هل ذكرُ فعلِ الكفر على سبيل المبالغة يُعَدُّ كفرًا؟

السؤال 563851

امرأة قالت لزوجها ـ وهي غاضبة ـ : لا تلمسوا أشيائي، ولو أحضرت بوذا أعبده في البيت لا تلمسوه، فهل تكفر بذلك؟ وهل عليها شيء؟

ملخص الجواب

هذه الكلمة زلة منكرة، وهفوة عظيمة، يجب التوبة منها والعزم على عدم العودة إلى مثلها، إلا أنها ليست مما يخرج الإنسان من الإسلام.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقول المرأة: (إن أحضرتُ تمثال بوذا لأعبدَه فلا تلمسوه)؛ منكَر من القول وزور، فيجب عليها أن تتوب مما اقترفته، وتستغفر الله، وأن تعزم على ألا تعود إلى مثل ذلك أبدًا.

ومن المعلوم أن مثل هذه الكلمات التي تقال وقت الغضب، لا يقصد بها إيقاعها، ولا غرض لقائلها في أن يفعل ما يقوله، فهي لا تريد أن تُحضِر تمثال بوذا إلى البيت، بل ذكْرُها لذلك دالٌّ على بغض التمثال، وبغض عبادة غير الله، وإنما معنى كلامها هذا: المبالغة في الحض على عدم لمس أشيائها، ولو كانت بغيضةً مكروهةً يحرم اقتناؤها، كالتمثال الذي تبغضه وتعلم أنه يحرم اقتناؤه ويكفر من عبدَه، لا أنَّ ذلك ممكن أن يقع بالفعل.

فهي لا تريد أن تعلق الكفرَ بالله على حصول شيء.

والمقصود:

أن قول الإنسان غاضبا: (إذا رأيتني قد كفرتُ بالله غدا؛ فلا يجوز أن تفعل ما نهيتك عنه أيضًا): ليس من كلمات الكفر في نفسه، ولا يتضمن العزم على الكفر غدا، ولا قطع اليقين بالإسلام، وإنما يراد به تشديد الزجر من فعلٍ ما، أو تشديد الحضِّ على فعل ما.

وأهل العلم لا يعتبرون بمثل هذا في ترتب أحكام التكفير، بل لا يعتبرون بما هو أشدَّ وأولى منه، إذا تبيَّن أن القائل يبغض الكفر، وإنما تكلم للزجر أو ليمنع نفسه أو غيره من فعلٍ ما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"الناس يعلمون أَنَّ المعلِّق إذا قال: إِنْ سافرتُ معكم، إِنْ كلمتُ فلانًا، إِنْ زَوَّجْتُه ابنتي = فكل نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، ومالي صدقة، وعليَّ ثلاثون حجة، وصيام عشرة أعوام، وأنا يهودي ونصراني وبريءٌ من الإسلام، وقطع الله يدي ورجلي، ولا أماتني على الإسلام ولا خَتَم لي بخير، وذبح أولادي على صدري، وقد يقول: إِنْ غلبتني ركبتني، وإِنْ غلبتني أكون مخنثًا، أو أكون ولد زنا إِنْ لم أفعل كذا، أو لست ابن فلان إن لم أفعل كذا ونحو ذلك، وأمثال ذلك مما يُعلِّقه على الفعل الذي منع منه نفسه وعَلَّقَ به هذا الجزاء = يَقصد به اليمين.

فإنه يعلم من نفسه، والناس يعلمون منه: أنَّه لا يريد قط أن يهلكه الله، ولا أَنْ يميته على غير الإسلام، ولا أن يختم له بالشر، ولا أن يقطع يديه ورجليه ويذبح أولاده على صدره، ولا أن يخرج عن ماله، ولا يبقى له مملوك ولا امرأة، ولا أَنْ يبقى في ذمته ثلاثون حجة وصيام ثلاثة أعوام وأمثال ذلك مما يُعلِّقه بالفعل.

فالناس كلهم يعلمون علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية: أَنَّ المعلِّق هذا التعليق لا يريد أَنْ يحصل له هذا الشر العظيم والضرر الزائد على الحد، الذي لا يقصده قط أَحدٌ لنفسه، سواء وُجِد الشرط أو لم يوجد"، انتهى من "الرد على السبكي" (1/ 455).

وروى ابن المنذر في "الأوسط" (12/ 129) والبيهقي في "الكبرى" (10/ 113) قصة أبي رافعٍ، وكان عبدًا عند ليلى بنت العجماء، فأرادت منه أن يطلِّقَ زوجته، فذكرت أمورا للتوكيد عليه أن يطلق، والتشديد والزجر له أن يمتنع عن طلاقها، حتى قالت ضمن ما قالت:

"هي يهودية [تعني: أنها سوف تصير يهوديَّة!]، وهي نصرانية، وكلُّ مملوك محرَّر، وكلُّ مالٍ لها هَدْي إن لم يطلق امرأتَه" أي: إن لَم تفرِّقْ بينهما.

فأفتاها سبعة من الصحابة: أن كلمِتَها هذه تجري مجرى اليمين، وأمروها أن تكفِّرَ عن يمينها، وأن تخلِّيَ بين الرجل وامرأته.

وعدَّ شيخ الإسلام ابن تيمية الصحابة السبعة الذين أفتوها بذلك، وهم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم، كما في "مجموع الفتاوي" (33/ 139).

هذا مع أنه بيَّن رحمه الله أن هذا اليمين منها إنما: "هي يمينٌ واحدةٌ عَلَّقَتْ فيها الهديَ والعتقَ والكُفرَ"، كما في الرد على السبكي" (1/ 196).

نقول: فلم يعتبر الصحابة بقولها: إنها ستصير يهودية ونصرانية إن لم يطلِّق زوجته، فلم تَكفُر بذلك.

وقال ابن تيمية أيضًا في شرح أن هذا النوع يعدُّ حلفا:

"... وفي النوع الآخر؛ مقصوده: أن يمنع نفسه أو غيره من فعلٍ أو يحضَّه عليه، وحلفَ بالوجوب، لامتناعه من وجوب هذا عليه، وكراهة ذلك وبغضه إياه، كما يمتنع من الكفر ويبغضه ويكرهه فيقول: إن فعلتُ فهو يهودي أو نصراني. وليس مقصوده أنه يكفر؛ بل لفرط بغضه للكفر به حلف أنه لا يفعل ..." إلى آخر ما شرح رحمه الله في "مجموع الفتاوي" (35/ 333).

فالذي نقوله:

إن حال المرأة في السؤال كذلك، فليس مقصودها أن تحضر التمثال، ولا أن تعبده، ولا أن تفعل الكفر، بل لفرط بغضها للكفر: ذكرَتْ شأن التمثال، لحضِّ غيرها على عدم لمس أشيائها.

والفرق بيِّنٌ ظاهرٌ بيْنَ: من عزم على الكفر، أو تردد في الإسلام، أو قطَع اليقين بالإسلام، بأن يقول: غدا سيكفر بالله، أو: تكلَّم بكلمة الكفر مختارا جادا، أو هازلا أو لاعبًا، غير مكرَه.
فكل هؤلاء ممن شرح بالكفر صدرا.

وبين: مَن أبغض الكفر، وإنما: ذكَر الكفر الذي يبغضه ويؤمن ببطلانه، ليمنع نفسه أو غيره من فعلٍ معين، لا ليفعله اليوم، ولا غدا، ولا في أوقت، فقال عن نفسه: حتى إن كفرَ، فلا تفعلوا كذا.

والحاصل مما سبق:

أن الكلمة المسئول عنها، ليست مما يُخرج قائلها من الإسلام، إن شاء الله؛ إلا أنها منكر من القول، عظيم؛ فتجب التوبة منها والاستغفار، والعزم على عدم العودة إليها أبدا.

ولا بد أن يحفظ المسلم لسانه، فلا يحوم حول هذه المعاني المنكرة، فإنه لا يأمن أن يتلبس بعظيم، وليحرص على تجنب ذكر شعائر الله بسوء أو لعبٍ، في جميع أحواله، وآكد ذلك عند الغضب، فهو وقت يتلعَّب الشيطان فيه بالعباد، إلا من ألزم نفسه كلمة التقوى.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android