كيف يزيد الإنفاق في سبيل الله المال، وقد افتقرت!

السؤال 585523

عندي سؤال: كانت أحوالي المادية جيدة نوعاً ما، وكنت أنفق كثيرا، وكنت أكفل عائلة من راتبي، ثم مرضت، وخسرت راتبي، وافتقرت، فكيف حصل ذلك؟ أليس الإنفاق في سبيل الله يزيد المال ولا ينقصه؟ أم إن ذلك ليس شرطا؟
أحيانا أقول: إن ذلك ليس شرطًا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (اغتنم خمسا قبل خمس ومنها غناك قبل فقرك...)، وأحيانا أقول إنني لست مخلصاً، أو قد يكون الله تعالى لم يقبل مني.

ملخص الجواب

الصدقة لا تنقص المال، فالله تعالى يضاعفها أضعافا كثيرة، والخلف على المتصدق مؤكّد لكنه قد يكون في الآخرة فقط، وقد يكون في الدنيا والآخرة، ولا يشترط أن يكون في الدنيا عقب الإنفاق، بل قد يتأخر، وأما المصائب الدنيوية، فهي كفارة وأجر لمن اتقى وصبر.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

فلتشكر الله أيها السائل الكريم على ما وفقك إليه من الصدقة، فإنَّ (الصدقة برهان)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه مسلم (223).

وقال الإمام قوام السنة الأصبهاني رحمه الله في شرحه: "معناه: يُفزَع إليها كما يفزع إلى البراهين، كأنَّ العبدَ إذا سُئِل يوم القيامة عن مصرف ماله؛ كانت صدقاتُه براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدَّقتُ به"، انتهى.

وقال غيره من العلماء: "معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافقَ يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدَّق استُدِلَّ بصدقته على صدق إيمانه"، انتهى.

نقلهما النووي في "شرح مسلم" (3/ 101).

واعلم أنَّ الله تعالى قد قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا.

فمن المحكمات: أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، والصدقة من خير الأعمال التي يحبها الله تعالى، ومن أكثر ما رغب الله فيه من أعمال الإيمان، ورغَّب فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

والصدقة لا تَنْقُص المالَ، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما نَقصَتْ صدقةٌ من مالٍ)، كما روى مسلم (2588).

ومعلوم أن من كان معه ألفان، فتصدَّق بألفٍ؛ بقيَ معه ألفٌ واحد، فلذلك بيَّن العلماء أنَّ معنى عدم نقصان المال بالصدقة يقع على معنيين، ذكرهما النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (16/ 41) فقال:

"ذكروا فيه وجهين:

أحدهما: معناه أنه يبارَك فيه، ويُدفَع عنه المضرَّات، فينجَبر نقصُ الصورةِ بالبركةِ الخفيَّة، وهذا مدرَك بالحسِّ والعادة.

والثاني: أنه وإن نقصَت صورتُه، كان في الثواب المرتَّبِ عليه جبرٌ لنقصه، وزيادةٌ إلى أضعافٍ كثيرة"، انتهى.

وجاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يبيِّن بعض ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعَدْل تمرةٍ من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبه كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه؛ حتى تكون مثل الجبل)، رواه البخاري (1410) ومسلم (1014)، والفَلوُّ هو المُهْر.

وقال الله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، وقال تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ، وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.

وقال الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

فالله تعالى يعظِّم الصدقة ويُربِّيها، حتى تصير التمرة من الصدقة كأنها الجبل، والله تعالى يضاعف الصدقة الأضعاف الكثيرة، كمثل حبة واحدة تصير سبعمائة حبة، ثم يضاعف الله لمن يشاء فوق ذلك أيضًا!

فإن الله الكريم "واسع العطاء، لا ينقصه نائل، ولا يحفيه سائل، فلا يَتوهَّم المنفقُ أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء، ولا يَنقُصه العطاء على كثرته"، "تفسير السعدي" (ص112).

فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أخبر أن الصدقة لا تُنقِص المالَ، وأي شيء أعظم من هذه الزيادة التي يجدها المتصدق يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ؟

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "المتصدِّق يَنقص ماله في الظاهر، لكن: يَمحق الله الربا ويربي الصدقات"، انتهى من "الفتاوى الكبرى" (6/ 169).

ثانيًا:

قال الرب تبارك وتعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُـ

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا)، رواه البخاري (1442)، ومسلم (1010).

ومعنى أن يُعطي الله المنفق خلَفًا: أن يعوِّضه ويبدله بما ذهب منه، وينظر "عمدة القاري" (8/ 306) للعيني.

وما يعوض الله به المنفق لا يشترط أن يكون مالا حاضرًا.

قال في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (6/ 238):

"(خَلَفًا) – بفتح اللام - أي: عِوَضًا عظيمًا، وهو العوض الصالح، أو عِوَضًا في الدنيا، وبدلًا في العُقبَى.

قيل: أبهمَ الخلَف؛ ليتناول المالَ والثوابَ وغيرَهما، فكم من منفقٍ ماتَ قبل أن يقع له الخلف الماليُّ، فيكون خلفه الثواب المعدُّ له في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السوء ما يقابل ذلك"، انتهى.

فيتبيّن بذلك أن (الخلف) الذي يعطاه المنفق:

قد يكون في الدنيا وحدها: بالمال أو بغير المال من النعم، أو يكون بدفع ما كاد أن يَناله من المصائب والسوء؛ لولا صدقته.

وقد يكون في الآخرة وحدها: بمضاعفة الثواب على الصدقة أضعافا كثيرة.

وقد يجمع بين الدنيا والآخرة.

وكذلك: لا يشترط أن يقع الخلف فورًا بعد الصدقة، إن كان في الدنيا.

واعلم أيها السائل الكريم:

أن ثواب الآخرة مضمون لا يضيع أبدًا، ما لم يبطله الإنسان ويفسده بالمنِّ أو الأذى أو نحوهما، وأما في الدنيا فإن الله تعالى يضيق ويوسع في أنواع الرزق لحكمة يعلمها، يستصلح بذلك عباده، إنه بعباده خبير بصير.

كما قال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.

وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: "إنَّ الله ليَحمي المؤمنَ من الدنيا، كما يَحمي أهلُ المريضِ مريضَهم الطعامَ"، رواه هناد في "الزهد" (593).

واعلم أيها السائل الكريم:

أن الله ربَّ العالمين قد أقسمَ أن يمتحنَ أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بنقص الأموال، والأنفس والثمرات، حتى يعلم المطيع الصابر في البأساء والضراء وحين البأس، وهو الذي يُرجِعُ الأمرَ إلى الله، ويحمد الله على كل حال، أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المهتدون.

كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.

قال الإمام البغوي رحمه الله في "تفسيره" (1/169):

" قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أَيْ وَلَنَخْتَبِرَنَّكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّامُ لِجَوَابِ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ وَاللَّهِ لِنَبْلُوَنَّكُمْ وَالِابْتِلَاءُ مِنَ اللَّهِ لِإِظْهَارِ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي لَا لِيَعْلَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي خَوْفَ الْعَدُوِّ وَالْجُوعِ يَعْنِي الْقَحْطَ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ بِالْخُسْرَانِ وَالْهَلَاكِ وَالْأَنْفُسِ يَعْنِي بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ وَقِيلَ بِالْمَرَضِ وَالشَّيْبِ وَالثَّمَرَاتِ يَعْنِي الْجَوَائِحَ...

عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟! حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ عَنْ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ أَقَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ أَقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالُوا اسْتَرْجَعَ وَحَمِدَكَ قَالَ: ابْنُوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) ...

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ عَلَى الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ:

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ عَبِيدًا وَمِلْكًا وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الْآخِرَةِ"، انتهى.

ونسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء لا يغادر سقما، وأن يخلف عليك في الدنيا والآخرة في عافية.

والحاصل:

أن الصدقة لا تنقص المال، وأن الله تعالى قد وعدَ أن يخلف على من أنفق في سبيله، لكن الخلف قد يكون في الآخرة فقط، بمضاعفة الثواب مضاعفة زائدة، وقد يكون في الدنيا والآخرة معًا، وإن كان في الدنيا: فلا يشترط أن يكون عقب الإنفاق، بل قد يتأخر لحكمة يريدها الرزَّاق العالمين.

وأما المرض والمصائب الدنيوية، فهي امتحان الله رب العالمين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كفارة وأجر لمن اتقى وصبر.

ويراجع للفائدة جواب السؤالين: (170579)، و(391917).

والله أعلم.

المراجع

الحديث وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android