أولاً:
لا شك أن توزيع المصاحف من أعظم الصدقات لأنه من نشر العلم ومن النفع المتعدي الذي يرجى لصاحبه الثواب العظيم، كما ورد في النصوص في أجر من دعا إلى هدى فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى ، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) رواه مسلم ( 2674 )، وعن أبي مسعودٍ الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: (مَن دلَّ على خير فلَه مِثل أجْر فاعله)؛ رواه مسلم (1893).
فكل من انتفع بهذه المصاحف تلاوة وتعلما وحفظاً كان لصاحبها أجر في حياته وبعد مماته.
فمفهوم الصدقة الجارية: هو كل صدقة يستمر نفعها، ويدخل في ذلك الوقف دخولاً أولياً، ولكن لا يمتنع أن يكون غير الوقف صدقة جارية ما بقي نفعها، ويجري ثوابها على صاحبها في حياته وبعد مماته مادامت قائمة. وفي الحديث (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؛ فَأَجْرُهَا لَهُ مَا جَرَتْ) رواه أحمد في المسند (22247). وحسنه الألباني في"صحيح الجامع".
جاء في "إعانة الطالبين" (3/ 187):
إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصال غير عشر: علوم بثها، ودعاء نجل، وغرس النخل، والصدقات تجري ، وراثة مصحف، ورباط ثغر، وحفر البئر، أو إجراء نهر ، وبيت للغريب بناه يأوي إليه، أو بناء محل ذكر وزاد بعضهم: وتعليم لقرآن كريم فخذها من أحاديث بحصر ، وقوله علوم بثها، أي بتعليم، أو تأليف، أو تقييد بهوامش انتهى.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:(صدقة جارية) أي: شيء يضعه في حياته يجري ثوابه؛ كبناء المساجد، وبناء الدور لطلبة العلم، وطباعة الكتب للانتفاع بها، وإصلاح الطرق، وما أشبه ذلك مما يدوم نفعه" انتهى من "اللقاء الشهري" (75/ 2 بترقيم الشاملة).
وقد ورد التنصيص على ذكر "المصحف"، فيما يجري على المؤمن من أجره بعد موته.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ. رواه ابن ماجه (242) وحسنه الألباني.
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:
عندما أذهب إلى بلدي في الإجازة آخذ معي من المصاحف، وآخذ فرشًا للمسجد، هل هذا يعتبر صدقة جارية؟
فأجاب: نعم، المصاحف والكتب العلمية، وفرش المسجد من الصدقة الجارية ما دامت ينتفع بها، وهكذا بناء المساجد من الصدقة الجارية، وبناء المدارس لتدريس العلم الشرعي من الصدقة الجارية، وإصلاح الطرق للمسلمين من الصدقة الجارية، وهكذا توزيع الكتب على الناس، الكتب النافعة المفيدة، من الصدقة الجارية، وهكذا إيقاف الأوقاف الشرعية في وجوه الخير، كأن يوقف بيتًا تصرف غلته لفقراء المسلمين، أو في عمارة المساجد، أو في توزيع الكتب المفيدة والمصاحف= كله من الصدقة الجارية، فالصدقة الجارية تشمل صدقة المال، وبإيجاد الأوقاف الشرعية النافعة، وبناء المساجد، وجميع ما يبقى نفعه للمسلم، كله يسمى صدقة جارية، تبقى هذه الصدقة الجارية ما دام النفع مستمرًّا وما دام الفراش ينتفع به، ما دام الكتاب ينتفع به، وما دام المصحف ينتفع به، ما دام المسجد ينتفع به، وهكذا، كله صدقة جارية، والمال الذي يبذل في سبيل الله لغلة الوقوف من الصدقة الجارية» انتهى "فتاوى نور على الدرب لابن باز" (15/ 369).
ثانياً:
كل من ساهم مع صاحب المصاحف في توزيعها فله أجر في المساهمة بهذا الخير، بقدر ما ساهم به، ولكن أجر الصدقة الجارية إنما يكون لصاحبها الذي اشتراها وأوقفها، وأنت لك أجر المشاركة في هذا الخير من باب التعاون على البر والتقوى ونشر الخير.
وفضل الله واسع فقد جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجر بعض شيئا) رواه البخاري (1359) ومسلم (1034).
قال ابن بطال رحمه الله:
"فأخبر (صلى الله عليه وسلم) أنها تؤجر على ذلك، ويؤجر زوجها بما كسب، ويؤجر الخادم الممسك لذلك، وهو الخازن المذكور في الحديث، إلا أن مقدار أجر كل واحد منهم لا يعلمه إلا الله، غير أن الأظهر أن الكاسب أعظم أجرا" انتهى من "شرح صحيح البخاري" (3/ 426).
وقال ابن حجر رحمه الله:
"وظاهره: يقتضي تساويهم في الأجر.
ويحتمل: أن يكون المراد بالمثل: حصولُ الأجر في الجملة، وإن كان أجر الكاسب أوفر" انتهى من "فتح الباري لابن حجر" (3/ 304).
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "طباعة الكتب المفيدة التي ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم: هي من الأعمال الصالحة التي يُثاب عليها الإنسان في حياته، ويبقى أجرُها، ويجري نفعها له بعد مماته، ويدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم، فيما صح عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالحٍ يدعو له) رواه مسلم في صحيحه.
وكل من ساهم في إخراج هذا العلم النافع، يحصل على هذا الثواب العظيم، سواء كان مؤلفاً، أو معلما، أو ناشراً له بين الناس، أو مخرجا، أو مساهما في طباعته، كلٌّ بحسب جهده ومشاركته في ذلك". انتهى، من "فتاوى اللجنة الدائمة" (11/17).
والله أعلم.