22

هل يتيمم عن الجبيرة الزائدة عن محل الجرح؟

السؤال: 600593

ذكر في أحكام العجز عن الوضوء بسبب الجبيرة أنه يمسح على مكان الإصابة وحدها، مثل إن جرحت إصبع المسلم وبدل أن يلفها وحدها لف الجبيرة حول الأصبع والذراع، فقالوا: إن عليه المسح على الأصبع مكان الإصابة، والمكان الزائد على ذلك يتيمم عنه، فكيف يتيمم عنه؟ وكيف استدلوا على ذلك؟

ملخص الجواب

القول الراجح من مذاهب الفقهاء أنّ صاحب الجبيرة يكتفي بالمسح عليها دون التيمم.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

القول الذي أشرت إليه في سؤالك، حول المسح على الجبيرة التي تغطي مكانا زائدا عن موضع الإصابة، والتيمم عنه: هو المشهور من مذهب الحنابلة، حيث نصوا على أنه إذا كانت الجبيرة تغطي أكثر من محل الحاجة، مسح على الجبيرة التي في محل الحاجة، وتيمم للزائد، ولا يمسح عليه.

قال ابن قدامة رحمه الله:

"ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم.

ويحتمل أن يتيمم مع مسحها، فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة؛ لأن ما على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضى التيمم" انتهى من "المغني"  (1/ 357).

وقال شمس الدين ابن قدامة رحمه الله:

"ويمسح على جميع الجبيرة، إذا ‌لم ‌تتجاوز ‌قدر ‌الحاجة؛ لأنه لا يشق المسح عليها كلها...

وإنما يجوز المسح عليها، إذا لم يتعد بها موضع الكسر، إلا بما لا بد من وضع الجبيرة عليه...

فإذا تجاوز بها موضع الحاجة، لزمه نزعها، إن لم يَخف الضرر.

وإن خاف من نزعها، تيمم لها؛ لأنه موضع يُخاف الضرر باستعمال الماء فيه، فجاز التيمم له، كالجرح" "الشرح الكبير" (1/ 424).

وقال الببهوتي، رحمه الله:

"يمسح على (جبيرة)، مشدودة على كسر أو جرح ونحوهما، لم ‌تتجاوز ‌قدر ‌الحاجة، وهو موضع الجرح والكسر وما قرب منه، بحيث يحتاج إليه في شدها.

فإن تعدى شدُّها محلَّ الحاجة: نزعها. فإن خشي تلفا، أو ضررا: تيمم لزائد" انتهى من "الروض المربع شرح زاد المستقنع" (ص34).

وهذا الذي ذكره الحنابلة، هو أيضا قول الشافعية:

قال النووي رحمه الله:

"وإن كان -ما يغطي العضو-كجبيرة لا يمكن نزعها: غسل الصحيح، وتيمم، كما سبق، ‌ويجب ‌مع ‌ذلك ‌مسح ‌كل ‌جبيرته ‌بماء" انتهى من "منهاج الطالبين" (ص17).

قال الخطيب الشربيني، رحمه الله:

"ومسح الساتر بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الصحيح كما في التحقيق وغيره، وعليه يحمل قول الرافعي إنه بدل عما تحت الجبيرة، وقضية ذلك أنه لو كان الساتر بقدر العلة فقط أو بأزيد وغسل الزائد كله لا يجب المسح وهو كذلك، فإطلاقهم وجوب المسح جرى على الغالب من أن الساتر يأخذ زيادة على محل العلة ولا يغسل". انتهى، من "مغني المحتاج" (1/ 257).

وأما الماليكة والأحناف: فذهبوا إلى أنه يمسح على الجبيرة كلها، بلا تيمم.

جاء في "موسوعة أحكام الطهارة"، لأبي عمر الدبيان (3/ 441 ط 3):

"فإن تجاوز بالجبيرة موضع الحاجة، فإن كان لا يضره حلها، حلها وغسل ما تحت الصحيح، وإن كان يضره فقيل: يمسح عليها كلها بلا تيمم وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد" انتهى.

وينظر للفائدة: "الموسوعة الفقهية الكويتية" (15/109).

ثانياً:

أما دليل من قال بالجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة، فقد اعتمدوا على دليل، وتعليل.

أما الدليل: فحديث جَابِرٍ قَالَ: (خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ.

فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: "‌قَتَلُوهُ ‌قَتَلَهُمُ ‌اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ.

إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ: أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ). رواه أبو داود (336).

وأما التعليل فقالوا: إنه يشبه الجريح لأنه يترك الغسل خشية الضرر ويشبه لابس الخف لأنه يتضرر بنزع الحائل"

فجمع له بين غسل ما يمكن غسله والمسح على العصابة والتيمم لم نقص عن الغسل بالمسح.

قال العمراني، رحمه الله، في بيان دليل المذهب ـ على القول الجديد بالجمع بين المسح والتيمم، وتعليله:

" وهل يجب عليه أن ‌يتيمم مع المسح؟ ذكر أصحابنا البغداديون فيها قولين:

[الأول]: قال في القديم: (لا ‌يتيمم؛ لأنه لا يجب عليه بدلان من مبدل، كما لا يلزم ماسح الخف).

و[الثاني]: قال في الجديد: (‌يتيمم؛ لحديث جابر في الرجل الذي أصابته الشجة في رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما كان يكفيه أن ‌يتيمم، ‌ويعصب على رأسه ‌خرقة، ويمسح عليها، ويغسل سائر بدنه.

ولأن واضع الجبيرة أخذ شبهًا من الجريح؛ لأنه يخاف الضرر من غسل العضو، كما يخافه الجريح، وأخذ شبهًا من لابس الخف؛ لأن المشقة تلحقة في نزع الجبيرة، كلابس الخف، فلما أشبههما.. وجب عليه أن يجمع بين حكميهما، وهما المسح، والتيمم". انتهى، من "البيان في مذهب الإمام الشافعي" (1/ 332). وينظر: "المجموع شرح المهذب" (2/ 324).

وأيضا؛ فإن شد الجبيرة على موضع لا يحتاج إليه، كشدها على موضع لا كسر فيه، فيبقى ما على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضي التيمم؛ إذا لم يمكنه غسله.

انظر: "شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الطهارة" (ص284) و"موسوعة أحكام الطهارة" للدبيان (3/ 433 ط 3).

ثالثاً:

القول الذي نختاره في الموقع: أنه لا يجمع بين المسح والتيمم؛ وذلك لضعف حديث جابر المذكور سابقاً في الجمع بين المسح والتيمم.

قال الشيخ الالباني رحمه الله:

"‌هذا ‌الحديث: ‌ضعفه ‌البيهقي ‌والعسقلاني ‌وغيرهما. ‌لكن ‌له ‌شاهد ‌من ‌حديث ‌ابن ‌عباس ‌يرتقي ‌به ‌إلى ‌درجة ‌الحسن؛ ‌لكن ‌ليس ‌فيه ‌قوله: "‌ويعصر … ‌الخ" ‌فهي ‌زيادة ‌ضعيفة ‌منكرة، ‌لتفرد ‌هذا ‌الطريق ‌الضعيف ‌بها" انتهى من "تمام المنة في التعليق على فقه السنة" (ص131).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"وإذا كان الكسر في الأصبع، واحتجنا أن نربط كل الراحة ‌لتستريح ‌اليد: ‌جاز ‌ذلك ‌لوجود ‌الحاجة.

فإن تجاوزت قدر الحاجة، لم يمسح عليها، لكن إن أمكن نزعها بلا ضرر نزع ما تجاوز قدر الحاجة.

فإن لم يمكن، فقيل: يمسح على ما كان على قدر الحاجة، ويتيمم عن الزائد.

والراجح: أنه يمسح على الجميع بلا تيمم؛ لأنه لما كان يتضرر بنزع الزائد، صار الجميع بمنزلة الجبيرة" انتهى "الشرح الممتع على زاد المستقنع" (1/ 243).

وجاء في "حاشية الروض المربع لابن قاسم" (1/ 226):

"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو، لأنه مسح على حائل، فأجزأ من غير تيمم" انتهى.

رابعاً:

أما كيفية التيمم عن العضو الممسوح: فذهب الذين يرون الجمع بين المسح والتيمم إلى أنه يتيمم عند وصوله للعضو الذي عليه الجبيرة، بعد غسل الصحيح منه، ومسحه، أو قبل المسح.

ولا ينتقل للعضو الذي يليه حتى يتيمم له، في حال الوضوء.

أما في الغسل من الجنابة: فالأمر واسع؛ بأيهما بدأ، أجزأه.

لكن الأمر في الترتيب بين غسل ما يُغسل من العضو، ومسح ما يمسح منه، والتيمم عما تحت الجبيرة: كل ذلك لا توقيف فيه، فيخير بين تقديم الغسل، أو تأخيره، أو جعله وسطا بين المسح والتيمم.

قال الرملي، رحمه الله:

"(فالأصح اشتراط التيمم وقت غسل العليل)، لاشتراط الترتيب في طهارته؛ فلا ينتقل عن عضو حتى يكمله غسلا وتيمما، عملا بقضية الترتيب، فلو كانت العلة في اليد، فالواجب تقديم التيمم على مسح الرأس، وتأخيره عن غسل الوجه.

وله تقديمه [=التيمم] على غسل الصحيح، وهو الأولى، ‌ليزيل ‌الماءُ ‌أثر ‌التراب. ‌وتأخيرُه ‌عنه، ‌وتوسطه؛ إذ العضو الواحد لا ترتيب فيه.

ولو كانت العلة في وجهه: تيمم عنه قبل غسل اليدين" انتهى من "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" (1/ 285).

وينظر: "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (1/ 358).

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android