الأصل أن يرجع الإمام إلى الجلوس بلا تكبير، فإن خشي التباس الأمر على من سجد معه فلا يظهر حرج في أن يكبر تنبيهًا للمأمومين.
إذا زاد الإمام سجودا ثالثا ساهيا، فهل يكبر للعودة؟
السؤال 563677
كنا نصلي الصبح في المسجد حتى بلغنا التشهد قبل السلام، لكن الإمام سها وكبر فسجد سجدة ثالثة فانقسم المأمومين إلى قسمان: قسم بقي جالسا للتشهد وقسم سجد مع الإمام وهنا وقعت بعدها المشكلة التي يُطرح السؤال من أجلها: قام الإمام من سجوده فعاد للتشهد دون أن يكبر ثم سلم و سجد للسهو (بعض المأمومين بقي ساجدا حتى سلم الإمام و لم يعلموا أنه يتشهد و منهم من جلس بعد سجوده للتشهد عندما أحس بطول السجود).
فما كان ينبغي على المأمومين فعله في مثل هذه المسألة؟ (علما أننا أعدنا الصلاة) ما هو القول الراجح لأهل العلم؟ وما هو قول المذهب المالكي؟ بارك الله لنا ولكم.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
إذا سجد الإمام سجدة ثالثة سهوًا، ثم تذكر أو نبَّهه المأمومون، وجب عليه أن يقطع هذه الزيادة ويرجع إلى الجلوس؛ لأن السجدة الثالثة ليست من الصلاة.
فإن كان قد أتم التشهد قبل السجدة الزائدة، لم يلزمه أن يعيده، وإن كان لم يتشهد: تشهد، أو بقي عليه شيء منه: أتمه، ثم سلم وسجد للسهو بعد السلام. وصلاته صحيحة، كما سبق بيانه في جوابي السؤالين رقم: (530366)، ورقم: (411465).
ومذهب المالكية كذلك أن السهو إذا كان سببه الزيادة المحضة، كان سجوده بعد السلام.
قال الشيخ عليش رحمه الله في "منح الجليل":
وإلا، أي: وإن لم يكن السهو بنقص فقط، أو مع زيادة، بأن كان بزيادة فقط، فيسجد السجدتين بعده، أي: السلام. انتهى، من "منح الجليل" (1/294).
ثانيًا:
الأصل أن يرجع الإمام من السجدة الزائدة إلى الجلوس من غير تكبير؛ لأن الرجوع عن الزيادة إلغاء لها، وليس انتقالًا أصليًّا من انتقالات الصلاة.
وقد سبق تقرير هذا الأصل في جواب السؤال رقم: (295126)، وذكرنا هناك: أن من قام إلى ركعة زائدة يجب عليه أن يجلس في الحال بغير تكبير.
وقد نص المالكية على هذا الأصل في نظير للمسألة المذكورة.لة قال القرافي رحمه الله في "الذخيرة"، فيمن قام في غير موضع قيامه، ثم رجع: ويرجع من القيام قبل سلام الإمام بغير تكبير، كالرجوع من الخامسة. انتهى من "الذخيرة" (2/301).
وعليه؛ فقد أصاب الإمام حين رفع من السجدة الثالثة، ورجع إلى الجلوس من غير تكبير.
لكن إذا علم الإمام، أو غلب على ظنه، أن بعض المأمومين قد سجدوا معه السجدة الزائدة، وأن رفعه من غير تكبير سيوقعهم في الالتباس، أو يبقيهم ساجدين لا يعلمون برجوعه، فلا يظهر حرج في أن يكبر عند رفعه بقصد تنبيههم وإعلامهم، لا على أن هذا التكبير مشروع للرجوع من السجدة الزائدة.
ويدل على ذلك أن التنبيه في الصلاة مشروع بالذكر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه. والتكبير ذِكر من أذكار الصلاة، فإذا قُصد به الإعلام عند الحاجة، كان في معنى التسبيح المأذون فيه.
ويتأكد هذا في مذهب المالكية؛ فإنهم أجازوا ما هو أبلغ من التكبير، وهو الكلام اليسير إذا احتيج إليه لإصلاح الصلاة ولم يحصل الإفهام بالتسبيح.
قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله: وإذا لم ينتبه إمامه إلا بالكلام، فتكلم: لم تبطل صلاته... ولأن الحاجة داعية إليه لمصلحة الصلاة، فأشبه قوله: سبحان الله. انتهى من "المعونة على مذهب عالم المدينة" (1/240).
فإذا كان الكلام اليسير قد أُلحق بالتسبيح للحاجة إلى إصلاح الصلاة، فالتكبير أولى بذلك؛ لأنه ذكر مشروع من جنس أذكار الصلاة.
وقد سبق للموقع في جواب السؤال رقم: (273166) نقل هذا القول، وبيان أنه المشهور في المذهب المالكي ورواية عن الإمام أحمد، وإن كان الموقع يميل إلى قول الجمهور بالمنع، احتياطًا وتمسكًا بعموم النصوص في منع كلام الآدميين في الصلاة.
فالأولى الاقتصار على الذكر؛ لأنه موضع اتفاق، وخروجًا من الخلاف.
والمقصود هنا الاستشهاد بأصل المذهب المالكي في اعتبار الحاجة إلى إصلاح الصلاة، ولو بالكلام.
ومما يؤيد مشروعية التكبير عند الحاجة إلى دفع الالتباس: أن فقهاء المالكية اعتبروا هذا المعنى نفسه في مسألة تكبير المسبوق.
فقد ذكر الحطاب رحمه الله أن المسبوق إذا جلس في غير ثانيته فإنه يقوم بلا تكبير على المشهور، ثم قال: «وقال عبد الملك: يكبر على كل حال، قال الشيخ زروق: قال شيخنا أبو عبد الله القوري: وأنا أفتي به القوم؛ لئلا يلتبس عليهم الأمر، ويتشوشون». انتهى من "مواهب الجليل" (2/130).
فهذا وإن كان في مسألة أخرى، فإنه شاهد واضح على أن دفع الالتباس والتشويش على المصلين قد يراعى في التكبير، حتى في موضع كان المشهور فيه عدم التكبير.
وبناء على ذلك يقال:
الأصل أن يرجع الإمام من السجدة الزائدة بلا تكبير.
لكن: إن خشي أن يلتبس الأمر على من سجد معه، فلا يظهر حرج في أن يكبر عند رفعه بقصد تنبيههم؛ لما في ذلك من إصلاح صلاة الجماعة ودفع التشويش، ولا يكون هذا التكبير سنة عامة في لرجوع من الزيادة، وإنما يرخص فيه في هذه الحال، ومثلها: لأجل الحاجة، واستصلاح صلاة المأمومين.
ثالثًا: ما الذي يجب على المأموم إذا علم أن الإمام زاد سجدة ثالثة؟
إذا تيقن المأموم أن الإمام سجد سجدة ثالثة زائدة، لم يجز له أن يتابعه فيها، بل يبقى جالسًا وينبه الإمام بالتسبيح.
فالمأمومون الذين بقوا جلوسًا، ولم يتابعوا الإمام في السجدة الثالثة، فعلوا الصواب.
وهذا هو الذي يقرره الموقع، كما في جوابي السؤالين رقم: (530366)، ورقم: (411465).
وهو منصوص عليه في عين المسألة عند المالكية، قال الأخضري رحمه الله:
وإذا زاد الإمام سجدة ثالثة: فسبِّح به، ولا تسجد معه. انتهى من "متن الأخضري" (ص11).
رابعًا: حكم من سجد مع الإمام السجدة الثالثة
من سجد مع الإمام وهو لا يعلم أنها سجدة ثالثة، أو سجد معه ناسيًا، أو جاهلًا بالحكم، يظن أن متابعة الإمام لازمة له في هذه الحال= فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يتعمد زيادة ركن في الصلاة مع علمه بأنه زائد.
وأما من تيقن أنها سجدة ثالثة زائدة، وعلم أنه لا يجوز له متابعة الإمام فيها، ثم تعمد السجود معه، فصلاته تبطل بتعمد زيادة الركن.
وهذا الذي يقرره الموقع كما في جواب السؤال رقم: (530366)، وينظر أيضًا جواب السؤال رقم: (87853).
وكذلك عند المالكية؛ فقد ذكر القرافي رحمه الله في نظير ذلك من متابعة الإمام في فعل تبين خطؤه: وتبطل صلاة العامدين. انتهى من "الذخيرة" (2/303).
خامسًا: حكم من بقي ساجدًا؛ لأنه لم يعلم أن الإمام قد رفع
أما من سجد مع الإمام السجدة الثالثة، ثم بقي ساجدًا؛ لأنه لم يسمع تكبيرًا، ولم يعلم أن الإمام قد رفع ورجع إلى الجلوس، حتى سلم الإمام، فلا تبطل صلاته بمجرد ذلك؛ لأنه لم يزد عملًا في صلاته يبطلها، غاية ما هنالك أنه تأخر عن الرفع مع الإمام، لعدم علمه برجوعه.
فإذا علم أن الإمام قد رفع، رفع من سجوده، وجلس للتشهد.
وأصل وجوب الرجوع عن الزيادة فور العلم بها قد سبق بيانه في جواب السؤال رقم: (295126).
وأما من سجد مع الإمام السجدة الثالثة، ثم أحس بطول السجود، فرفع وجلس للتشهد قبل أن يعلم على وجه اليقين ما فعله الإمام، فلا حرج عليه، وصلاته صحيحة؛ لأن السجدة الثالثة زائدة أصلًا، ورجوعه منها إلى الجلوس رجوع إلى الموضع الصحيح من الصلاة.
وهذه الصورة تختلف عن صورة من بقي ساجدًا حتى سلم الإمام؛ فالأول تنبه إلى الخلل بسبب طول السجود فرجع إلى الجلوس، والآخر استمر ساجدًا لعدم علمه برجوع الإمام؛ وكلاهما معذور بما وقع منه، ما دام لم يتعمد مخالفة الإمام، أو زيادة ركن مع العلم بزيادته.
سادسًا: هل كانت إعادة الصلاة لازمة؟
بناء على ما سبق، لم تكن إعادة الصلاة لازمة لجميع المصلين:
فمن بقي جالسًا ولم يتابع الإمام في السجدة الزائدة، فصلاته صحيحة.
ومن سجد معه جاهلًا بأنها زائدة، أو ناسيًا، أو جاهلًا بالحكم، فصلاته صحيحة.
ومن بقي ساجدًا لعدم علمه برجوع الإمام، ثم أتم صلاته، فصلاته صحيحة.
ومن سجد معه، ثم أحس بطول السجود فرفع وجلس للتشهد، فصلاته صحيحة كذلك؛ لأنه رجع إلى الموضع الصحيح من الصلاة حين تنبه إلى الخلل.
وإنما تبطل صلاة من تيقن أن السجدة زائدة، وعلم أنه لا يجوز له متابعة الإمام فيها، ثم تعمد السجود معه؛ وهذه الصورة يبعد، أو يندر حصولها من المأموم.
فإعادة الصلاة التي فعلتموها لم تكن لازمة؛ إلا لنادر من الناس، ليس هو من المذكورين في السؤال.
وقد سبق بيان هذه الأحكام في أجوبة الأسئلة رقم: (530366)، و(411465)، و(87853).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟