إن كان المقصود أن يتذكر المسلم نعم الله، ويشكره عليها، دون ربط ذلك بقوانين كونية أو طاقة أو جذب، فهذا جائز بل هو حسن.
الدعوة لبدء اليوم بالامتنان، هل فيها محذور شرعي؟
السؤال 608316
انتشر أخيرًا مصطلح الامتنان مثل: ابدأ يومك بالامتنان، وذكّر نفسك بثلاثة نعم تمتن لله عليها، فما موقف الشرع من ذلك، مع الدليل إذا تكرمتم؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
معنى الامتنان :
الامتنان يأتي بأكثر من معنى، ومن معانيه في اللغة : الإحسان والإفضال، فيقال: امتنان الله تعالى: أي إحسانه وإفضاله. انظر: "تاج العروس" (1/110).
والفصيح أن يقال: أرجو قبول شكري، وأما (أرجو قبول امتناني) بمعنى الشكر، لم تكن مستعملة عند المتقدمين. وقد أجاز مجمع اللغة المصري استعمال كلمة امتنان بمعنى الشكر استنادًا إلى ورود مادتها في المعاجم بمعنى الإنعام والإحسان، وقد ذكرتها بعض المعاجم الحديثة
وفي "معجم اللغة العربية المعاصرة" (3/2130):
"امتنَّ له: شكره "أنا ممتنٌّ لك- لك منِّي كلّ العرفان والامتنان: لك منِّي العرفان والشكر.
امتِنان [مفرد]: ...
اعترافٌ بالجميل، عكسه جحود "بكلّ امتنان أقدِّم لك جزيل شكري- عبّر عن امتنانه لصديقه: شكره"." انتهى.
وفي "معجم الصواب اللغوي" (1/ 158):
"أجاز مجمع اللغة المصري استعمال كلمة امتنان بمعنى الشكر استنادًا إلى ورود مادتها في المعاجم بمعنى الإنعام والإحسان، وقد ذكرتها بعض المعاجم الحديثة كالمنجد، والأساسي بمعنى الشكر أو الاعتراف بالجميل" انتهى.
انظر: إجابة رقم: (330031).
ثانيًا:
المراد بالامتنان هنا: هو شعور القلب بالنعمة، وإقرار اللسان بها، واستعمالها في الطاعة.
وهذا المعنى أصيل في الإسلام، بل هو من صميم العبادة، ويُسمّى شرعًا الشكر.
قال الله تعالى: فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ [البقرة/ 152]، لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ [إبراهيم/ 7].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، ... رواه مسلم (2999).
فمبدأ تذكّر النِّعم وشكر الله عليها مشروع ومطلوب شرعًا.
جَلَسَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَيْلَةً إِلَى الصَّبَاحِ يَتَذَاكَرَانِ النَّعَمَ، فَجَعَلَ سُفْيَانُ يَقُولُ: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كَذَا، فَعَلَ بِنَا كَذَا، فَعَلَ بِنَا كَذَا الشكر لابن أبي الدنيا (ص: 41).
ونظر العبد لمن هو دونه ومن أشد منه ابتلاء، يخفف شدة الابتلاء ، ويحمد الله ويشكره أن لم يصبه بأشد مما هو عليه.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ). رواه البخاري (6490) ومسلم (2963) .
انظر: إجابة رقم: (159553).
"عن سلام بن أبي مطيع، قال: " دخلت على مريض فإذا هو يئن فقلت له: اذكر المطروحين في الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم، ولا من يخدمهم، قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فلم أسمعه يئن، قال: وجعل يقول: اذكر المطروحين في الطريق، اذكر من لا مأوى له، ولا من يخدمه" "الشكر" لابن أبي الدنيا (ص: 48).
ثالثًا:
قولهم ابدأ يومك بالامتنان، واذكر ثلاث نعم.
إن كان المقصود أن يتذكر المسلم نعم الله، ويشكر الله بقلبه ولسانه، دون اعتقاد خاص بعدد معيّن، ودون ربط ذلك بقوانين كونية أو طاقة أو جذب، فهذا جائز بل هو حسن، وداخل في عموم الذكر والشكر.
ولا حرج أن يُذكّر الإنسان نفسه بنِعَمٍ معيّنة صباحًا أو مساء، فله أصل فقد جاء في الحديث: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك….
قال عنه النَّووي: "إسناده جيدٌ"، وحسَّنه الحافظ ابن حجر، وضعَّفه الشيخ ناصر الدين الألباني -رحم الله الجميع.
انظر: "الأذكار" للنووي (ص79)، "فتح الباري" لابن حجر (11/131)، "ضعيف الجامع"، برقم (5730).
وأما إن اقترن ذلك باعتقادات خاطئة. مثل: أن الامتنان بذاته يجلب الرزق بقانون كوني مستقل، أو أن الكون يستجيب للمشاعر، أو أن العدد (ثلاث نعم) له تأثير خاص بذاته.
فهذا منكر شرعًا مخلّ بالتوحيد، وينسب التأثير لغير الله، ويشبه بعض فلسفات “قانون الجذب” المخالفة للعقيدة.
وأصحاب قانون الجذب جعلوا طريقة التواصل مع الله عز وجل عن طريق الكون، وهذا يعني أننا لا نتواصل مع الله بشكل مباشر بل الكون يكون وسيطاً بيننا وبين الخالق، وهذا الشيء بالتأكيد يتنافى مع عقيدة الإسلام. (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ) البقرة/186.
انظر: قانون الجذب ، إجابة رقم: (112043).
وأما مسألة تحديد العدد (ثلاث نعم): فالأمر فيها يسير، ولعل المراد تقريب الأمر، والحث على تذكر النعم.
وبكل حال؛ فلا يحتاج العبد المسلم إلى مثل ذلك، ولو أنه بدأ يومه بذكر الله، وتلاوة ما وظف له من الأذكار في الصباح، وتأمل معانيها، لكان في ذلك غنية، وكفاية، وزيادة.
وفوق ذلك: أن يوظف على نفسه وردا من الحمد لله كل يوم؛ فالحمد لله تملأ الميزان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم (223).
وقال صلى الله عليه وسلم: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ). رواه البخاري (6682) ومسلم (2694).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟