مفروض عليه؟)

الحكم الفقهي يدور مع الأهلية: وهي صلاحية الشخص لصدور الفعل منه على وجه يُعتد به شرعًا.

وينقسم الحكم إلى حالتين رئيسيتين:

الحالة الأولى: الأمراض الذهانية (فقدان العقل).

إذا كان المرض النفسي يؤدي إلى غياب الوعي، أو الإدراك، أو اختلال العقل، (مثل: الفصام في حالاته الحادة، أو الذهان)، فإن الحج لا يجب عليه أصلاً. إلا إن كان وقته في غير نوبة الذهان، ويأمن من حدوثها زمن الحج. ويرجع في تحديد ذلك إلى طبيبه.

والقاعدة في ذلك هي: رفع التكليف: لقوله ﷺ: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) أخرجه أبو داود (4398)، والنسائي في الصغرى (3432)، والبيهقي (8380) واللفظ له، وصححه ابن حبان (142) والألباني في "صحيح سنن أبي داود" (4398)؛ فالعقل هو مناط التكليف، وبفقده يسقط وجوب الحج.

الحالة الثانية: الأمراض النفسية غير المزيلة للعقل (كالرهاب والاكتئاب)

إذا كان الشخص عاقلًا ومدركًا، لكن مرضه (مثل: الرهاب الاجتماعي الحاد، أو نوبات الهلع من الزحام) يمنعه من أداء المناسك، فهنا ينتقل الحكم من سقوط الوجوب، إلى ثبوت الوجوب في حقه، لكن يعفى عنه لعدم الاستطاعة.

الدليل: الحج مشروط بالاستطاعة لقوله تعالى: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، والعجز النفسي الشديد داخل في العوارض التي تمنع الشخص من أداء الفريضة بنفسه.

أما إن كان مرضه النفسي لا يبلغ هذه الدرجة فالواجب في حقه، لا يسقط.

ثانيًا:

الحكم الفقهي (ماذا يجب عليه؟)

يتم التعامل مع المريض نفسيًا (الذي لا يستطيع التواجد في الزحام أو السفر) معاملة "المعضوب" وهو العاجز بدنيًا عجزًا مستمرًا، وحكمه كالآتي:

1- إذا كان يملك المال والمرض مستمرًا (مزمنًا): لا يجب عليه الحج بنفسه، بل يجب عليه «الإنابة« (أن يُكلف غيره بالحج عنه من ماله)، لأن العجز هنا عجز عن الأداء وليس عجزًا عن «الوجوب«.

قال في شرح المنتهى (2/425): "والعاجز عن سعي لحج أو عمرة، لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لنحو زمانة أو لثقلٍ، بحيث لا يقدر معه على ركوب راحلة إلا بمشقة شديدة غير محتملة ... = لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه".

وقال صاحب الزاد: "وإن أعجزه كبر، أو مرض لا يرجى برؤه؛ لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه"

قال الشيخ ابن عثيمين في شرحه (7/30): "قوله: وإن أعجزه كبر أي: مع توافر المال لديه، فهو قادر بماله، غير قادر ببدنه  ... = فإنه يلزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه.

وقوله: لا يرجى برؤه: فهم منه أنه لو كان يرجى برؤه، فإنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه، ولا يلزمه أن يحج بنفسه؛ لأنه يعجزه، لكن يجوز أن يؤخر الحج هنا، فتسقط عنه الفورية؛ لعجزه، ويلزمه أن يحج عن نفسه إذا برئ".

2- إذا كان المرض يُرجى شفاؤه: فإن المريض ينتظر حتى يشفى، ولا يجزئه أن يُنيب غيره، ما دام هناك أمل في القدرة النفسية مستقبلًا.

جاء في الموسوعة الفقهية (29/254): "إِذَا أُصِيبَ بِعَاهَةٍ يُرْجَى زَوَالُهَا، فَلاَ تَجُوزُ الإْنَابَةُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ عِنْدَ زَوَالِهَا عَنْهُ".

3- إذا كان لا يملك المال: يسقط عنه الحج، لعدم الاستطاعة المالية، والبدنية/النفسية.

ثالثًا:

عموم الحكم للمرض النفسي والبدني: يستوي فيما تقدم المرض النفسي والبدني، بشرط شهادة طبيب مسلم ثقة بذلك.

وهنا يختلف المرض النفسي نوع اختلاف عن المرض البدني الحسي، ففي المرض البدني: يعلم المكلف من نفسه الاستطاعة أو عدمها، ولا يشترط له شهاد طبيب أنه عاجز، أو قادر، بل يكفي فيه ظاهر الحال.

وأما المريض النفسي، فالغالب عليه أنه لا يمكنه تقدير حالته، واستطاعته بدقة، ولهذا يحتاج إلى مساعدة الطبيب المعالج العارف بحالته، بحيث يمكنه من تقدير استطاعته من عدمها، بعد أن يكون الطبيب مسلما ثقة في طبه ودينه. فإن شهد بقدرتك على الحج، وجب عليك إذا توفرت بقية الشروط.

وإن شهد بعدم قدرتك، إما حالا، أو مآلا، بأن يخشى أن تتفاقم أزمتك الصحية إذا تلبست بالمناسك الآن، مع رجاء قدرتك فيما بعد: فتنتظر حتى تستطيع.

وإن لم يكن هناك رجاء في تحسن الحالة، أو قدرتك على أداء المناسك بنفسك، فإنك توكل من يحج عنك.

والله أعلم

المراجع

مسائل متفرقة في الحج

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android