هذه تحية تضمنت الشرك بالله تعالى فيحرم ردُّها، والواجب إنكارها باللسان أو القلب، حسب الاستطاعة.
كيف نرد على من يسلم بقوله (سلام المسيح)؟
السؤال 567554
من النصارى من إذا أراد أن يسلم على مسلم قال له "سلام المسيح" وربما أراد بذلك استفزاز المسلم، فهل يجب رد السلام على من قال هذا؟ إن كان الجواب نعم، فكيف؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
روى مسلم في صحيحه (591) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله هو السلام)، كما رواه البخاري (831) ومسلم (402).
وبوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه (8/ 51): "باب: السلام اسم من أسماء الله تعالى"، ثم روى فيه (6230) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان وفلان، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم، أقبل علينا بوجهه، فقال: (إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ...) الحديث.
فعلمنا بذلك أن الله عز وجل هو (السلام)، وأن السلام اسم من أسمائه تبارك وتعالى، وأنَّ السلامة إنما ترجى من الله عز وجل.
فالسلام اسم الله تعالى، والسلامة إنما هي من الله تعالى، رب العالمين ورب عيسى ابن مريم ومالكه ومالك الناس، وخالق عيسى ومحييه ومميته، كما خلق البشر وأحياهم، ويميتهم ويبعثهم ويسألهم، لا فرق في شيء من ذلك بين عيسى صلى الله عليه وسلم وغيره.
ثانيًا:
النصارى مشركون بالله تعالى، يشركون المسيح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم مع الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه تعالى وصفاته كذلك، ويشركون أمَّه مريم الصِّدِّيقة رضي الله عنها كذلك في عبادة الله، فقد جمعوا أنواع الإشراك بالله كلها!
وذلك بأنهم يقولون: إن المسيح هو الله، ويقولون مع ذلك: إنه ابن الله المولود منه، فلذلك يصفونه بصفات بالربويية والألوهية مع الله، ويعبدونه مع الله، فهم قوم مشركون، واعتقادهم من أشد ما نطق به البشر تناقضًا واضطرابًا وفسادًا.
والمسيح في عقيدة النصارى الشركية: هو الإله الذي مات مصلوبًا، ثم بعث من الموت ليفتدي البشر ويخلصهم من خطاياهم و(يصالحهم على الله) كما يزعمون! تعالى الله عما يقولون، وسبحانه وتعالى عما يشركون.
وينظر جواب السؤال: (42573) ففيه مناقشة عقيدة الفداء عند النصارى.
فبناء على عقيدتهم في (الفداء) عند هؤلاء، ومن آثار إشراكهم المسيح مع رب العالمين في أسمائه تعالى:
فإن هؤلاء المشركين يعتقدون أن المسيح صلى الله عليه وسلم هو: (رئيس السلام) و: (ملك السلام)، ومانح السلام للبشر، لأنه صالحهم على الله بالصلب والفداء، تعالى الله عما يقولون.
يقول مكرم إسكندر نقولا، المعروف باسم الأنبا بيشوي، أحد رؤساء الكنيسة المصرية الأرثوذوكسية، في كتابه: "المسيح مشتهى الأجيال" (!!) (ص 249)، تحت عنوان "طوبى لصانعي السلام":
[بعد أن طوّب السيد المسيح أنقياء القلب؛ قال التطويب السابع: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم: أبناءَ االله، يُدْعَوْن" (مت 5: 9).
دُعي السيد المسيح "رئيس السلام" (إش 9: 6) و"ملك السلام" (عب 7: 2) وقيل عنه: "لنمو رياسته وللسلام لا نهاية" (إش 9: 7).
وسبب هذه التسمية: أن السيد المسيح قد صالحنا مع االله أبيه، بدم صليبه، مثلما كتب معلمنا بولس الرسول، للأمم: "أنتم الذين كنتم قبلًا بَعيدين، صرتم قريبين بدم المسيح، لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط السياج المتوسط، أي العداوة، مبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانا واحدا جديدا صانعا سلاما، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلا العدواة به.
فكما صالح السيد المسيح الإنسان مع االله، صالح الإنسان مع أخيه الإنسان، وأعطى تلاميذه من الرسل القديسين خدمة المصالحة بحسب قصد الآب السماوى وتدبيره، وقد أشار القديس بولس الرسول إلى ذلك فقال: "ولكن الكل من االله، الذى صالحنا لنفسه بيسوع المسيح، وأعطانا خدمة المصالحة". أى أن االله كان فى المسيح مصالحا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعا فينا كلمة المصالحة، إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله].
ثم قال القسيس:
[فبعدما قدم السيد المسيح ذبيحة الفداء على الصليب، وقام من الأموات وظهر للأحد عشر، وهم مجتمعون في عشية أحد القيامة قال لهم: "سلام لكم"... ولما قال هذا نفخ وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت".
لقد بشرهم بالسلام، وأعطاهم السلطان أن ينشروه لكل من يرغب، وبهذا حقق السيد المسيح وعده لتلاميذه بأن يمنحهم عطية السلام الفائقة للطبيعة إذ قال: سلاما أترك لكم، سلامي أعطيكم]، انتهى.
فيتبين بذلك أن قول النصراني في تحيته للمسلم (سلام المسيح):
مُنكَر في معناه، نكارةً اعتقادية مغلَّظة، فهو شرك مبنيٌّ على أصل من أصول اعتقادهم الشركيِّ في عيسى النبي، عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، فإنهم يعتقدون أنه: (ملك السلام ورئيسه)، أي: الذي منح السلام للبشر بمصالحتهم على الله، وبمصالحة الإنسان مع الإنسان، وهو الذي يمنح السلام لتلاميذه وللعباد، ثم يمنح تلاميذه وأتباعه حق منح السلام مِن بعدِه.
ويتبين كذلك: أن سبب تسميتهم المسيح (رئيس السلام) و(ملك السلام): مرتبط عندهم بعقيدة الصلب والفداء (والمصالحة مع الله)، وهم يقولون: إن المسيح رئيس السلام قد أعطى أتباعه من النصارى (كلمة المصالحة) ليصالحوا الناس، زعموا، نعوذ بالله من كفرهم بالله، وشتمهم إياه، ومن غلوهم في عيسى وهو عبد الله، حتى جعلوه إلهًا مع الله، وسمَّوه بأسماء الله، ووصفوه بصفات الله رب العالمين الذاتية والفعلية.
قال الله رب العالمين: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.
وقال تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.
وقال سبحانه: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا.
فالحمد لله رب العالمين.
وقال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
قال الشيخ السعدي رحمه الله:
"قوله: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: عقوبةً وعذابًا على إلحادهم في أسمائه، وحقيقةُ الإلحادِ الميلُ بها عما جُعِلَت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها، فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها"، انتهى من "تفسيره" (ص309).
ثالثًا:
روى البخاري (6258)، ومسلم (2163)، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : (إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم).
وروى البخاري (6401)، ومسلم (2165) أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، فقال عليه الصلاة والسلام: (وعليكم)، فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف، أو الفحش)، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: (أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم، فيُستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ).
ففي حديث عائشة أن اليهود دعَوا على النبي صلى الله عليه وسلم بسوءٍ – لعنهم الله -، وأنه صلى الله عليه وسلم قد تبيَّن له لفظُهم القبيح؛ فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأن دعا عليهم مثلما دعوا، فيُستجاب له صلى الله عليه وسلم، ولا يستجاب لهم، لعنهم الله.
ومعنى قولهم: (السام عليك)، الدعاء بالموت، أو الهلاك.
وقد اختلفت روايات حديث عائشة رضي الله عنها، بين إثبات الواو في كلمة (وعليكم) وعدم إثباتها، واستفاض الحافظ ابن حجر رحمه الله في عدِّ الروايات وبيان اختلافها في "فتح الباري" (11/ 43)، ثم قال:
"وقد اختلف العلماء في إثبات الواو وإسقاطها في الرد على أهل الكتاب، لاختلافهم في أي الروايتين أرجح".
ثم بيَّن رحمه الله أن العلماء القائلين بالاقتصار على قول: (عليكم) بدون واو، في رد تحية أهل الكتاب، كان مأخذهم هو: "أن فيها تشريكا"، أي أن حرف "الواو في مثل هذا التركيب؛ يقتضي تقرير الجملة الأولى، وزيادة الثانية عليها، كمن قال: زيدٌ كاتبٌ، فقلتَ: وشاعرٌ، فإنه يقتضي ثبوت الوصفين لزيد"، انتهى من "فتح الباري" (11/ 44).
وشرح الإمام ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (1/ 423)، أن أهل الكتاب إذا كان في تحيتهم مثلُ ذلك من السوء، فلا ينبغي مشاركتهم في التحية مشاركةً تتضمن تقريرهم على المنكر.
"فالموضِع موضع إضرابٍ، لا موضع تقرير ومشاركة، فهو موضع: (بل عليكم)، لا موضع: (وعليكم)".
ثم قال عن إثبات الواو - في رد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم - وهو مرادنا هنا:
"ليس في دخولها إشكال، فإن الموت لا ينجو منه أحد، وكأن الرادَّ يقول: الذي أخبَرتَ بوقوعه علينا: نحن وأنت فيه سواء، فهو علينا وعليك ...
وجواب آخر ولعله أحسن من الجواب الأول:
أنه ليس في دخول الواو تقريرٌ لمضمون تحيتهم، بل فيه ردُّها وتقريرها لهم، أي: ونحن أيضا ندعو لكم بما دعوتم به علينا، فإن دعاءهم قد حصل ووقع منهم، فإذا رد عليهم المجيب بقوله: (وعليكم)، كان في ذكر الواو سر لطيف، وهو أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به، هو بعينه مردود عليكم، لا تحية لكم غيره.
والمعنى: ونحن نقول لكم ما قلتم بعينه، كما إذا قال رجل لمن يسبه: عليك كذا وكذا، فقال: وعليك، أي: وأنا أيضا قائل لك ذلك، وليس معناه: أن هذا قد حصل لي، وهو حاصل لك معي، فتأمله.
وكذلك إذا قال: غفر الله لك، فقلت: ولك، وليس المعنى أن المغفرة قد حصلت لي ولك، فإن هذا علم غيب، وإنما معناه أن الدعوة قد اشتركت فيها أنا وأنت، ولو قال: غفر الله لك، فقلت: لك لم يكن فيه إشعار بذلك.
وعلى هذا؛ فالصواب إثبات الواو، وبه جاءت أكثر الروايات، وذكرها الثقات الأثبات"، انتهى كلام ابن القيم، باختصار.
ومرادنا مما سبق هو:
أنَّ جميع ما يذكره أهل العلم من أحكام ردِّ تحية أهل الكتاب: مبنيٌّ على قاعدة ثابتة لم يُختلَف فيها، وهي: تحريم مشاركتهم في منكر، أو إقرارهم على دعاء منكر يدعون به على مسلم، فإن المؤمنين يَنهون عن المنكر والفساد في الأرض، ولا يفعلونه، ولا يشاركون فاعله فيه، بل يسعون في تغييره.
ولذلك استشكل العلماء الواو، ووقع منهم هذا الشرح والتفصيل والتوجيه.
ثم يدور كلام أهل العلم بعد ذلك في مقامين عند الكلام على تحية أهل الكتاب للمسلمين:
فالمقام الأول: أن يتحقق المسلم من سماع تحية الكتابي، السالمة من النكارة والإساءة:
فعامة العلماء يوجبون رد تحيته تلك، على خلاف بينهم هل يكتفى في الرد بقوله: (وعليكم)، أم تشرع الزيادة على ذلك، فيرد التحية بمثلها، أو بأحسن منها.
قال ابن مفلح من الحنابلة: "فإن سلَّم أحدُهم؛ وجب الردُّ عليه عند أصحابنا، وعند عامة العلماء"، كما في "الآداب الشرعية" له (1/ 367).
وينظر: "المستدرك على مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية" (3/ 241)، و"أحكام أهل الذمة" لابن القيم (1/425)، فقد اختار ابن القيم أن ترد تحيته بأحسن منها، أو بمثلها، كتحية المسلم للمسلم، ولشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك قولان.
والمقام الثاني: أنَّ يشُكَّ المسلم فيما قاله الكتابي، أو يتحقق أنه قال: (السام عليكم) أو مثل ذلك مما فيه نكارة وسوء ومكروه:
فهذا لا يُرَدُّ عليه إلا بقول: (عليكم) أو: (وعليكم)، مقتصرا على ذلك، اتباعًا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء في إثبات الواو وحذفها، والمعنى حينئذ: (عليكم أنتم السام والهلاك لا علينا)، أو: (وعليكم السام والهلاك، نشارككم في الدعاء، والله يستجيب لنا ولا يستجيب لكم)، كما سبق شرحه.
هذا؛ وكما ترى، فليس في أي مقام من المقامين إقرار على اعتقاد فاسد في ذات الله تعالى، ولا مشاركة لهم في الإشراك بالله أو إثبات صفة من صفات الله لغيره، عياذًا بالله.
بل بيّن أهل العلم ما ينويه المسلم إذا احتاج أن يقول للنصراني: (أبقاك الله)، أو نحو ذلك، بأن ينوي بذلك: أن يطيل الله بقاءه رجاءَ أن يدخل في الإسلام.
كما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجل المسلم يقول للرجل النصراني: أكرمك الله؟ فقال: "نعم، يقول: أكرمك الله، يعني: بالإسلام"، كما ذكر ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (1/ 368).
وقد شرحنا بعض ذلك في إجابة السؤال: (234345)، فليراجع.
رابعًا:
تبيّن بما سبق أن مشروعية ردِّ تحية اليهودي والنصراني، شرطُها: ألا يكون في الرد (مشاركة لهم) على معنًى منكر، ولا يكون فيها (إقرار لهم) على دعوةٍ بسوءٍ يدعون بها على مسلم.
فإذا كان قول النصراني للمسلم (سلام المسيح)؛ مبنيًّا على اعتقاد شركيٍّ فاسد، مناقض للتوحيد، ومناقض لمعنى (السلام) عند المسلمين، فيحرم حينئذٍ رد هذه التحية بما يفهم منه إقراره على هذا الشرك.
فهذا موضع استنكار وبراءة، لا موضع تحية أو مداهنة.
وقد قال ابن القيم رحمه الله في شرح معنى (السلام) المطلوب عند التحية:
"فيه قولان مشهوران، أحدهما: أن المعنى (اسم السلام عليكم)، والسلام هنا: هو الله عز وجل، ومعنى الكلام: نزلت بركة اسمِه عليكم، وحلَّت عليكم، ونحو هذا... القول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية ..."، انتهى مختصرا من "بدائع الفوائد" (2/610).
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (7/139): " السلام اسم من أسماء الله وهو أيضا دعاء بالسلامة"، انتهى.
وكلا المعنيين للسلام هو مما يختص بالله تعالى وحده، فإذا قال النصراني للمسلم: (سلام المسيح)؛ كان هذا موضعَ إضرابٍ، وليس موضع تقرير ولا مشاركة، فإن (الله هو السلام) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه تعالى (السلام)؛ هو الذي تحل بركاته وتنزل على العباد، وكذلك فالسلامة المرجوة إنما تكون من الله تعالى وحده، لا من المسيح عليه السلام ولا من غيره.
وأما ردُّ تحية أهل الكتاب - عند التحقق من سماع تحيتهم الخالية من المنكر - فقد شُرعت إحسانًا وعدلًا، وهو مأخذ الذين أوجبوا رد تحيتهم بمثلها أو أحسن منها من أهل العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وعلى المسلم عليه أن يرد السلام، ولو كان المسلم عليه كافرًا، فإن هذا من العدل الواجب، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد على اليهود إذا سلموا عليه بقوله (وعليكم)"، انتهى من "الإخنائية" (ص260).
فأما رد تحيتهم المنكرة المتضمنة للشرك، مع مشاركتهم في المعاني التي يكفرون فيها بالله، ويشركون معه المسيح فيها، أو إقرارهم عليها؛ فليس في ذلك عدل ولا إحسان، بل ظلم وطغيان، على أقل تقدير.
وأما رد إساءتهم عند التحية أو نحوها، بأن يقول المسلم: (وعليكم)، أو: (عليكم)، كفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود؛ فهو مشروعٌ إذا كان في كلامهم ما يمكن أن يُرَدَّ إليهم، من غير مشاركة لهم في شيء من شركهم الباطل، ولا إقرار لهم عليه.
والمقصود هنا:
أنه إن كان في تحية أهل الكتاب للمسلمين دعاء بسوءٍ، مع إمكان أن يُردَّ السوء إليهم، ويُعادَ عليهم؛ فحينئذ يُشرع أن يردَّ المسلم بأن يقول: (عليكم)، أو يقول: (وعليكم)، وليست الواو هنا للمشاركة، كما سبق شرحه، بل يكون المعنى: (عليكم هذا السوء لا علينا) أو: (ونحن ندعو عليكم كما دعوتم علينا)، فيستجاب لنا ولا يستجاب لكم.
وأما قول النصراني (سلام المسيح)، فمبني على اعتقاد باطل فيه كفر بالله وشتم له تعالى وتقدس، سواء وقع على المسلم أو على النصراني، فإن السلام من الله دومًا لا من المسيح، فلا سلام من المسيح مبنيًّا على فداء وصلب ومصالحة على الله، لا على المسلم ولا على النصراني، فيحرم حينئذ رد هذه التحية.
ويؤكِّده: أن هذه التحية ونحوها، كمثل قول بعضهم لبعض: (سلام ونعمة)؛ هي من ألفاظ النصارى فيما بينهم، الشائعة في تحية بعضهم لبعض، والشريعة قد نهت عن مشابهة الكفار في مجرد الصورة الظاهرة، لأن المشاركة تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، وهو يؤدي إلى موافقةٍ ما في الأخلاق والأعمال، وأما مخالفتهم فتوجب مباينةً ومفارقةً لهم، وانحيازًا لأهل الهدى والرضوان، وينظر "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية (1/ 92).
فلذلك جاء التنبيه في الشريعة على: "أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها، مما يكون كفرا أو معصية بالنية، يُنهَى المؤمنون عن ظاهره، وإن لم يقصدوا به قصد المشركين، سدا للذريعة وحسما للمادة"، كما قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم" أيضًا (1/ 220).
ثم إنك تقول أيها السائل الكريم إن النصراني "ربما أراد بذلك استفزاز المسلم"؛ فهذا يؤكد سوء الطوية، وقبح المراد من اللفظ.
وينظر للفائدة جواب السؤال: (397934).
والحاصل:
أنه يحرم على المسلم رد تحية النصراني القائل: (سلام المسيح)، لأن كلمته تلك مبنية على اعتقاد شركيٍّ، فإن السلام من الله وحده، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وليس للمسيح عليه السلام من ذلك شيء.
فإن أنكر المسلم هذه التحية بأن يقول: (بل السلام من الله) أو نحو ذلك، فهو حسن طيب، وإلا فليُعرض عن المشركين، ولا يجب بشيء.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟