يجوز الدعاء بأن يهلك الله مال الكافر المستعلن بالكفر الواضح بسبب ماله، المستعلي بماله على المؤمنين، وكذلك إذا استعمل المال في الصد عن سبيل الله بمحاربة دين الإسلام، بشرط أن يكون الحامل على ذلك هو الغيرة لله، ورجاء توبة الكافر، ومنع شره عن المؤمنين. مع وجوب الحذر من التألي على الله والقطع في مواطن الظن.
هل يجوز الدعاء بضياع أو تلف مال من أفسدَه ماله؟
السؤال 564410
هل يجوز الدعاء على ذهاب مال صديقك أو أخيك؛ بنيه أن يعود ويتوب لله تعالى، إذا كان ذلك المال أضلّه و أوصله لمرحلة الكفر بالله تعالى، كما في قصة صاحبي الجنة بسورة الكهف؟!
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
يجب التأني قبل الجزم بأن المال هو الذي أفسد وأوصل إلى الكفر بالله، نعم كثر التحذير من المال في الوحي، ولا شك أنه من أعظم الفتن التي تحجز الإنسان عن الإيمان، أو تصيبه بالطغيان والكفر، لكن لا يقدر أحد على الجزم بأن ذهاب المال من الكافر يصلحه ولا بد، بل قد يزيده الفقر طغيانا وكفرا، كما لا يقدر أحدٌ على الجزم بأن كثرة المال في يد المؤمن تفسد عليه دينه.
والناس "معادن"، تختلف استجابتهم للقدر، فذهاب المال من الكافر قد يصلحه، إذا كان الفقر يكسر كبره، فيصير سببا في "فيئته" إلى الله، لكنه ليس حتما؛ فربما زاده الفقر كفرا وتسخطا واعتراضا على القدر، كما ذم الله أقواما من المنافقين وضعفة الإيمان، إن أصابتهم فتنة نقص المال: ارتدوا على أدبارهم!
قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
وقد فسره الحسن البصري بـ "المنافق"، ذكره عنه الواحدي في "تفسيره" (15/ 287) ثم قال: "ويكون معنى عَلَى حَرْفٍ في هذا القول: على شك"، انتهى.
وأسند الإمام الطبري في "التفسير" (16/ 475) عن ابن زيد في تفسير الآية، قال:
"هذا المنافق، إن صلحت له دنياه؛ أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب، ولا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه. وإذا أصابته شدة أو فتنة أو اختبار أو ضيق؛ ترك دينه، ورجع إلى الكفر"، انتهى.
قال السعدي في تفسيره (ص 534): " ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفا، وإما عادة، على وجه لا يثبت عند المحن ... فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه"، انتهى مختصرا.
فالمراد:
أن حصول المال للمؤمن ليس مفسدا بذاته؛ فقد كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف من أولي الأموال العظيمة، ومع ذلك زادهم المال إيمانا وجلدا في نصرة الدين، وإنما المفسد هو الحرص على المال وابتغاء الشرف والعلو به؛ فإذا ملك المالُ قلبَ المؤمن أفسده، وإذا كان المال في يده استعمله في طاعة الله وصار نعمة مطلقة في حقه.
والله وحده هو العالم بما في القلوب، فلا يجوز للمسلم أن يجزم بأن فلانا الكافر سيسلم إذا افتقر، أو أن فلانا المؤمن سيكفر إذا اغتنى؛ لأن هذا من "رجم الغيب"، ومن التألي على الله المتفرد بتقليب القلوب سبحانه.
ونحن على يقين أن الله قد يصلح الكافرين بزيادة المال، فلذا أمر المسلمين بدفع بعض أموالهم لأقوام من الكافرين هم (المؤلفة قلوبهم)، فيكون المال سببا في إسلامهم.
وراجع للفائدة عن المؤلفة قلوبهم الجوابين: (39655)، و(363926).
فلا يجوز الجزم بأن ذهاب المال يصلح من كفر حتمًا، ولا بأن حصوله يفسد المؤمن حتمًا.
نعم؛ نقول إنَّ المال للمؤمن التقي نعمة مطلقة، وللكافر استدراج ونعمة مقيدة، وفواته عن الكافر رحمة محتملة، وعن المؤمن تمحيص ورفعة؛ لكن كل ذلك (غالبا) لا دائما، وكل ذلك موقوف على خاتمة العمل، التي لا يعلمها إلا الله.
ثانيًا:
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الكهف، في قصة صاحب الجنتين:
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، الآيات.
وهذا كفرٌ محقَّق لا شك فيه، وتكبُّر واستعلاء لا يختلف فيه، وكان ذلك بسبب المال، كما يدل عليه سياق قصته.
فدلالة الآيات صريحة، على أن صاحب الجنة غرَّه الثَّمرُ والمالُ فتكبَّر، حتى دخل جنته وهو ظالم لنفسه، وبلغ به الكفر: أن شكَّ في قدرة الله على تغيير حاله إلى الفقر بعد كل هذا الغنى، فظنَّ أنه قادر بنفسه على الدنيا، واطمأنَّ بها، ثم أنكر البعث والجزاء!
وعلى تقدير أن يبعثه الله، قال: سيؤتيه الله خيرا من هاتين الجنتين، إما استهزاءً بالبعث، وإما شدة جهل وغفلة، حتى يظن أن عطاء الدنيا يزم منه عطاء الآخرة!
وظاهر سياق الآيات: مشروعية الدعاء على من أظهر مثل هذا الكفر الصريح والطغيان القبيح، إذا حصل اليقين أن المال سبب في كفره وطغيانه، فيدعَى عليه: بأن يهلك الله ماله الذي هو سبب طغيانه، رجاء أن ينيب ويعود إلى رشده.
فإن دعاء الرجل المؤمن على جنتَيْ صاحبه الكافر بأن يرسل الله عليها (حسبانًا)؛ لم يكن لمحض التشفي، أو الحسد، بل كان غضبًا لله، ومحاولةً لكسر حجاب الكبر الذي ضربه المالُ على قلب صاحبه، طمعًا في رده إلى رشده.
قال السعدي رحمه الله:
"إنما دعا على جنته المؤمنُ، غضبا لربه، لكونها غرته وأطغته، واطمأن إليها، لعله ينيب، ويراجع رشده، ويبصر في أمره؛ فاستجاب الله دعاءه ..".
ثم قال الشيخ رحمه الله:
"ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة، التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا. وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول"، انتهى من "تفسيره" (ص 477).
وهذا نظير دعاء موسى عليه السلام، حيث سأل اللهَ إهلاكَ أموالِ فرعونَ وملئه، بأن يطمس عليها، لأنها كانت وسيلة للإضلال عن سبيل الله، مما يؤكد جواز هذا النوع من الدعاء عند تحقق كونه علة الطغيان وسببه، وأداة من أدوات محاربة الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشرعه.
قال الله تعالى في سورة يونس:
{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89).
قال ابن عطية رحمه الله، كما في "تفسيره" (3/ 139):
"غضبٌ من موسى على القبط، ودعاءٌ عليهم، فقدَّم للدعاء تقرير نعم الله عليهم، وكفرهم بها". انتهى.
وقد تبيَّن من الآيات: أن فرعون وملأه لم يقفوا عند حد كفرهم بنعم الله من الأموال، وزينة الحياة الدنيا؛ بل استعلموا نعمة الله في الصد عن سبيله؛ فكان الدعاء بطمس الأموال: نوعًا من استصلاح الأرض بعد إفسادها، ومن تغيير المنكر باللسان. والله أعلم.
فيتبين بذلك إن شاء الله:
أن مثل هذا الدعاء إنما يشرع عند اليقين من استعمال صاحب المال مالَه في الصد عن سبيل الله، أو اليقين أنه سبب كفره وعناده، وتكبره وطغيانه، واستعلائه على المؤمنين.
والمال الذي يقطع العبد عن ربه، هو عذاب عليه، في الحقيقة، وفساد له، وزواله قد يكون مفتاح نجاته في الدنيا والآخرة.
قال الشيخ السعدي في تفسير آيات سورة الكهف:
"وفيه الدعاء بتلف مالِ [مَنْ] كان مالُه سببَ طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إن فضَّل نفسه بسببه على المؤمنين، وفخر عليهم"، "تفسير السعدي" (ص 477).
أما إن لم يحصل اليقين بشيء من ذلك، ولم يظهر من الكافر ولا العاصي استكبار، ولا صد عن سبيل الله بسبب ماله؛ فلعل الأنسب أن يعلّق الدعاء، فيقال: اللهم إن كنت تعلم أن ذهاب مال فلان يصلحه؛ فأذهب ماله، وأصلحه. أو نحو ذلك.
وأما "صاحبك" و"أخوك": فإن لم يتبين منه "كفر بواح"، ظهر برهانه للعيان، فليس للمرء أن يتشفى منه، وإن أخطأ، أو عصى، أو ضل: بالدعاء عليه بذهاب مال أو ولد؛ فإن ذلك من الاعتداء في الدعاء، ومن القطيعة المحرمة في دين الله.
وقد قال النبي صلى الله عيله وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ، أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ، مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ). رواه البخاري (13) ومسلم (45).
فاجتهد في نصيحة أخيك وصاحبك، والدعاء له بالهداية، وأن يقلب رب العباد قلبه من الغواية، إلى الهداية والرشاد، وصلاح الحال.
والحاصل:
أنه يجوز الدعاء بطمس أو إهلاك مال الكافر إذا ظهر منه الطغيان بماله واستعماله في الصد عن سبيل الله والكبر والتعالي على المؤمنين، بشرط أن يكون الحامل على ذلك هو الغيرة لله، ورجاء إنابة العاصي بزوال ما أطغاه. وينبغي الحذر من التألي على الله والقطع في مواطن الظن، والبغي على المؤمنين، وإن كانوا عصاة.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟