لا يصح القول بأن القرآن (أزلي) ولا أنه (قديم) ولا دليل على ذلك من الكتاب ولا السنة، ولا ورد عن أحد من السلف أو أئمة السنة، ومذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن هو بعض كلام الله، وأن كلام الله تعالى قديم النوع، وحادث الآحاد، وأن القرآن (صفة الله). وغير المخلوق هو: كل صفات الله، ومنها صوت الله، ونظم كلامه وتأليفه ونثره، كالقرآن وغيره، وأما أصوات المخلوقين وأفعالهم والحبر المكتوب به القرآن والورق المكتوب عليه؛ فكلها مخلوقة.
ما المقصود من قولنا (القرآن غير مخلوق) مع أن له بداية؟
السؤال 588030
ماذا نعني عندما نقول إنَّ القرآن صفةٌ غير مخلوقةٍ من صفات الله، وهي أبدية مثله
لأنَّ القرآن قد أُنزِل قبل 1400 سنة، ولم يكن موجودًا منذ الأزل؟
إذًا، لماذا نقول إنه أزلي مع الله؟
أنا أفهم أنَّ صفات الله أزلية، ولكن القرآن هو جزء أو مثال أو تجلِّي لكلام الله الذي له بداية. فكيف يكون أزليًا مع الله؟
أيضًا، أيُّ قرآن هو غير المخلوق؟
لدينا مصاحف مكتوبة بالحِبر، وعندما نتلو القرآن يُصبح صوتًا، والذي في اللوح المحفوظ قد كُتب أيضًا بالقلم.
إذًا، أيُّ قرآن هو غير المخلوق؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
ينبغي الانتباه إلى أمرين، ثم ما يترتب عليهما:
(فالأمر الأول):
أجمع الصحابة والسلف وأئمة أهل السنة أن الله عَزَّ وجَلَّ يتكلم، وأنَّ القرآن من كلام الله تعالى، وأن القرآن كلام الله: مُنَزَّلٌ غير مخلوق.
وأجمعوا كذلك: أن كلام الله لا يشبه كلام أحد من المخلوقين، لا في الصوت ولا في النظم ولا في الترتيب والتأليف، ولا في شيء.
وأجمعوا كذلك: أن الله تكلم بغير القرآن، كما تكلم تعالى قبل القرآن بما شاء، وقتما شاء، وكما تكلم بعد القرآن كذلك، وقد أخبرنا تعالى ببعض ما تكلم به قبل تنزيل القرآن، وببعض ما سيتكلم به تعالى في المستقبل يوم القيامة، مما سيسمعه الخلق، البعيد منهم مثل القريب في سماعه.
فالقرآن بعض كلام الله، والله يتكلم بما شاء وقتما يشاء.
ولذلك يقول أهل السنة والجماعة: إن صفة كلام الله عز وجل، لها اعتباران:
1- (صفة الكلام)، أي: قدرة الله تعالى على التكلم منذ الأزل، فهذه صفة ذاتية، ملازمة لذاته تعالى، فلم يأت وقتٌ كان الله معطلا عنها قط، ولم يأت وقت كان تعالى غير قادر على الكلام.
2- فِعلُ التكلُّم بكلمات محددة: أي: أن يُحدِث ربُّ العالمين كلامًا، أي: يقوم به تعالى فِعْلُ التكلُّم بكلام مخصوص، فيتكلم تعالى بصوته، بكلمات محددة معينة، فيقول تعالى على سبيل المثال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بصوت يسمعه جبريل منه، تعالى وتقدس.
ففعل التكلم هذا هو (صفة اختيارية)، لأنها تتعلق بمشيئة الله تعالى وإرادته واختياره تعالى، فيختار تعالى ما يقوله من الكلمات، ويختار الوقت الذي يتكلم فيه عز وجل، وفق علمه وحكمته، ولا يقول عز وجل إلا صدقا وعدلا، سبحانه.
ولم يقل أحد من السلف ولا أئمة أهل السنة بأن شيئا من هذه الكلمات المحددة (القرآن أو غيره) = قديم، أو أزلي. بل هذه كلمات تكلم الله تعالى بها، وقتما اختار وشاء وأراد عز وجل، فقالها الله تعالى بعد أن لم يكن قائلا لها.
فبذلك: اتفق أهل السنة على أن صفة كلام الله تعالى (ذاتية فعلية)، فالذاتية معنى قائم بنفسه تعالى، ملازم له، وهو القدرة على التكلم، والفعلية: قيام فِعْل الكلام به تعالى، فيتكلم بكلام محدد، في وقت محدد، تبعا لمشيئته تعالى وإرادته.
(والأمر الثاني):
أجمع المسلمون أن الله تعالى هو الخالق، وأن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، فليس في الوجود إلا الخالق البارئ الرب تعالى وصفاته، والمخلوقات المربوبة وصفاتها.
وكذلك لا يختلف المسلمون أن كلَّ شيءٍ منه تعالى ليس مخلوقًا، لا صفاته الذاتية ولا صفاته الاختيارية، ولا أسماؤه، ولا أفعاله المعيَّنة، فلا شيء من ذلك مخلوق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وقد عُلم: أن ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته"، انتهى من "التدمرية" (ص 66).
وبوَّب الإمام البخاري في كتاب "التوحيد" من "صحيحه" (9/ 134):
"ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب تبارك وتعالى وأمره، فالرب؛ بصفاته وفعله وأمره وكلامه، وهو الخالق المكوِّن= غير مخلوق.
وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه= فهو مفعول مخلوق مكوَّن"، انتهى.
وقال أحمد بن سنان الواسطي – شيخ البخاري ومسلم، وإمام وقته كما قال ابن أبي حاتم -:
"لا يُقاس بكلام الله شيءٌ، القرآن كلامُ الله، منه بدأَ وإليه يعود، ليس من الله تعالى شيءٌ مخلوق؛ ولا صفاتُه، ولا أسماؤه، ولا علمُه"، انتهى.
رواه الضياء المقدسي في "اختصاص القرآن بعوده إلى الرحيم الرحمن" (ص 31)، وصحح إسناده محققه الشيخ عبد الله الجديع.
وقال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس وجماعة العلماء بالمدينة، وذكروا القرآن فقالوا: "كلام الله عز وجل، وهو منه، وليس من الله عز وجل شيءٌ مخلوق"، انتهى.
رواه الخلال في "السنة" (7/ 22)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة" (1/ 156)، ومن طريقه اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (2/ 275).
(ويترتب على الأمرين السابقين):
فهمُ مرادِ أهل السنة بقولهم: القرآن صفة الله، وقولهم: القرآن كلام الله غير مخلوق، أو: القرآن بدأ من الله.
فمعنى قولهم: (القرآن صفة الله):
أن القرآن كلامٌ تكلم به تعالى، فهو فعلٌ قام برب العالمين، وكل كلام الله تعالى: هو صفةُ الله، وجميع صفات الخالق تابعةٌ له كما سبق شرحه، فـ (الصفة تتبع الموصوف) كما يقول أهل السنة.
فالقرآن، كلام الله، تكلم به تعالى بصوته، فلذلك نقول (القرآن صفة الله) وليس هو مخلوقا، لأنه ما من شيء منه تعالى مخلوق.
كما أن زيدا من الناس إذا قال: (أنا زيد)، فهذه الكلمة قد قامت بزيدٍ، لأن المتكلم هو من قام به فعل الكلام فتكلَّم، وكلام زيد صفة من صفاته، وزيد وصفاته وأفعاله الظاهرة والباطنة: كل ذلك مخلوق، لأن الصفة تتبع الموصوف.
وقد سبق شرح معنى كون القرآن (صفة الله)، ونقل كلام أهل السنة في شرح ذلك، في الجواب (508144) فليراجع.
ومعنى قولهم: (القرآن غير مخلوق) و(القرآن بدأ من الله):
أي: هو المتكلم به ابتداءً، لا أنه خلقه في بعض الأجسام المخلوقة، كما:
"قال أحمد بن حنبل وغيره: "منه بدأ"، أي: هو المتكلم به، لم يُبْتَدَأْ من غيره، كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقَه في غيرِه، فهو مبتدَأٌ من ذلك المحل المخلوق"، كما في "مجموع الفتاوي" (17/ 83).
وكل ما سبق هو إجماع أهل السنة لا يختلفون فيه.
ثانيًا:
من تمام فهم كلام الصحابة والسلف والأئمة: معرفة البدع التي أحدثها المبتدعة، لأن كلام أهل السنة وعباراتهم: سُلطت على إنكارها، والنافع في هذا الموطن التنبيه على ثلاث فرق:
1- فأول من أحدث الكلام المبتدع في الصفات: هم الجهمية الأوائل الذين أنكروا صفات الله كلها (كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان)، فقالوا: إن الله تعالى لا يتكلم، ولم يتكلم أبدا، وإن إضافة الكلام إليه: إضافة المخلوق إلى خالقه، مثل قولك: (سماء الله)، وقالوا: إن الله خلق كلاما في محل، كالهواء أو ورق الشجر. فكلام الله تعالى عندهم: مخلوق بائن منفصل، ولا يتصف الله بصفة الكلام، ولا يقال: هو متكلم.
2- ومثلهم المعتزلة، كعمرو بن عبيد ومن وافقه، قالوا كقولهم، وخالفوهم في شيء واحد، فقالوا: إن الله متكلم، وإن القرآن كلام الله على الحقيقة، لكن حقيقة الكلام عندهم هي: خلق الكلام في محل؛ وليس أنه وصف وفعل قائم بذات الله تعالى، كما يقول أهل السنة.
فـ(المتكلم) عندهم يصح أن يطلق على من خلَق كلاما منفصلا بائنا في محلٍّ، وليس من قام به كلام تكلم به بنفسه، فخالفوا الجهمية في اللفظ فقط، ووافقوهم على معنى: أن الله لم تقم به أي صفة، ولا صدر عنه أي كلام ولا نداء، ولا سُمع كلامٌ خرج منه تعالى.
قال شيخ الإسلام:
"وقد حكي عن جهم بن صفوان: أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة، وإنما هو كلامٌ خلقَه الله، فنُسب إليه، كما قيل: سماء الله، وأرض الله، وكما قيل: بيت الله، وشهر الله.
وأما المعتزلة: فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة، ثم وافقوا جهما في المعنى، حيث قالوا: كلام خلقه بائنا عنه، وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وأنه تكلم به"، انتهى من "شرح الأصبهانية" (ص 77).
وكل من الجهمية والمعتزلة، من نفاة الصفات نفيا مطلقا، وقولهم - كما قال ابن تيمية- هو: "قول من يقول: إن الله لم يقم به صفة من الصفات، لا حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة ولا رحمة ولا غضب ولا غير ذلك، بل خلق كلامًا في غيره، فذلك المخلوق هو كلامه، وهذا قول الجهمية والمعتزلة، وهذا القول أيضًا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو مناقض لأقوال الأنبياء ونصوصهم، وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول يوافق قولهم، بل لهم شبه عقلية فاسدة"، كما في "مجموع الفتاوي" (3/ 42).
3- قول الكلابية، القائلين إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته.
قال شيخ الإسلام: "والقول الثالث قول من يقول: إنه تعالى يتكلم - بغير مشيئته وقدرته - بكلام قائم بذاته أزلًا وأبدًا، وهؤلاء موافقون لمن قبلهم في أصل قولهم، لكن قالوا: الرب يقوم به الصفات، ولا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الصفات الاختيارية. وأول من اشتهر عنه أنه قال هذا القول في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب"، كما في " مجموع الفتاوي" (2/ 42).
وقال ابن كلاب أيضًا: إن القرآن حكاية عن كلام الله، وليس من كلام الله، لأنه زعم أن الله تعالى لا يقوم به حروف وأصوات.
وتابعه في أكثر كلامه: أبو الحسن الأشعري، واستدرك عليه ما قاله في (الحكاية)، فجعل القرآن (عبارة)، وكلاهما بهذا القول قد وافق الجهمية والمعتزلة في أن الله لا يتكلم بمشيئته واختياره، فالله تعالى عندهم لا يقدر على أن يُحدِث كلاما بعد كلام، وكذلك وافقوا الجهمية والمعتزلة في نفي ما جاءت به النصوص المستفيضة أن كلام الله حرف وصوت، وأن نفس كلام الله قد سمعه الخلق كجبريل وموسى عليه السلام.
قال شيخ الإسلام:
"فإن ابن كلاب قال: الحروف حكاية عن كلام الله، وليست من كلام الله، لأنَّ الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلِّم، والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات، فوافق الجهمية والمعتزلة في هذا النفي، فجاء الأشعري بعده، وهو موافق لابن كلاب على عامة أصوله فقال: الحكاية تقتضي أن تكون مثل المحكي، وليست الحروف مثل المعنى، بل هي عبارة عن المعنى ودلالة عليه"، انتهى من "التسعينية" (2/ 438).
وزعم الكلابية أن الله تعالى متصف بصفة (الكلام النفسي)، وهي بدعة اخترعوها، خلاف الأدلة الشرعية والعقلية، كما بيناه في الجواب (384489).
ثالثا:
تبيَّن بما سبق:
1- أن قول أهل السنة إجماعًا: (القرآن صفة الله)، وقولهم: (الكلام منزَّل غير مخلوق)، وقولهم: (الله يتكلم بما شاء، وقتما يشاء)، وقولهم: (كلام الله بحرف وصوت مسموع)؛ كل ذلك يريدون به تقرير دلالة القرآن والسنة، والبراءة من كل هذه البدع.
2- وأن قولهم (القرآن صفة الله) معناه: أن القرآن كلامٌ مما تكلم الله به حقيقة، بحرف وصوت حقيقيان، فسمعه منه جبريل، وكل ما قام بالله تعالى من الأفعال: فهو من صفاته الفعلية، وكل ما يتعلق باختيار الله تعالى ومشيئته، فهو من صفاته الاختيارية.
وكل شيء من الله تعالى بصفاته كلها، وأسمائه، وأفعاله، وكل شيء: فليس مخلوقا منفصلا بائنا عنه تعالى.
"فتبيَّن أن الربَّ: لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال؛ ومن أجَلِّها؛ الكلام. فلم يزل متكلما إذا شاء، ولا يزال كذلك، وهو يتكلم إذا شاء بالعربية، كما تكلَّم بالقرآن العربي، وما تكلَّم الله به: فهو قائم به، ليس مخلوقا منفصلا عنه"، "مجموع الفتاوي" (12/ 53).
3- كما يتبيَّن أن (غير المخلوق) المسئول عنه هو: كل ما تكلم الله تعالى به، فما تكلم الله تعالى به بصوته (وقتَ أن تكلم به) عز وجلَّ: هذا هو غير المخلوق.
وكل آية من القرآن: قد تكلم الله تعالى بها، وأنزلها في وقتها بمشيئته واختياره، تبعا لحكمته تعالى، لا قبل ذلك، وقد سمعها جبريل وقت التكلم بها، لا بعد ذلك ولا قبل.
فصوتُ الله تعالى حين ابتدأ القرآن منه تعالى؛ وكذلك نظمُ القرآن، وكذلك ترتيبُ كلماته، ونثرُه وفواصلُه = كلُّ ذلك مِن كلام الله، وكلُّ ذلك غيرُ مخلوق.
4- وكل مَن تكلَّم من الخلقِ بعد ذلك بشيء من القرآن - أو غيره من كلام الله -، مثل جبريل حين بلَّغ القرآن للنبيِّ، ومثل النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم حين قرأ القرآن للناس، وكذلك كل قارئ من الناس = فهو مبلِّغٌ للقرآن بصوته المخلوق، أو أدَّى القرآن بصوته المخلوق.
فصوت العبدِ حين يقرأ القرآن: هو (صوتُ القارئ)، وهو مخلوقٌ لأنه صفة المخلوق.
والكلام المقروء الذي يؤديه العبد: هو (كلام البارئ)، وهو غير مخلوق لأنه صفته تعالى، من حيث التكلم به وإنشاؤه ابتداء؛ على هيئته من النظم والترتيب والتأليف والنثر.
فالقرآن: لم يكن مخلوقا حين بدأ من الله تعالى، إذ تكلم عز وجلَّ به في وقته، بل قاله تعالى بصوته، وليس شيء من الله أو صفاته أو ما قام به تعالى = مخلوقا.
وعندما يقرأ العبدُ القرآنَ بعد ذلك: فصوت القارئ، وعمله، وحركته: هو المخلوق، لأنه صفة المخلوق.
وأما نفس القرآن، بتمام نظمه، وترتيب كلماته، وما كان من حقيقة الكلام: فكلُّ ذلك من عند الله، فهو غير مخلوق.
لا كما تقول الجهمية والمعتزلة والكلابية.
وكذلك:
الحبر الذي كُتب به القرآن، مخلوق، أما الكلام المكتوب نظما ونثرا وترتيبا: فهو كلام الله، الذي لم يخلقه، بل تكلم به بصوته.
ونحن نقول: (هذا كلام الله)، نشير بذلك إلى نفس الكلام، من حيث هو هو، الذي يبلِّغه المبلِّغ ويؤديه، مع قطع النظر عما اقترن به (البلاغ)؛ من صوت المبلِّغ وحبر الكاتب، والورق المكتوب عليه، فليس شيء من ذلك هو المشار إليه.
بل المراد: الكلام نفسه؛ حروفه، وكلمات، وترتيب ذلك ونظمه، وما دل عليه من معنى= ليس شيء من ذلك مخلوقا.
5- كذلك تبيَّن: أنه لم يقل أحد من السلف إن القرآن قديم أو أزلي، بل أول من عرف عنه ذلك هو ابن كلاب، أما أهل السنة فيفرقون بين: جنس الكلام، وبين: الكلام المعيَّن كالقرآن وغيره.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"كذلك سؤال السائل عما في المصحف هل هو حادث أو قديم؟ سؤال مجمل.
فإن لفظ القديم ... ليس مأثورا عن السلف، وإنما الذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تُلي، وحيث كُتب، وهو قرآن واحد، وكلام واحد، وإن تنوَّعَت الصور التي يتلى فيها ويكتب، من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئا، لا كلام من بلغه مؤديا.
فإذا سمعنا محدِّثا يحدِّث بقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات)، قلنا: هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفظه ومعناه، مع عِلْمنا أن الصوت (صوت المبلغ)، لا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا؛ كلُّ من بلَّغَ كلامَ غيرِه من نظم ونثر.
ونحن إذا قلنا: (هذا كلام الله) لما نسمعه من القارئ، ونرى في المصحف: فالإشارةُ إلى الكلام من حيث هو هو، مع قطع النظر عما اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ومداد الكاتب ..."، كما في "مجموع الفتاوي: (12/ 241)، وينظر سائر شرحه رحمه الله.
وقال أيضا رحمه الله:
"... السلف قالوا: القرآن كلام الله، منزَّل غير مخلوق، وقالوا: لم يزل متكلما إذا شاء. فبيَّنوا أن كلام الله قديم؛ أي: جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم: إن نفس الكلام المعيَّن قديم، ولا قال أحد منهم: القرآن قديم، بل قالوا: إنه كلام الله منزل غير مخلوق.
وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته؛ كان القرآن كلامه، وكان منزَّلا منه، غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزليًّا قديمًا بقِدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلما إذا شاء؛ فجنس كلامه قديم.
فمن فهم قول السلف، وفرَّق بين هذه الأقوال: زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض!
فمن قال: إن حروف المعجم كلها مخلوقة، وإن كلام الله تعالى مخلوق؛ فقد قال قولا مخالفا للمعقول الصريح والمنقول الصحيح.
ومن قال: نفس أصوات العباد أو مدادهم أو شيئا من ذلك قديم؛ فقد خالف أيضا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرا لكل أحد، وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين ...".
حتى قال رحمه الله:
"فالإنسان، وجميع ما يقوم به من الأصوات والحركات وغيرها؛ مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، والربُّ تعالى بما يقوم به من صفاته وكلماته وأفعاله؛ غير مخلوق.
والعباد إذا قرءوا كلامه، فإن كلامه الذي يقرؤونه؛ هو كلامه لا كلام غيره، وكلامه الذي تكلم به؛ لا يكون مخلوقًا، وكان ما يقرؤون به كلامه من حركاتهم وأصواتهم مخلوقًا، وكذلك ما يُكتب في المصاحف من كلامه؛ فهو كلامه مكتوبًا في المصاحف، وكلامه غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به كلامه وغير كلامه؛ مخلوق"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (12/ 54).
رابعًا:
تأكيدًا للتفريق بين كلام الله وكلام غيره؛ يجب التفريق بين من يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وهو يريد بذلك أن يقرآ آية سورة الفاتحة، فيقرأ القرآن، وبين من يقول: الحمد لله رب العالمين؛ وهو ينشئ ويبتدئ كلامًا من عند نفسه، لا يريد بذلك القرآن.
فقراءة الآية: الصوت مخلوق، فهو صوت القارئ، والكلام نفسه المؤدَّى أو المبلَّغ، كلام الله تعالى، وليس كلامًا مخلوقًا حين تكلَّم الله تعالى به في وقته، ولا في تأليفه وترتيبه.
فلا يجوز أن يقول أحد إن قول المتكلم: الحمد لله رب العالمين؛ هو كلامٌ مخلوقٌ، ولا هو غير مخلوق، حتى يتبيَّن المراد المشار إليه، وقصدُ المتكلم.
قال شيخ الإسلام:
"القرآن لا يقدر أحد أن يأتي بمثله كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، فالإنس والجن إذا اجتمعوا؛ لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، مع قدرة كل قارئ على أن يقرأه ويبلِّغَه، فعُلم أن ما قرأه هو: (القرآن) ليس هو: (مثل القرآن).
وأما الحروف الموجودة في القرآن، إذا وجد نظيرها في كلام غيره [تعالى]؛ فليس هذا هو ذاك بعينه، بل هو نظيره، وإذا تكلم الله باسم من الأسماء: كآدم ونوح وإبراهيم، وتكلم [أي: العبد] بتلك الحروف والأسماء التي تكلم الله بها، فإذا قرئت في كلامه فقد بلَّغ كلامَه، فإذا أنشأ الإنسان لنفسه كلاما = لم يكن عين ما تكلم الله به من الحروف والأسماء، هو عين ما تكلم به العبد حتى يقال: إن هذه الأسماء والحروف الموجودة في كلام العباد غير مخلوقة؛ فإن بعض من قال إن الحروف والأسماء غير مخلوقة في كلام العباد ادعى أن المخلوق إنما هو النظم والتأليف دون المفردات ...
وأما الصوت الذي يتكلم الله به: فلا مثل له، لا يماثل صفات المخلوقين، وكلام الله هو كلامه بنظمه ونثره ومعانيه، وذلك الكلام ليس مثل كلام المخلوقين، فإذا قلنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وقُصِد بذلك قراءة القرآن الذي تكلم الله به؛ فذلك (القرآن) تكلم الله بلفظه ومعناه، لا يماثل لفظ المخلوقين ومعناهم، وأما إذا قصدنا به الذكر ابتداء، من غير أن نقصد قراءة كلام الله؛ فإنما نقصد ذكرا ننشئه نحن، يقوم معناه بقلوبنا، وننطق بلفظه بألسنتنا، وما أنشأناه من الذكر فليس هو من القرآن، وإن كان نظيره في القرآن ...
..."، انتهى من "مجموع الفتاوي" (12/ 76) مختصرا، وينظر تمام شرحه رحمه الله.
وقال رحمه الله أيضًا:
"فليس ما يُسمَع من العباد من أصواتهم، مشابهًا ولا مماثلًا لما سمِعه موسى من صوته [تعالى]، إلا كما يشبه ويماثل غير ذلك من صفاته لصفات المخلوقين، فهذا في نفس تكلُّمه سبحانه وتعالى بالقرآن، والقرآن عند الإمام أحمد وسائر أئمة السنة: كلامه [تعالى]، تكلَّم به، وتكلَّم بالقرآن العربي بصوت نفسه، وكلم موسى بصوت نفسه، الذي لا يماثل شيئا من أصوات العباد.
ثم إذا قرأنا القرآن: فإنما نقرؤه بأصواتنا المخلوقة، التي لا تماثل صوت الرب، فالقرآن الذي نقرؤه: هو كلام الله، مبلَّغًا عنه، لا مسموعًا منه، وإنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا، الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، كما دل على ذلك الكتاب والسنة مع العقل، قال الله تعالى: إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ..." إلى آخر كلامه رحمه الله، كما في "مجموع الفتاوي" (12/ 98).
ومحصَّل ما سبق:
1- أن القول بأن القرآن (أزلي) أو (قديم)، خطأ، ولم يقله أحد من السلف.
2- أن القرآن هو بعض كلام الله المنزل، وهو صفة الله، فهو غير مخلوق باعتباره صفة الله الفعلية التي قامت به، فالقرآن غير المخلوق: هو صوت الله تعالى الذي بدأ منه، وكذلك: باعتبار نظمه ونثره وتأليف كلماته وجمله، فكل ذلك غير مخلوق.
3- وجوب التفريق بين: صوت الله الذي سمعه جبريل منه تعالى، فهو القرآن غير المخلوق، وبين: صوت المبلِّغ لكلام الله، كصوت جبريل، وصوت النبي صلى الله عليه وسلم، وأصوات القارئين للقرآن، فهذه كلها أصوات مخلوقة، وهي أصوات من يقرأ كلام الله، وكذلك الورق والمداد.
4- أن الله هو الذي تكلم بالقرآن وأسمعه لرسله، فهو صفة له قامت به تعالى، فالقرآن منه تعالى بدأَ، ولم يُخلَق في غيره، فليس هو جرما منفصلا متحيزا، ولا هو عرض قامَ بمحلٍّ كما قالت المبتدعة.
وقولهم (منه بدأ) و(منه خرج)؛ هو ردّ على الجهمية الذين قالوا إن القرآن بدأ من غيره تعالى، فخلقه الله في شجرة أو في الهواء، ويراجع للفائدة الجواب (315740).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟