كيف يخرج المسلم من المحنة دون أن ينكسر نفسيًّا؟

السؤال 600181

كيف أخرج من المحنة دون أن أنكسر نفسيًّا؟

ملخص الجواب

المحنة قد تؤلم الإنسان، لكنها لا ينبغي أن تهدمه أو تسلبه معنى حياته. ومن أسباب تجاوزها: أخذ الدرس منها دون جلد للذات، وعدم الاستسلام للماضي، ومواصلة الحياة مع الأخذ بالأسباب، والنظر إلى البلاء في ضوء الإيمان والصبر والرجاء، مع كثرة الدعاء والاستغفار واللجوء إلى الله.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

وبعد؛ فقد كنا نرجو لو ذكرتِ تفاصيل أكثر عن المحنة التي تمرين بها، وما الذي حدث معكِ، وكيف أثرت فيكِ نفسيًا، وما أكثر ما يؤلمكِ أو تخافين منه الآن؛ حتى نستطيع أن نقدّم لكِ توجيهًا أكثر قربًا من حالتكِ، لكن على أي حال، سنضع لكِ مجموعة من التوجيهات التي نسأل الله تعالى أن تنفعكِ، وأن يربط على قلبكِ، ويعينكِ على تجاوز هذه المرحلة دون أن تخرجي منها مكسورة النفس.

ولعل أول ما نريد أن نقوله لكِ: المحنة لا تعني أن حياتكِ انتهت، ولا أنها سلبت منكِ قيمتكِ، ولا أن المطلوب منكِ أن تخرجي منها دون ألم؛ وإنما المطلوب ألا تسمحي لها أن تسلبكِ معنى حياتكِ، أو أن تحوّل ما حدث إلى حمل دائم تحملينه معكِ أينما ذهبتِ.

- لا تنظري إلى المحنة بعين العجز، بل بعين التعلم، فعندما تقع المحنة قد ينشغل الإنسان بسؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ولماذا أنا؟ ومتى سينتهي؟ وهذه أسئلة طبيعية، لكن من المهم أن تضيفي إليها سؤالًا آخر: ماذا يمكن أن أتعلم من هذه التجربة؟ فالمحنة قد تكشف للإنسان أشياء لم يكن يراها في نفسه أو في الآخرين، أو في طريقة تعامله مع الحياة. قد تكشف له خطأ في قرار، أو ضعفًا يحتاج إلى إصلاح، أو حدودًا كان ينبغي أن يضعها، أو أشخاصًا لم يكن ينبغي أن يمنحهم ثقته، أو أولويات كان يحتاج إلى إعادة ترتيبها؛ فإذا اكتشفتِ خطأً منكِ، فلا تجعلي اكتشافه سببًا لتحطيم نفسكِ، بل اجعليه فرصة للإصلاح، وراجعي نفسكِ لتتعلمي، لا لتحكمي على نفسكِ بالإعدام، فالتوبة تصلح الخطأ، والتعلم يمنع تكراره، والإصلاح يفتح صفحة جديدة.

- خذي من المحنة درسها، ولا تحمليها فوق ظهركِ، من الممكن أن تنتهي المحنة في الواقع، لكنها تستمر داخل الإنسان؛ لأنه يعيد تفاصيلها كل يوم، ويعيش في ماذا لو؟، ويعيد محاكمة نفسه والآخرين، وكأنه ما زال داخل الحدث، وهنا من المهم أن تفرقي بين الاستفادة من الماضي والعيش فيه، فيمكنكِ أن تتذكري ما حدث دون أن تبقي أسيرة له، ويمكنكِ أن تعترفي بأنه آلمكِ دون أن تجعليه هويتكِ، ويمكنكِ أن تتعلمي منه دون أن تحملي ألمه إلى كل يوم جديد، لذلك قولي لنفسكِ نعم، حدث هذا، وقد آلمني، وسأتعلم منه، لكنني لن أسمح له بأن يسرق بقية حياتي، فالمطلوب ليس أن تنكري المحنة، وإنما أن تضعيها في حجمها الصحيح، وتأخذي منها ما يفيدكِ، ثم تمضي، ولا تنسي الدرس، لكن اتركي الحمل.

- لا تسمحي للهزيمة أن تتحول إلى انكسار، ومن أجمل ما يوضح هذا المعنى ما حدث للمؤمنين بعد غزوة أُحد، فقد كانت الهزيمة مؤلمة، واستشهد من الصحابة رضي الله عنهم من استشهد، وأصيب النبي ﷺ وأصحابه، وشعر المسلمون بالحزن والألم، لكن القرآن لم يسمح لهذه التجربة أن تتحول إلى انهيار نفسي، أو فقدان للثقة، أو شعور بأن الطريق انتهى. قال تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلم يقل لهم القرآن إن ما حدث لم يكن مؤلمًا، وإنما وجّههم إلى ألا يسمحوا للهزيمة أن تهزمهم من الداخل، وهذا درس مهم لكِ أيضًا فقد يخسر الإنسان موقفًا، لكنه لا يجب أن يخسر نفسه، وقد يمر بتجربة مؤلمة، لكنه لا يجب أن يفقد إيمانه أو كرامته أو قدرته على مواصلة الطريق؛ فالمحنة قد تكون هزيمة في موقف، لكنها ليست هزيمة للحياة كلها.

- إيمانكِ هو الذي يحفظ معنى حياتكِ، فمن أعظم ما يمنح الإنسان قدرة على الصمود أن يكون معنى حياته أوسع من الظروف التي يمر بها، فالمؤمن لا يستمد قيمته فقط من نجاحه، أو من رضا الآخرين عنه، أو من خلو حياته من المشكلات؛ وإنما يعرف أنه عبد لله، وأن لحياته غاية، وأن أمامه طريقًا يستطيع أن يسير فيه مهما تغيرت الظروف، قد يفقد شيئًا، لكنه لا يفقد كل شيء، وقد يتألم، لكنه لا يرى ألمه عبثًا، وقد لا يفهم الحكمة الآن، لكنه يثق بحكمة الله، وقد يعجز عن تغيير الحدث، لكنه يستطيع أن يختار موقفه منه.

من أجل ذلك؛ لا تجعلي المحنة تقنعكِ بأنكِ فقدتِ معنى الحياة، واسألي نفسكِ ما الذي ما زلت أستطيع فعله؟ ما الخير الذي أستطيع أن أقدمه؟ ما الذي يمكنني إصلاحه في نفسي؟ كيف يمكنني أن أقترب من الله في هذه المرحلة؟ ومن الذي أستطيع أن أكون عونًا له؟ فهذه الأسئلة تنقلكِ من الشعور بالعجز أمام ما حدث، إلى التفكير فيما تستطيعين فعله الآن.

- انظري إلى البلاء في ضوء الإيمان، لا في ضوء الألم وحده، فمن أعظم ما يثبّت قلب المؤمن أن يعلم أن ما يقع في حياته ليس خارجا علم الله وتقديره، قال الله تعالى: وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وقد لا تعرفين الآن أين الخير فيما حدث، ولا يلزم أن تعرفيه حتى تطمئن نفسكِ إلى أن الأمر لم يخرج عن علم الله وحكمته، وقال النبي ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) [رواه مسلم].

وينظر جواب السؤال رقم 224161 ورقم 71236

- ليس معنى ذلك: أن المؤمن لا يتألم؛ لكنه يستطيع أن يجعل ما يؤلمه بابًا إلى الخير، من خلال صبره وموقفه واستجابته؛ وهنا يمكنكِ أن تنظري إلى المحنة على أنها قد تحمل أكثر من معنى في وقت واحد (ابتلاءً، وتكفيرًا للذنوب، ورفعةً للدرجات، وتعليمًا للإنسان، وإيقاظًا له، وربما صرفًا له عن شر لا يعلمه، أو إعدادًا له لمرحلة لم يكن مستعدًا لها)، وقد قال النبي ﷺ: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه) [متفق عليه].

وهذه النظرة لا تعني أن نحب الألم، أو نتمنى البلاء، وإنما تعني ألا نراه خسارة خالصة، أو حدثًا عبثيًا لا معنى له.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم 135711 ورقم 35914 ورقم 213111

- لا تجلدي نفسكِ بسبب ما حدث، فقد يكون الإنسان قد أخطأ في بعض اختياراته، وقد يكون قادرًا اليوم على رؤية أشياء لم يكن يراها وقتها، لكن انتبهي إلى الفرق بين تحمل المسؤولية وبين جلد الذات، فتحمل المسؤولية يعني أن أقول أخطأت هنا، وسأصلح ما أستطيع، ولن أكرر الخطأ، أما جلد الذات فيقول أنا سيئة، وأنا السبب في كل شيء، ولا أستحق الخير، ولو كنت أفضل لما حدث هذا؛ فالأول يبني الإنسان، والثاني يهدمه، فإذا كان هناك خطأ فباب التوبة مفتوح، وإذا كان هناك تقصير فباب الإصلاح مفتوح، وإذا كان هناك درس فخذه، ثم لا تحولي بقية حياتكِ إلى عقوبة على شيء مضى.

- لا تجعلي انتهاء المحنة شرطًا لعودة الحياة؛ فقد تقولين لنفسكِ سأكون بخير عندما تنتهي المشكلة؛ وهذا مفهوم، لكن إذا جعل الإنسان حياته كلها معلقة على انتهاء أمر لا يملك السيطرة الكاملة عليه، فإنه يمنح المحنة سلطة أكبر من حجمها، لذلك ننصحك بأن تعملي وتكملي مشوار حياتك، وليس معنى ذلك تجاهل المشكلة بل خذي بالأسباب لعلاجها، لكن لا تسمحي لها بأن تحتل كل مساحة حياتكِ.

- اسألي نفسكِ من أريد أن أصبح بعد هذه التجربة؟ بدل أن يكون السؤال الوحيد ماذا أخذت مني المحنة؟ ويمكن أن تضيفي لها سؤال ماذا أريد أتضيف لي هذه المحنة؟ فربما تخرجين منها أكثر قربًا من الله، وأكثر وعيًا بنفسكِ، وأكثر قدرة على وضع الحدود، وأكثر حكمة في اختيار الأشخاص، وأكثر تقديرًا للنعم، وأكثر صبرًا ورحمة ونضجًا، وهنا تتحول المحنة من مجرد شيء حدث لكِ إلى تجربة ساهمت في بناء شخصيتكِ.

وليس معنى ذلك أن نقول إن المحنة كانت جميلة، أو أننا كنا نتمنى وقوعها، وإنما أن نتعلم كيف نتعامل معها حين تقع. فقد قال النبي ﷺ: (لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العدو، وسلوا اللهَ العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا)، فالمؤمن لا يطلب البلاء ولا يتمنى الشدائد، بل يسأل الله العافية، لكن إذا نزل به ما يكره، فلا يكون موقفه الاستسلام والانهيار، وإنما الصبر والثبات والتعامل مع الواقع بما يستطيع.

- لا تطلبي من نفسكِ أن تعودي كما كنتِ تمامًا، فربما تتمنين أن تعودي إلى الشخص الذي كنتِ عليه قبل المحنة، لكن التعافي لا يعني دائمًا العودة إلى الصورة القديمة، بل قد يعني أن تخرجي من التجربة بصورة أكثر نضجًا واتزانًا ووعيًا، لذلك لا تسألي فقط متى سأعود كما كنت؟ بل اسألي كيف أريد أن أخرج من هذه التجربة؟ فالمطلوب ليس أن تخرجي من المحنة وكأنها لم تحدث، وإنما أن تخرجي منها دون أن تسمحي لها بأن تهدم ما بقي منكِ.

- أخيرًا، عليكِ بالدعاء والاستغفار والتسبيح، ولا تهملي هذا الباب العظيم في أوقات المحن؛ فالدعاء ليس مجرد وسيلة لتخفيف القلق، وإنما هو لجوء إلى الله، واستمداد للقوة منه، وسؤال له أن يرفع البلاء ويبدل الحال، فانطرحي بين يدي ربكِ، واشكي إليه ضعفكِ وحاجتكِ، وألِحّي عليه أن يرفع عنكِ ما نزل بكِ، وأن يمنحكِ الصبر والقوة والبصيرة التي تعينكِ على تجاوز محنتكِ.

وتأملي قصة يونس عليه السلام؛ فقد اجتمعت عليه ظلمات شديدة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، ولم يكن يرى أمامه مخرجًا، لكنه لم يكن بلا ملجأ؛ فرفع دعاءه إلى الله: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فجاءه الفرج، وقال الله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ، وتأملي قوله تعالى: وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ؛ فلم يقل وكذلك ننجي المرسلين، وإنما قال المؤمنين، لتكون قصة يونس عليه السلام درسًا لكل مؤمن يمر بكرب، وليعلم أن النجاة ليست أمرًا خاصًا بالأنبياء، وأن باب الله مفتوح لعباده، وأن شدة المحنة لا تعني استحالة الخروج منها، وقد وعد الله أهل التقوى فقال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فلا تيأسي من الفرج وإن ضاقت بكِ السبل، ولا تجعلي ما ترينه من صعوبة الواقع يحجب عنكِ قدرة الله؛ فقد يفتح لكِ بابًا لم يخطر لكِ على بال، ويجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الكرب فرجًا.

وأكثري من الاستغفار والتسبيح، وألِحّي في الدعاء، وخذي بالأسباب التي تستطيعينها، وثقي بالله فكما أخرج يونس عليه السلام من ظلمات الكرب إلى النجاة، فإن الله قادر على أن ينقلكِ من الضيق إلى السعة، ومن الخوف إلى الطمأنينة، ومن الانكسار إلى القوة.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم 454387 ورقم 392777

والحاصل:
أن المحنة قد تؤلمكِ، وقد تأخذ منكِ شيئًا، لكن لا تسمحي لها أن تأخذ منكِ كل شيء، ولا تلومي نفسكِ لأنكِ تألمتِ، ولا تطلبي من نفسكِ أن تكوني قوية طوال الوقت؛
قد تكون المحنة مدرسة، وتكفيرًا، ورفعةً، وسببًا لنضج لم تكوني لتبلغيه في الرخاء.

ابكي إن احتجتِ، وانطرحي بين يدي ربكِ، وألِحّي عليه بالدعاء أن يرفع عنكِ ما نزل بكِ، وأن يمنحكِ من القوة والثبات ما تحولين به محنتكِ إلى منحة.

وتذكري أن إيمانكِ يمنح حياتكِ معنى يتجاوز ما أصابكِ، وأن ما فقدتِه لا يختصر كل ما بقي لكِ فقد تكون المحنة صفحة مؤلمة في قصتكِ، لكنها ليست الكتاب كله؛ فاحتسبي، وتعلمي، وأصلحي ما تستطيعين، ثم امضي.

نسأل الله تعالى أن يربط على قلبكِ، ويشرح صدركِ، ويكشف كربكِ، ويفرّج همكِ، ويبدل خوفكِ طمأنينة، وضعفكِ قوة، وحزنكِ سكينة، وأن يرزقكِ الصبر الجميل والقلب الثابت، وأن يحفظ عليكِ إيمانكِ ونفسكِ، ويعوضكِ عن كل ما فقدتِ خيرًا، ويفتح لكِ من أبواب رحمته وفرجه ما لا تحتسبين، ويجعل لكِ من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ويكتب لكِ في هذه المحنة الأجر والعافية والرفعة، ويعينكِ على تجاوزها بسلام، ثم يرزقكِ بعدها أيامًا أهدأ وأطيب، وحياةً مطمئنةً عامرةً بالقرب منه..

والله تعالى أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android