هل يجوز الوقف عند قوله تعالى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ)؟

السؤال 577015

صليت العشاء خلف إمام قرأ بعد الفاتحة بسورة الغاشية، وكان صوته حسنًا وقراءته طيبة، وقد لاحظت وقوفه بوسط بعض الآيات، مثلا:(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ)، فيقف، ثم يكمل (كَيۡفَ خُلِقَتۡ)، وكذلك (وإِلَى السَّمَاءِ)، فيقف (كَيۡفَ رُفِعَتۡ)، وهكذا، الآيات من بعدها، بعد الصلاة كلمته، وقلت: لماذا تقف، وليس وقوفك اضطراريًا، والسنة الوقوف عند آخر الآية إلا عند الاضطرار، قال: هذا علم الابتداء والوقوف، ورديت عليه، فقلت: السنة لا تحِد عنها أو قريبًا من هذا الكلام، أرجوا إفادتنا.

ملخص الجواب

الوصل في الآيات المذكورة هو الأولى، والأتم للمعنى المراد

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

لا يشترط أن يقف القاريء على رؤوس آخر الآي؛ بل يجوز الوقف في وسط الآية، اختيارًا بدون اضطرار: إذا كان المعنى تامًا .

والمصاحف مليئة بالوقف الجائز في وسط الآيات:

فتكتب عليها علامات: (ج) ، ۖ، ۗ

قال شيخ القراء ابن الجزري رحمه الله:

المقدمة الجزرية (ص: 18) في باب معرفة الوقف والابتداء:

وبعد تجويدك للحروف ... لا بد من معرفة الوقوف

والابتداء وهي تنقسم إِذَنْ ... ثَلاَثَةً تَامٌ وَكَافٍ وَحَسَنْ

وَهْيَ لِمَا تم فإن لم يوجد ... تعلق أو كان مَعْنَىً فَابْتَدي

فَالتَّامُ فَالْكَافِي وَلَفْظًا فَامْنَعَنْ ... إِلاَّ رُؤُوسَ الآيِ جَوِّزْ فَالْحَسَنْ

وَغَيْرُ مَا تَمَّ قَبِيحٌ وله ... يوقف مُضْطَرًّا وَيُبْدَا قَبْلَهُ

               وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ وَجَبْ ... وَلاَ حَرَامٌ غَيْرَ مَا لَهُ سبب

ثانيًا:

ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على رؤوس الآي.

- فروى أبو داود (4001) والترمذي (2927) - واللفظ له - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقْرَأُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، ثُمَّ يَقِفُ، (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، ثُمَّ يَقِفُ ".قال ابن الجزري رحمه الله : " حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ " .

"النشر في القراءات العشر" (1/ 226)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

والراجح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"وُقُوفُ الْقَارِئِ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأُولَى تَعَلُّقَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ" انتهى من "الفتاوى الكبرى" (5/ 334)

وقال ابن القيم رحمه الله :

" كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ، وَيَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ فَيَقُولُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَيَقِفُ، ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وَيَقِفُ، ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ).

وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ " أَنَّ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ آيَةً آيَةً " وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ، الْوُقُوفُ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَا بَعْدَهَا .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ إِلَى تَتَبُّعِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ انْتِهَائِهَا.

وَاتِّبَاعُ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتِهِ أَوْلَى.

وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ البيهقي فِي "شُعَبِ الْإِيمَانِ" وَغَيْرُهُ، وَرَجَّحَ الْوُقُوفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَا بَعْدَهَا " انتهى من "زاد المعاد" (1/ 326)

وقال ابن الجزري رحمه الله :

"عَدَّ بَعْضُهُمُ الْوَقْفَ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ فِي ذَلِكَ سُنَّةً، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَالُوا: الْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَا بَعْدَهَا. قَالُوا: وَاتِّبَاعُ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتِهِ أَوْلَى" انتهى من "النشر في القراءات العشر" (1/ 226).

انظر: إجابة رقم: (229818).

ثالثًا:

تعريف الوقف وضابطه:

1. مفهوم الوقف:

الوقف: عبارة عن قطع الصوت على الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة، بنية استئناف القراءة، لا بنية الإعراض انتهى من "النشر في القراءات العشر" (1/240).

2. تعريف الوقف القبيح:

قسّم العلماء الوقف إلى: تام، وكافٍ، وحسن، وقبيح.

قال الأشموني:

والقبيح: ما اشتدّ تعلق ما بعده بما قبله لفظًا ومعنى.

"منار الهدى" (1/28).

قال ابن الجزري رحمه الله: "الوقف القبيح: وهو ما لا يتم الكلام عليه ، لا يجوز الوقف عليه، ولا الابتداء بما بعده" انتهى من "شرح طيبة النشر" لابن الجزري (ص: 40).

رابعًا: ضوابط مهمة في الوقف والابتداء، منها ما قاله ابن الجزري رحمه الله في "النشر في القراءات العشر" (1/230-238):

" تنبيهات:

(أولها) قول الأئمة: لا يجوز الوقف على المضاف دون المضاف إليه، ولا على الفعل دون الفاعل، ولا على الفاعل دون المفعول، ولا على المبتدأ دون الخبر،  ولا على نحو كان وأخواتها، وإن وأخواتها دون أسمائها، ولا على النعت دون المنعوت، ولا على المعطوف عليه دون المعطوف، ولا على القسم دون جوابه، ولا على حرف دون ما دخل عليه إلى آخر ما ذكروه وبسطوه من ذلك، إنما يريدون بذلك الجواز الأدائي، وهو الذي يحسن في القراءة، ويروق في التلاوة، ولا يريدون بذلك أنه حرام، ولا مكروه، ولا ما يؤثم، بل أرادوا بذلك الوقف الاختياري الذي يبتدأ بما بعده.

وكذلك: لا يريدون بذلك أنه لا يوقف عليه البتة، فإنه حيث اضطر القارئ إلى الوقف على شيء من ذلك، باعتبار قطع نفس، أو نحوه من تعليم، أو اختبار: جاز له الوقف بلا خلاف عند أحد منهم، ثم يعتمد في الابتداء ما تقدم من العودة إلى ما قبل فيبتدئ به، اللهم إلا من يقصد بذلك تحريف المعنى عن مواضعه، وخلافَ المعنى الذي أراد الله تعالى، فإنه والعياذ بالله يحرم عليه ذلك، ويجب ردعه بحسبه على ما تقتضيه الشريعة المطهرة، والله تعالى أعلم ...

(رابعها) قول أئمة الوقف: (لا يوقف على كذا) معناه: أن لا يبتدأ بما بعده؛ إذ كلُّ ما أجازوا الوقف عليه، أجازوا الابتداء بما بعده" انتهى. 

خامسًا:

أهمية فهم معنى الآيات في الوقف والابتداء:

قال ابن النحاس رحمه الله (ت 338هـ) في "القطع والائتناف" (ص: 20):

«فينبغي لقارئ القرآن، إذا قرأ، أن يفهم ما يقرؤه، ويشغل قلبه به، ويتفقد القطع والائتناف (أي: الابتداء)، ويحرص على أن يُفهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلامٍ مستقرٍّ أو شبيهٍ به، وأن يكون ابتداؤه حسنًا…

ومن لم يعرف الفرق بين ما وصله الله جلَّ وعزَّ في كتابه، وبين ما فصله، لم يحلّ له أن يتكلم في القطع والائتناف. فقد ذكر بعضُ من ألَّف كتابًا في هذا أن الوقف: ألم يأتكم نذير قالوا بلى.

وهذا غلط؛ لأنه لا ينبغي أن يُبتدأ بما بعده، فيحتاج القارئ أن ينظر أين يقطع، وكيف يأتنف.

 فإن من الوقف ما هو واضحٌ مفهومُ المعنى، ومنه مشكلٌ لا يُدرى إلا بسماعٍ وعلمٍ بالتأويل، ومنه ما يعلمه أهلُ العلم بالعربية واللغة، فيدرون أين يقطع وكيف يأتنف» انتهى.

وقال ابن الجزري رحمه الله:

"ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء، أو يتأوله بعض أهل الأهواء، مما يقتضي وقفا وابتداء: ينبغي أن يتعمد الوقف عليه، بل ينبغي تحري المعنى الأتم، والوقف الأوجه، وذلك نحو الوقف على (وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ)، والابتداء (مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى) البقرة:286 معنى النداء، ونحو (ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ) ثم الابتداء (بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا) [النساء/62]..." انتهى من "النشر في القراءات العشر" (1/231).

وينبغي على القاريء أن يكون ذا معرفة باللغة (كالنحو والبلاغة)، والتفسير، قال ابن مجاهد (ت324هـ): " لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءة ، عالم بالتفسير، عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض ، عالم باللغة التي نزل بها القرآن» انتهى من " القطع والائتناف " (ص94).

انظر: إجابة رقم: (256942).

سادسًا:

الوقف على قوله تعالى:

أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ والابتداء بقوله: كَيْفَ خُلِقَتْ، لم نقف عليه في كتب أهل العلم؛ كمرويات الإمام أحمد بن موسى اللؤلؤي في القراءات والوقف والابتداء(ت 190-200هـ)، وإيضاح الوقف والابتداء للأنباري (ت: 328هـ)، والقطع والائتناف لابن النحاس (ت 338هـ)، والإبانة في الوقف والابتداء لأبي الفضل الخزاعي (ت 408هـ)، ومكتفي في الوقف والابتدا لأبي عمرو الداني (ت 444هـ)، ومنازل القرآن في الوقوف للأصبهاني (ت524هـ)، والملخص للباقولي (ت 543هـ)، وعلل الوقوف للسجاوندي (ت 560هـ)، والهادي في معرفة المقاطع والمبادي لأبي العلاء الهمذاني (ت 569هـ)، ووصف الاهتداء للجعبري (ت 732هـ)، والمقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء لزكريا الأنصاري(ت 926هـ)، وتقييد الوقف والابتداء للهبطي (ت 930هـ).

وقد سُمع من وقف عليه من قراء هذا العصر، وللقراء المعاصرين مسالك تجاه هذا الوقف:

المسلك الأول: منع هذا الوقف، وأنه وقف قبيح لا يصح؛ للأسباب التالية:

1-لشدة تعلق وارتباط الجملة الثانية بالأولى؛ فــ "(كيف) اسم استفهام في محل نصب حال، (وخلقت) فعل ماض مبني للمجهول، وفاعله مستتر تقديره هي، والجملة بدل اشتمال من الإبل. "إعراب القرآن وبيانه" للدرويش (10/459).

قال ابن عاشور رحمه الله: "وجملة: كيف خلقت: بدل اشتمال من الإبل، والعامل فيه هو العامل في المبدل منه، وهو فعل ينظرون لا حرف الجر، فإن حرف الجر آلة لتعدية الفعل إلى مفعوله .. فكيف منصوب على الحال بالفعل الذي يليه ...

والمعنى والتقدير: أفلا ينظرون إلى الإبل؛ هيئةِ خلقها" انتهى من "التحرير والتنوير" (30/304).

والجملة الحالية لا يُفصل بينها وبين عاملها بالوقف الاختياري. وكذلك البدل.

والمراد في الآية: هو النظر إلى كيفية خلق الإبل، وكيفية رفع السماء، وكيفية نصب الجبال، وكيفية سطح الأرض لما في هذه الكيفيات من آيات باهرات على قدرة من خلق الإبل، ومن رفع السماء، ومن نصب الجبال، ومن سطح الأرض.

2. لم يذكر العلماء هذا الوقف في كتبهم، ولم يضعوا علامة وقف معتبرة على هذا الموضع، في مصاحفهم، حتى الهبطي المتوسع في الوقف لم يذكره.

3. التلقي العملي قائم على الوصل. فهذا الوقف لم يتلقاه القراء عن مشايخهم.

المسلك الثاني:

جواز هذا الوقف، على خلاف بينهم في الأولوية: هل للوقف أو الوصل؟

وإنَّ الوقف على قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ يثير سؤالًا لمزيدٍ من البيان، ويُعين على الإمعان، والتروِّي في الفكر وإعمال الجَنان.

وقد ذكر بدر الدين الزركشيُّ في "البرهان في علوم القرآن" (ص 364 ). أن الوقف الناقص يحسُنُ إذا كان لضربٍ من البيان.

وبيان ذلك: أن البدل من وسائل البيان في اللسان العربي، وإذا كان في الأصل تابعًا، إِلَّا أنه يمكنه أن يستقل عن متبوعه، إذا كان جملة مستوفية الأركان وانقسام الآية بالوقف عليها إلى جملتين، يُلمح منه أنهم مأمورون بأمرين:

الأول: النظر إلى الإبل نظر اعتبار في عموم أحوالها وشأنها العجيب، فهي أموالهم ورواحلهم، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم، وهي حمالة أثقالهم تروح وتغدو أمام أعينهم ليلَ نهارَ لا تخفى عليهم، ومن عجيب أحوالها أنَّها لا تتأثر بحرارة الرمال، وأنَّ الله عز وجل جعل في بطونها أمعاءً تُخزِّن الطعام والماء، بحيث تصبر على الجوع والعطش وهي تسير في المفاوز مما يهلك دونه غيرها من الحيوان وأنها لا تكذب، فلا تَبرُك إلا إذا انتهت طاقتها عن الحمل والسيرِ،

وحدِّثْ وعدِّد من عجائب خلقها وصفاتها ولا حرج!.

ونظيرُ الفصل والوقْفِ بين الجملتين :

1-الوقف قبل الجملة المفسِّرة أو المبيِّنة:

  • المثال الأول – سورة يس (78):

قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ يحسن الوقف عليه؛ لأن المعنى قد تمّ.

ثم يُبتدأ بقوله تعالى: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.

والجملة الثانية تفسير وبيان لعناد الإنسان وجداله، فهي كاشفة عن نوع المثل الذي ضربه، ومع ذلك لا يمنع هذا كون الوقف صحيحًا.

  • المثال الثاني – سورة طه (120):

قوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ يجوز الوقف عليه؛ لأنه كلام تام في الإخبار عن أصل الفعل.

ثم يُبتدأ بقوله تعالى: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى

وهذه الجملة تفسير للوسوسة وبيان لطريقتها، فحصل البيان بعد تمام المعنى.

2-الوقف مع وجود البدل أو الاستئناف (آية فصلت)

المثال الثالث – سورة فصلت (43): قوله تعالى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ثم قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ

ذكر ابن هشام أن جملة إِنَّ رَبَّكَ… بدل من ما على أحد أوجه التفسير. انظر: "مغني اللبيب" (٥٢٧). ومع ذلك لا يمنع هذا صحة الوقف على الجملة الأولى.

ولهذا: وُضع في مصحف المدينة رمز (ج) الدال على جواز الوقف والوصل.

ووُضع في مصحف الشمرلي رمز (قلى) الدال على ترجيح الوقف.

سبب الاختلاف:

فإن جُعل المعنى: أن ما يُقال للنبي صلى الله عليه وسلم قد قيل للرسل قبله، وكان قوله إِنَّ رَبَّكَ… داخلًا في هذا القول، رُجِّح الوصل.

وإن جُعل المعنى: أن ما يواجهه من أذى هو سنة الرسل قبله، ثم جاء قوله إِنَّ رَبَّكَ… وعدًا ووعيدًا مستأنفًا، رُجِّح الوقف.

 وقد نوقشت هذه الأمثلة إما أنها جُمل مستقلة ، بخلاف (كيف خُلِقت) فليست مستقلة، أو أن بعض الأمثلة المذكورة هي رؤوس آي، وهذه حال استثنائية وإن قوي التعلق بما بعدها.

وكذلك: لا حجة في وضع علامات الوقف في المصاحف على آية فصلت، فإنها إنما وضعت على الوجه الآخر في التفسير، وهو أن قوله: إِنَّ رَبَّكَ…: جملة مستأنفة، هي من كلام الله عز وجل، وليست من تمام كلام الكفار لرسلهم.

ينظر: "حُسْنَ ٱلكَحَلْ فِي ٱلْوَقْفِ قَبْلَ جُمْلَةِ ٱلْبَدَلْ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ".

ثم إن الوقف على رؤوس الآي فيه خلاف مشهور.

انظر: "مقدمة حُسن المدد في معرفة فن العدد" للجعبري (ص/45)، "الميسر في علم عدّ آي القرآن" (ص/38)، إجابة رقم: (229818).

  • ومثله الوقف على (وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ)  ، (وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ) (وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ).

وأجاب المجيزون على من يقول: مَن من علماء الوقف والابتداء المتقدمين وقف على مثل هذا؟=

بأنَّ المتقدمين من علماء الوقف والابتداء قد رسموا لنا معالم، ووضعوا لنا الأصول والقواعد التي نسير عليها؛ فما وافق قواعدهم فهو صحيح، وإن لم يُذكر في مصنفاتهم. وما خالفها فهو مردود لا يُعتد به، وإن ذكره بعضهم وهمًا أو سهوًا.

قال الجعبري رحمه الله: " وعُلم مما ذكرته: أنه لا وقف محرم ولا لازم، خلافًا لمدعيه؛ بل وصل الكل، والوقف على كل كلمة مستقلة: جائز" "وصف الاهتداء في الوقف والابتداء"(١١١).

وقال الزركشي: والوقوف أمرها على سبيل الجواز؛ إِلَّا الذي بُنِي عليه الكلام، وما سواه فعليك منه أن تختار الأفضل فالأفضل انتهى من "البرهان في علوم القرآن" (1/368).

وقال ابن الجزري رحمه الله:

وليس في القرآن من وقف يجب    ولا حرام غير ما له سبب

قال المقريء اللغوي ا.د نبيل الجوهري:

"مسألة الوقف على قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ، والابتداء بقوله: (كيف خُلِقَت)، لم أجد نصًّا صريحًا عند علماء الوقف والابتداء في هذه الآية بعينها. غير أن الحكم فيها يُفهم من جهة المعنى، والمعنى متوقف على إعراب قوله: (كيف خُلِقَت):

فإن أُعربت جملة (كيف خُلِقَت) حالًا من الإبل، أو بدل اشتمال منها، لم يجز الوقف على قوله: أفلا ينظرون إلى الإبل، لأن ما بعده متعلق به.

وهذا هو القول الذي عليه أغلب المفسرين الذين وقفتُ على أقوالهم.

أما إذا قُدِّر أن الكلام قد تم عند قوله: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ، وأن قوله: كيف خُلِقَت جاء كلامًا مستأنفًا مستقلًّا، كجواب عن سؤال مقدّر: في أيِّ شيءٍ يُنظر في الإبل؟ فيقال: كيف خُلِقَت، أي: انظروا في كيفية خلقها؛ فعلى هذا التقدير يجوز الوقف على قوله: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ، ويكون كلٌّ من الجملتين استفهامًا مستقلًّا: الأول إنكاريٌّ توبيخي، والثاني تعجبيٌّ.

غير أن هذا الوجه – مع إمكانه من جهة المعنى – لم أقف على من صرّح به من المفسرين" انتهى.

وبكل حال؛

فلا شك أن الوصل أتمّ معنى، وأظهر، وأجود إعرابا، لأن كيف خُلقت مبيّنة لجهة النظر ومقصودة بالقصد الأول؛ فالنظر في كيفية الخلق أقوى وأقرب وأسرع لتحقيق العبودية لله وهي التي من أجلها أُمر المشركون بالنظر إليها.

ثم إن كل ما ذكر في النظر العام؛ مما عُدِّد من عجائب الإبل هو تفصيل لكيفية الخلق، لا معنى قائم بذاته خارجها.

والهمزةُ في (أَفَلَا يَنْظُرُونَ) ... للاستفهام التَّوبيخيِّ الإنكاريِّ، إنكارًا عليهم إهمالَ النَّظَرِ في الحالِ إلى دَقائقِ صُنعِ اللهِ في بَعضِ مَخلوقاتِه.

يُنظر: "تفسير أبي السعود" (9/150)، "روح المعاني" (15/328)، "تفسير ابن عاشور" (30/304)، "إعراب القرآن" للدرويش (10/459).

ثم إنه فوق ذلك: قد سلك القارئ بتمام الآية: الهدي العام، وقرأ كما يقرأ الناس، وكما هو ظاهر المعنى، ولم يقع في إغراب، في وقفه، ولا دعاء للنظر إليه، وإلى ما وقف، وتألف قلوب سامعيه، وآذانهم، بسماعهم ما يعلمون، ويألفون؛ لا ما يجهلون، أو تنفر نفوسهم منه.

وتفسير عامة المفسرين يؤيد الوصل دون الوقف.

قال ابن كثير رحمه الله في  تفسيره (8/ 387):

"يقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ؟ فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها. ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ أي: كيف رفعها الله، عز وجل، عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6].

وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ أي: جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن.

وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ؟ أي: كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته-على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. وهكذا أقسم "ضمام" في سؤاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: "صدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم". ..." انتهى. وانظر: "زاد المسير" (4/ 436).

وتخصيص معرفة حال الإبل بالبدوي دون الحضري فيه نظر، فإن الناس كانوا في ذاك الزمن بَدْوهم وحضرهم يستعملون الإبل، وإن كان البدوي ألصق بالإبل من الحضري، وقريش كانوا يسكنون مكة (أم القرى) فليسوا بدوا ولا أعرابا.

وينبغي على القاريء عدم الإغراب على الناس بما يشوش عليهم؛ وبما هو مخالف لعامة القراء مما يحصل به إحن وتنازع، فليس كلّ ما يستحسن يُقرأ، فينبغي أن ينظر للحال والمآل.

الحاصل:

أن الوصل في الآيات المذكورة: هو الأولى، والأتم للمعنى المراد، وهو الذي تلقّاه الأشياخ عن أشياخهم، وهو المعنى المتبادر إلى الذهن، وهو الذي عليه الناس، فيما يقرؤون، ويسمعون، ويفهمون؛ فما المحوج إلى الخروج عن ذلك إلى الإغراب؟!

والله أعلم.

المراجع

القرآن وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android