أولا:
القرآن الكريم قد تواترت الأدلة والبينات على كونه قطعا كلام الله تعالى العالم بما كان وما يكون، وطالع للفائدة جواب السؤال رقم: (13804).
والنبي صلى الله عليه وسلم قد تواترت الأدلة على صدقه وأنه رسول من الله تعالى حقا.
طالع للأهمية أجوبة الاسئلة رقم: (298351)، ورقم: (182059).
فما ورد في القرآن الكريم من خبر نصدّق به ، ولا حاجة لنا إلى دليل آخر على صدقه، فمن صفة المؤمن الإيمان بالغيب.
وما ذكرته من إشكال هو نفسه من أدلة نبوته صلى الله عليه وسلم وأن القرآن الكريم كلام عالم الغيب والشهادة العالم بما كان وما يكون سبحانه وتعالى.
قال تعالى:
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ هود/49.
فالقرآن الكريم نص على أن الله تعالى أنزل على موسى عليه السلام التوراة وعلى عيسى عليه السلام الإنجيل، وليس في كتب أهل الكتاب المتداولة اليوم ما ينفي ذلك، بل فيه ما يثبته.
قال الدكتور سعود الخلف أثابه الله تعالى:
"إن من نظر في التوراة والأسفار الملحقة بها ، يجد ذكرا محدودا لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة.
ومن خلال هذه المعلومات نجد أن اليهود ذكروا:
1- أن موسى عليه السلام دوَّن جميع الأحكام، وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهياً وفي هذا قالوا في "سفر الخروج" 24/3: "فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل فكتب موسى جميع أقوال الرب …".
ثم يقولون: "وأخذ كتاب العهد، وقرأ في مسامع الشعب فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له".
2- أن موسى أُعطى شريعة مكتوبة بيد الله تعالى. وفي هذا قالوا في "سفر الخروج" 24/12: "وقال الرب لموسى إصعد إلى الجبل، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة، والشريعة، والوصية التي كتبتها لتعليمهم".
ثم ذكروا بعد هذا أن موسى عليه السلام مكث أربعين يوما في الجبل، وذكروا شرائع كثيرة أعطيها وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح.
وفي هذا يقولون في "سفر الخروج" 31/18: "ثم أَعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله".
وفي أثناء غياب موسى عليه السلام عبد بنو إسرائيل العجل، فلما عاد موسى عليه السلام ورأى قومه يرقصون حول العجل ألقى الألواح، ويذكر اليهود أن الألواح تكسرت، ثم إن الله سبحانه وتعالى فيما يذكرون كتب له لوحين آخرين بدلاً عنها.
3- يذكر اليهود أن موسى عليه السلام قبيل وفاته كتب التوراة، وأعطاها لحاملي التابوت، وفي هذا يقولون في "سفر التثنية" 31/9: "وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة من بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل، وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء في عيد المظال حينما يجئ جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم".
ثم ذكر اليهود في خاتمة هذا السفر السبب الذي لأجله دوَّن موسى عليه السلام التوراة فقالوا في "سفر التثنية" 31/24: "فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحرى بعد موتى" ...
4-يذكر اليهود في "سفر يشوع" أن يشوع "يوشع" كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح حسب وصية موسى عليه السلام، وفي هذا يقولون: " حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل في جبل عيبال … وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل … وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة ، البركة واللعنة ، حسب كل ما كتب في سفر التوراة " انتهى. كما جاء في "دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية" (ص 69 – 72).
وكذا الحال بالنسبة للإنجيل، فقد ورد في الأناجيل المتداولة اليوم ما يثبت أنه كان لعيسى عليه السلام كتاب يتلوه على الناس.
قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى:
"نجد في هذه الأناجيل عبارات تذكر كلمة إنجيل ، أو بشارة (وهي ترجمة لكلمة إنجيل باليونانية) مضافة أحياناً إلى المسيح على إنه ابن الله، وأحيانا إلى الله، وأحياناً إلى ملكوت الله، فنرى مثلاً في إنجيل "متى" في الإصحاح الرابع منه ما نصه: "وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض، وكل ضعف في الشعب"، وبشارة الملكوت هي ترجمة كلمة إنجيل باليونانية، ونرى في إنجيل مرقس في الإصحاح الأول منه: "وبعد ما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل"
وجاء في "رسالة بولس إلى أهل رومية" في الإصحاح الأول منها: "أولا أشكر إلهي يسوع المسيح من جهة جميعكم، إن إيمانكم ينادي به في كل العالم، فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم …" ويجيء في "رسالته الأولى إلى أهل كورنئوس" في إصحاحها التاسع: "بصرت الضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء، صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوماً، وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل، لأكون شريكاً فيه".
ففي هذا كله نجد كلمة إنجيل أو كلمة بشارة (وهي ترجمة كلمة إنجيل باليونانية) مضافة إلى ملكوت الله، كما في إنجيل "متى" و"مرقس"، وإنجيل الابن كما في "رسالة بولس إلى أهل رومية"، وكلمة الإنجيل من غير إضافة كما في "إنجيل مرقس"، و "رسالة بولس إلى أهل كورنئوس الأولى".
ولا شك أن الإنجيل المذكور في كل هذا ليس واحدا من هذه الأناجيل، لأنها لا تضاف إلا إلى أصحابها باتفاق النصارى، ولأن المسيح قد وعظ بهذا الإنجيل، كما جاء في عبارة متى التي نقلناها، ولم يكن واحداً من هذه الأناجيل قد وجد في عهده بالاتفاق.
وليس من المعقول أن يعظ بأقوال تلاميذه، وهم بعد لا يزالون في دور التعلم.
ولأن هذا الإنجيل قد ذكر في هذه الأناجيل على أنه كان قائما في عهد عيسى.
ولأنه ذكر من غير نسبة كما في "إنجيل مرقس" و "رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنئوس"، وليس واحد من هذه الأربعة تنصرف إليه كلمة إنجيل من غير نسبته إلى صاحبه.
ولأنه ذكر في "رسالة بولس إلى أهل رومية" منسوبا إلى المسيح الابن، وليس واحد من هذه الأناجيل يستحق هذا الاسم.
لهذا كله نقول: ليس هذا الإنجيل واحدا منها كما تقضى بذلك طبيعة السياق، وكما يقضى بذلك العقل " انتهى. "محاضرات في النصرانية" (ص55).
وقال الدكتور سعود الخلف أثابه الله تعالى:
"وقد دعا المسيح عليه السلام بني إسرائيل للأخذ بالإنجيل والإيمان به، فقد جاء في "إنجيل مرقص" (1/14): "وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل".
ذكره أيضا أوائل النصارى ودعوا إلى الإيمان به، وفي هذا يقول "سفر أعمال الرسل" 8/25، عن بطرس ويوحنا في دعوتهما للسامريين من اليهود: "وكما شهدا وتكلما بكلمة الرب رجعا إلى أورشليم وبشرا بالإنجيل في قرى كثيرة للسامريين".
وذكره بولس أيضا في رسائله، مثل قوله في "رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي" (2/2): "جاهرنا في إلهنا أن نكلمكم بإنجيل الله في جهاد كثير، لأن وعظنا ليس عن ضلال ولا عن دنس ولا بمكر، بل كما اسْتُحْسِنا من الله أن نؤتمن على الإنجيل هكذا نتكلم …
ثم يقول -: … فإنكم أيها الأخوة تذكرون تعبنا وكدنا إذ كنا نكرز لكم بإنجيل الله".
فإذًا؛ الإنجيل كان كتاباً موجوداً ومعروفاً لدى النصارى الأوائل بأنه إنجيل الله، أو إنجيل المسيح، إلا أن هذا الإنجيل لا نجده بين الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى اليوم …” انتهى. "دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية" (ص 136).
وكون هذه النسخ الأصلية للتوراة والإنجيل لم تحفظ إلى اليوم، هو ما أشار إليه القرآن وبينه، فالله سبحانه وتعالى قد تعهد بحفظ القرآن الكريم.
قال الله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الحجر/9.
فنرى مصداق ذلك أنه بعد ما مرت 1400 سنة، ما زال القرآن محفوظا لم يتغير منه حرف واحد، والأمة مجمعة عليه لا تختلف فيه.
وأما التوراة والإنجيل فلم يتعهد الله بحفظهما، بل كلف الله تعالى علماء أهل الكتاب بالمحافظة عليها.
قال الله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ المائدة/44.
وقد بيّن في آيات أخر أنهم لم يقوموا بهذا الواجب، بل حرفوا هذه الكتب، وكتبوا كتبا من عند أنفسهم، وقالوا إنها من عند الله.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
"قوله تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ الآية.
أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتثلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟
ولكنه بين في مواضع أخر: أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استُحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمداً، كقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ الآية، وقوله: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً، وقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الآية، وقوله جل وعلا: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ الآية، إلى غير ذلك من الآيات" انتهى. "أضواء البيان" (2 / 120).
ولأجل ذلك، فإن ما عند اليهود والنصارى من كتب: قد يوجد فيها بقية مما جاء به موسى وعيسى عليهما السلام، مختلطا مع ما كتبه الأحبار والرهبان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"وأما الإنجيل الذي بأيديهم، فهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح عليه السلام، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح: متى ويوحنا وكانا قد صحبا المسيح ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر، ومرقس ولوقا وهما لم يريا المسيح عليه السلام.
وقد ذكر هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح، وبعض أخباره، وأنهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله.
ونقلُ اثنين وثلاثة وأربعة: يجوز عليه الغلط، لا سيما وقد غلطوا في المسيح نفسه، حتى اشتبه عليهم بالمصلوب" انتهى. "الجواب الصحيح" (2 / 397).
فيتبين من كل ما سبق أن ما ذكره القرآن الكريم من أن الله تعالى أنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام لا يتعارض مع كون هذا الإنجيل لم يحفظ، والأناجيل الموجودة اليوم كتبها أناس عاشوا بعد عيسى عليه السلام.
فما جاء به القرآن الكريم من بيان أحوال كتب اليهود والنصارى متوافق مع حال هذه الكتب، مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يتعلم على يد بشر ولم يقرأ كتبا في حياته، لم يعلم أخبار هذه الكتب إلا من عالم الغيب والشهادة الله سبحانه وتعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"كان يخبرهم بالأمور الماضية خبرا مفصلا، لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبيا، أو من أخبره نبي، وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر، وهذا مما قامت به الحجة عليهم، وهم مع قوة عداوتهم له، وحرصهم على ما يطعنون به عليه؛ لم يمكنهم أن يطعنوا طعنا يُقبل منهم، وكان علم سائر الأمم بأن قومه المعادين له، المجتهدين في الطعن عليه، لم يمكنهم أن يقولوا: إن هذه الغيوب علمها إياه بشر؛ فوجب على جميع الخلق أن هذا لم يعلمه إياها بشر؛ ولهذا قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا؛ فأخبر أنه لم يكن يعلم ذلك هو ولا قومه، وقومه تقر بذلك" انتهى. "الجواب الصحيح" (1/403).
ثانيا:
ما ذكرته من تكذيب أهل الكفر لما جاء به القرآن من أخبارٍ، ووصفهم لها بأنها خرافات أو مسروقة من كتب سابقة. يقال فيه:
يجب أن يعلم أنهم لم يكذّبوا بهذه القصص بسبب عثورهم على أدلة تدل على بطلانها، وأنى لهم ذلك! وإنما استعملوا سلاح التكذيب لمحاربة الإسلام لأنه أسهل سلاح بين أيديهم، ولم يأتوا بجديد من العلم، بل هو نفس السلاح الذي استعمله كفار العرب، وجهلة عُبَّاد الأحجار الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى واصفًا حالهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ الأنعام/25.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
"وقوله: إِلَّا أَسَاطِيرُ أساطير جمع أسطورة، والأسطورة هي ما يتحدث الناس به في المجالس من أجل قتل الوقت، ليس لها معان، وتسمى عند العامة السواليف، لكن يريد الإنسان أن يزيل عنه الملل والكسل، وقطع الوقت.
قوله: الْأَوَّلِينَ، أي: السابقين" انتهى. "تفسير سورة الأنعام" (ص135).
وقال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ الأحقاف/11.
وطالع لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم: (162219).
ثم إن كان هؤلاء الكفار قد ادعوا عدم صحة معلومات القرآن الكريم بلا دليل، وإنما بشبهات متهافتة، فهناك أمم من علماء أهل الكتاب وغيرهم، ممن أقر بصدق القرآن الكريم، وهذا من يوم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.
قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الشعراء/197.
وقال الله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يونس/94.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
"فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ أي: اسأل أهل الكتب المنصفين، والعلماء الراسخين، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به، وموافقته لما معهم.
فإن قيل: إن كثيرًا من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم كذبوا رسول الله وعاندوه، وردوا عليه دعوته، والله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به، وبرهانًا على صدقه، فكيف يكون ذلك؟
فالجواب عن هذا، من عدة أوجه:
منها: أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العدولَ الصادقين منهم.
وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر من غيرهم، فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين، كـ "عبد الله بن سلام" وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ومن بعده و "كعب الأحبار" وغيرهما ...
ومنها: أن الله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على رؤوس الأشهاد.
ومن المعلوم أن كثيرًا منهم، مِن أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره الله، لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك، كان عدم رد المعادي، وإقرار المستجيب، من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه.
ومنها: أنه ليس أكثرُ أهل الكتاب، ردَّ دعوة الرسول، بل أكثرهم استجاب لها، وانقاد طوعًا واختيارًا، فإن الرسول بعث وأكثر أهل الأرض المتدينين: أهلُ كتاب. فلم يمكث دينُه مدة غير كثيرة، حتى انقاد للإسلام أكثرُ أهل الشام، ومصر، والعراق، وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب ... " انتهى. "تفسير السعدي" (ص 373).
فأنت ترى لا يمر زمن من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إلا ويدخل في الإسلام من علماء أهل الكتاب جملة منهم، ولا يفارقوه، وهم أعلم بما في كتب اليهودية والنصرانية، وكثير منهم دخلوا الإسلام وهم في مَكانة عِزٍّ عند قومهم، والمسلمون في وقت ضعف وفقر، وفي وقت كان من أهل الكفر من يختار الكفر خشية الهلاك إن أسلم.
قال الله تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ القصص/57.
فلم يكن يدفع هؤلاء العلماء من اليهود والنصارى إلى الدخول في الإسلام إلا عثورهم على الحق فيه، وأنه مصدّق لما جاء به موسى وعيسى عليهما السلام، كما كان حال من أسلم من علماء اليهود والنصارى في عصر النبوة قبل فتح مكة وبعدها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
" والمقصود: أنه صلى الله عليه وسلم لم يُكْرِهْ أحدا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا؛ فأكثر أهل الأرض دخلوا في دعوته، لما تبيّن لهم الهدى وأنّه رسول الله حقّا.
فهؤلاء أهل اليمن، كانوا على دين اليهوديّة، أو أكثرهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن: (إِنَّكَ سَتَأتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وذكر الحديث. ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة.
وكذلك من أسلم من يهود المدينة، وهم جماعة كثيرون، غيرُ عبد الله بن سلام، مذكورون في كتب السِّيَر والمغازي؛ لم يسلموا رغبة في الدنيا، ولا رهبة من السيف؛ بل أسلموا في حال حاجة المسلمين، وكثرة أعدائهم، ومحاربة أهل الأرض لهم من غير سوطٍ ولا نوط؛ بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانَهم نفعَهَم بالمال والبدن، مع ضعف شوكة المسلمين وقلة ذات أيديهم، فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته، ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام، لا لرياسة ولا مال، بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار؛ من ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم، ولا يصرفه ذلك عن دينه.
فإنْ كان كثير من الأحبار والرّهبان والقسّيسين، ومن ذكره هذا السائل، قد اختاروا الكفر؛ فقد أسلم جمهور أهل الأَرض من فرق الكفّار ولم يبق إلا الأقلّ بالنسبة إلى من أسلم.
فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء الشام، ثم صاروا مسلمين إلا النادر، فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض.
وكذلك المجوس: كانت أمة لا يحصي عددهم إلا الله، فأطبقوا على الإسلام، لم يتخلّف منهم إلا النادر، وصارت بلادهم بلاد إسلام، وصار من لم يسلم منهم تحت الجزية والذلة.
وكذلك اليهود: أسلم أكثرهم، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة مقطّعة في البلاد" انتهى. "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى" (ص30).
وكما أسلم في القرون المتأخرة جمع كثير من علمائهم بأمور دينهم ودنياهم، وبلدان الإسلام كانت تحت وطأة الاستعمار والضعف والفقر والجهل، فلم يكونوا يرجون من الدخول في الإسلام منفعة دنيوية، وكما تراهم اليوم يسلمون جماعات وفرادى والمسلمون أمرهم مختلف وقوتهم واهنة، لا يدفعهم إلى الإسلام إلا علمهم بصدق أخباره وعدل أحكامه، وبطلان شبهات خصومه.
الخلاصة:
ما يذكره القرآن الكريم من أخبار كتب أهل الكتاب: هو أمر موافق لأحوالها، من أن الله أنزل كتبه على رسله، لكن أتباعهم لم يحفظوها، بل حرفوا بعضها، وبعض ما لم يحرفوه خلطوه بكلامهم وزعموا أنه كله من عند الله تعالى.
وما يطعن به أهل الكفر في القرآن الكريم بوصف قصصه بأنها حديث خرافة أو مسروقة من كتب أخرى، هو طعن لا يقوم على دليل، وإنما على شبهات متهافتة سبقهم إليها أهل الجهل من كفار قريش، ثم كثير من علماء أهل الكتاب وغيرهم لم يوافقوا على هذه الطعون كما هو معلوم ومشهور ومشاهد، بل كذّبوا هذه الطعون وأبطلوها، وأقروا بصدق القرآن الكريم وأنه كلام الله تعالى حقا لا شك فيه ودخلوا في الإسلام.
والله أعلم.