الأدلة العقلية تدل على إحاطة علم الله تعالى بكل شيء، وقد بيَّن الخليل عليه السلام ذلك لقومه، فاستعمل أدلة العقل لإثبات "صفة العلم" فيصلا بين الرب الحق تعالى والمعبود الباطل؛ إذ المعبود لا بد أن يكون "سميعًا عليمًا"، وأما الأصنام والكواكب فانتفى العلم والسمع عنها، فأفولها ينافي الإحاطة والقيومية.
هل النظر العقلي يدل على أن الله يعلم كل شيء؟
السؤال 564446
في سورة الأنعام بعدما ذكر ربنا تبارك وتعالى كيف وصل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى التوحيد بعقله، وعلم أن الذي خلق السماوات والأرض هو فقط الذي يستحق العبادة، قال تعالى في الآية ٨٠ ( وسع ربي كل شيء علما ).
سؤالي هو: هل علم سيدنا إبراهيم أن الله يعلم كل شيء بعقله فقط، أم أن الله كان قد أوحى إليه بعدما تفكر في الكون ووحد الله تعالى؟ وهل يمكن الاستدلال على علم الله المطلق بعقولنا فقط؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
العقل وحده لا يمكن أن يستقل بهداية صاحبه، إلا بمعونة الله تعالى ووحيه وتوفيقه، وما من عبد من العبيد إلا وهو محتاج إلى هداية الله رب العالمين له، وأن يوفقه ويلهمه رشده ويخلق له إيمانه، فالإيمان ليس مجردَ فعلٍ بشري أو كدّ عقلي، بل هو زينة يزيِّن الله تعالى بها قلب من شاء، فضلا منه ونعمة، كما قال الله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
قال الطبري في "تفسيره" (21/355): "يقول: وحسَّن الإيمانَ في قلوبكم فآمنتم"، انتهى.
وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ.
ولذلك يعلِّمنا القرآن أن من دعاء الصالحين سؤالهم الله تعالى أن يهيئ لهم من أمرهم رشدا؛ كما دعا أصحاب الكهف: رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.
وكم عاقلٍ ضرَّه عقله ولم ينفعه بشيء، وكم كافرٍ تبيَّنت له الآيات البيِّنات، فعقلها، ثم كفر بها!
فالإنسان لا يصل إلى التوحيد بمحض العقل، بل لا بدَّ من الأمرين جميعًا، العقل، وتوفيق الله وهدايته للعمل بمقتضى العقل، وكلا الأمرين من رحمة الله وفضله.
وقد أخبرنا الله تعالى في مواضع من الكتاب العزيز: أن الآيات البينات والمعجزات الباهرات، المشتملة على البراهين العقلية والخبرية؛ قد بلغَت أقواما من الكافرين على يد رسلهم، ثم هم بعد ذلك يقولون: لن نؤمن حتى تأتينا آية من الله، أو لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، أو اشترطوا على رسلهم آياتٍ أو براهينَ عنتًا وعنادًا.
كما قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
وقال تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ.
بل هذه عادة سارية في الكفار، كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
فهؤلاء قد جحدوا البينات والمعجزات والبراهين، التي آمن على مثلها المؤمنون.
قال السعدي رحمه الله:
"أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم: هلا يكلمنا، كما كلم الرسل، أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ يعنون آيات الاقتراح، التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الكاسدة، التي تجرأوا بها على الخالق، واستكبروا على رسله كقولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الآية، وقالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ الآيات، وقوله: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا الآيات.
فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا قال تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فكل موقن، فقد عرف من آيات الله الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب"، انتهى من "تفسيره" (ص 64).
فليس أبلغ من هذا البرهان على أن العقل وحده لا ينقذ الإنسان، ولا يبلغ به الإيمان، إلا أن يزينه الله الرحمن الرحيم في قلبه ويعينه عليه.
وما العقل إلا أداة صالحة أودعها الله في قلب الإنسان، لكن مثلها مثل العين في الظلمة؛ فلا بد من نور الوحي لتبصر الحقائق، ولا بد من نور التوفيق والهداية ليمتثل صاحبها ويؤمن ويهتدي.
كما قال تعالى يمنُّ على محمدٍ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيد ولد آدم، وأتقاهم لله وأخشاهم له: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
وليس إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام إلا أحد الذين اختارهم الله واصطفاهم وهداهم واجتباهم، فقد بيَّن الله تعالى بيانًا لا لبس فيه أن إبراهيم عليه السلام لم يهتدِ بمحض عقله، ولا بمجرد التفكر والتدبر والنظر في آيات الكون وملكوت السماوات والأرض، بل تفكَّرَ وشكر نعمة الله – العقل - ، و: آتاه الله رشدَه، واجتباه ربُّه وهداه وألهمه.
كما قال تعالى في سورة النحل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
وفي سورة الأنبياء: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ.
وقال تعالى في سورة الأنعام بعد ذكر جمعٍ من الأنبياء وفيهم إبراهيم عليه السلام: وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
بل الآية الثمانون من سورة الأنعام – المسئول عنها - قد بيَّنَت، مع سياق الآيات كذلك: هذا الانتظام والتكامل بين (برهان العقل) و(هداية التوفيق والإرشاد) وإرادة الله الخير للعبد.
كما قال تعالى في الآية الخامسة والسبعين منها: وكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
فالله تعالى هو الذي (يُرِي) القلوب دلالة الآيات، وهو الذي يخلق يقين العباد، وإلا فإن جميع المشركين يملكون الأعين الباصرة، التي تشاهد أفول الشمس والقمر.
ثم في الآية الثمانين منها قال إبراهيم لقومه بعد أن جادلوه: أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ، فاعترف أن الله هو الذي هداه، بعد أن ذكر آيات البراهين العقلية.
فالمقصود: أن الله تعالى قد جمع لإبراهيم الخليل عليه السلام بين سلامة الفطرة المنكِرة للشرك، وبين تبيّنه للأدلة العقلية الدالة على الإيمان، وبين اجتبائه تعالى له وتوفيقه للعمل بمقتضى العقل، وإيتائه رشدَه وهدايته إلى صراط مستقيم.
ثانيًا:
البراهين والأدلة العقلية المجردة الدالة على وجوب اتصاف الله تعالى بالعلم الشامل المحيط لما كان وما يكون متعددة، كما أن الفطرة تشهد – كذلك - بوجوب كمال الخالق سبحانه وتعالى، وتنزهه عن كل نقص وعيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقا على عقيدة الأصبهانيِّ:
"وأما قوله: (والدليل على علمه إيجاده الأشياء؛ لاستحالة إيجاده الأشياء مع الجهل)؛ فهذا الدليل مشهور عند نُظَّار المسلمين أوَّليهم وآخِريهم، والقرآن قد دل عليه؛ كما في قوله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، والمتفلسفة أيضًا سلكوه.
وبيانه من وجوه:
أحدها: أن إيجاده الأشياء هو بإرادته - كما سيأتي - والإرادة تستلزم تصور المراد قطعًا، وتصور المراد هو العلم، فكان الإيجاد مستلزمًا للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم.
الثاني: أن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل بها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم.
وبهذين الطريقين يتقرر ما ذَكَرَه.
ولهم طرق أخرى، منها: أن من المخلوقات ما هو عالِم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؛ إذ كل كمال فيه فهو منه؛ فيجب أن يكون الخالق عالمًا"، انتهى المراد نقله من "شرح العقيدة الأصبهانية" (ص 359).
وهذا النصُّ يشرح ثلاثة أدلة مشهورة عند العقلاء من الأولين والآخرين، ضمن الأدلة العقلية المتعددة على إثبات صفة العلم لله تعالى، ومحصَّل الأدلة الثلاثة:
(1) إيجاد المخلوقات يستلزم صفة العلم:
فإنَّ من الممتنع عقلًا أن يوجِدَ الفاعلُ شيئًا ما وهو جاهلٌ به؛ لأن إيجادَ الأشياءِ وخلقَ المخلوقاتِ: إنما يقع بإرادةِ الخالق لها ومشيئته، والإرادةُ تستلزم - بالضرورة العقلية - تصورَ المرادِ، وهذا التصورُ للمرادِ هو (العلم) به.
وهذا الدليل العقليُّ مبنيٌّ على مقدِّمتين:
فالمقدمة الأولى: أن إيجادَ الأشياء لا يقع إلا بإرادة الفاعل لها أن يوجدها.
والمقدمة الثانية: أن الإرادةَ تستلزم بالضرورة العقلية: (تصورَ المراد)، والتصور هو العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"الدلائل الدالة على علم الله كثيرة، مثل أنه سبحانه خالقُ كلِّ شيءٍ بإرادته، والإرادةُ تستلزِم تصوَّرَ المرادِ، فلا بدَّ أن يَعلَم المخلوقاتِ قبل أن يخلقها"، انتهى من "الجواب الصحيح" (3/ 214).
وقد أرشد الكتاب العزيز إلى هذا الدليل العقلي، في قوله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ كما سبق.
(2) برهان الإحكام والإتقان:
وبيانه: أن ما نراه في أنفسنا وفي سائر المخلوقات من إحكامٍ وإتقانٍ ووضعٍ لكل شيءٍ في موضعه المناسب؛ يوجِب العلمَ الضروريَّ بأن فاعلها (عليم خبير، وحكيم عليم) سبحانه.
لأنَّ الفِعْل المحكَمَ المتقنَ مع وضع كلِّ شيءٍ في موضِعه ليتحقق نفعٌ مخصوص منه:
يمتنع عقلًا صدوره عن فاعلٍ غافلٍ، أو غيرِ عالمٍ بالحقائق وبالدقائق وبالتفاصيل والجزئيات والمآلات، فهذا الإتقان والإحكام للخلق؛ دليل آخر على شمول علم الله تعالى لكل شيء.
ولأجل هذين الدليلين العقليين: أمرَنا اللهُ تعالى بالتدبرِ في أنفسنا وفي سائر المخلوقات، وجعلَ ذلك طريقًا لإثبات التوحيد، وحجةً على المشركين، ولأجله أيضًا: جاءت آيات الكتاب العزيز تربط بين صفتي (الخلق) و(العلم).
كما في قوله تعالى حجةً على المشركين: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
قال السعدي في "تفسيره" (ص48) عند آية سورة البقرة:
"وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق، وإثبات علمه، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ لأن خلقَه للمخلوقات، أدلُّ دليلٍ على علمِه، وحكمتِه، وقدرتِه"، انتهى.
وقال رحمه الله أيضًا:
"ولمَّا ذكر عموم خلقه للأشياء؛ ذكرَ إحاطةَ علمِه بها فقال: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وفي ذِكْر (العلم) بعد (الخلق): إشارة إلى الدليل العقليِّ إلى ثبوت علمه، وهو: هذه المخلوقات، وما اشتملَتْ عليه من النظام التام، والخلق الباهر، فإن في ذلك دلالةً على سعة علم الخالق، وكمالِ حكمته، كما قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وكما قال تعالى: وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ، ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدَّر ما قدَّر"، انتهى من "تفسير السعدي" (ص 267).
وتدبر قول الله تبارك وتعالى:
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ، فانظر كيف كان الإقرار بإتقان الله تعالى لكل شيء مقدمةً توجب الإقرارَ بأنه تعالى خبير بأفعال العبيد، فإن "الخبير من أسماء الله عز وجل: العالِمُ بما كان وما يكون"، كما في "لسان العرب" (4/226).
(3) قياس الأولى (برهان الأكملية):
وهو مبني على مقدمتين:
فالمقدمة الأولى: أن العلم صفةُ كمالٍ، والجهل صفةُ نقصٍ.
والمقدمة الثانية: أن الخالق هو الذي جعل المخلوق (كالإنسان) عالمًا، ومن المحال أن يَجعل غيرَه عالمًا مَن ليس هو في نفسه بعالمٍ.
فالعقل يدرك أن كلَّ كمالٍ ثبت للمخلوق؛ فالخالق الذي منحه إياه أحقُّ به بطريق الأولى؛ فمن جعل غيره عالمًا؛ يمتنع أن يكون هو في نفسه جاهلًا، والرب أحقُّ بكلِّ كمالٍ لا نقص فيه.
كما شرح شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ الله تعالى هو: "خالق العالَمين من الملائكة والجن والإنس، وجاعلهم علماء، فيمتنع أن يجعل غيره عالمًا من ليس هو في نفسه بعالم، فإن العلم صفة كمال، ومن يعلم أكمل ممن لا يعلم، وكل كمال للمخلوق فهو من الخالق، فيمتنع أن يكون المخلوق أكملَ من الخالق"، انتهى من "الجواب الصحيح" (3/215).
"والله سبحانه وتعالى لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أَوْلَى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أَوْلَى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق، مع الموافقة في الاسم، فالخالق أَوْلَى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم"، انتهى من "التدمرية"، لشيخ لإسلام ابن تيمية (ص50).
هذا؛ ويضاف إلى البراهين الثلاثة:
(4) شهادة الفطرة المستقيمة:
فالنفوس مفطورة على أنَّ الربَّ الخالقَ المدبِّرَ؛ له الكمال المطلق، فالعلم بكمال الخالق وقيوميته وشمول علمه ووحدانيته: أمر فطري، والعقل مضطر إليه اضطرارا، وهذا في حق من سلمت فطرته من الفساد، وهو نظير العلم بأن المحدَث لا بدَّ له من محدِثٍ، وأن هذا المحدِث لا يكون معدومًا ولا ناقصًا ولا غافلًا، ونظير العلم بأنَّ الربَّ الخالقَ عليمٌ خبيرٌ، ويمتنع أن يكون ضد ذلك.
"وأما من جهة الشريعة: فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها؛ لا بتبديل الفطرة وتغييرها"، "مجموع الفتاوي" (6/575).
ثالثًا:
الآيات المذكورة في السؤال من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ.
إلى قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
إلى قوله تعالى بعد ذكر عدد من الأنبياء عليهم السلام: وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (* أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، الآيات.
وقد بيَّن الله تبارك وتعالى بهذه الآيات أنه تعالى آتى إبراهيم عليه السلام الحجة، وهو تعالى الذي اجتباه وهداه، كما سبق شرحه.
وفي هذه الآيات: بيان بعض الحجج العقلية التي آتاها اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السلام ليحاجَّ قومه، فيحجَّهم ويعلو عليهم، فقد احتجَّ إبراهيم عليه السلام بـ(قياس الأولى) لإثبات صفات الكمال للمعبود الحق، وهو الله رب العالمين، ولإثبات نقص الكواكب والأصنام التي هي صور الكواكب.
"كما في محاجة أبيه، "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا فدل على أن: السميعَ البصيرَ الغنيَّ أكملُ، وأن المعبودَ يجب أن يكون كذلك" "مجموع الفتاوي" لابن تيمية (6/82).
واحتجَّ عليه السلام بـ"الأفول" على نفي الإلهية، لأن الآفل يغيب علمُه المحيط بعباده، فلا وجه لعبادة من لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر، لأنه – حينئذ – لن ينفع ولن يضر.
قال شيخ الإسلام:
"والخليل بيَّن أن (الآفل) يغيب عن عابده، وتحجبه عنه الحواجب، فلا يرى عابده، ولا يسمع كلامه، ولا يعلم حاله، ولا ينفعه ولا يضره بسبب ولا غيره؛ فأيُّ وجهٍ لعبادة من يأفل؟!"، "مجموع الفتاوي" (10/260)، وينظر: "بغية المرتاد" (ص 374).
ولذلك قال إبراهيم عليه السلام بعد أن بيَّن لهم أفول الكواكب التي يعبدونها: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثم قال عليه السلام: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ.
فأخبرهم أن المستحق للعبادة، إنما هو رب العالمين الذي (خلق) السماوات والأرض، وذلك بأنَّ خالق كل شيء هو الذي يعلم كلَّ شيء، كما سبق شرحه.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟