ما حكم الصلاة في أرض اشتريت بمال حرام؟

السؤال 562927

هل الصلاة في أرض مشتراة بمال حرام أو بيت مستأجر بمال حرام صحيحة مع الإثم كالصلاة في الأرض المغصوبة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

الأرض المشتراة أو المستأجرة بمال حرام، لها صورتان:

الصورة الأولى: أن يكون الثمن المعيَّن، أو الأجرة المعينة حراما، كأن يكون لديه مال حرام، فيشتري الأرض بعين هذا المال. فهذا ما يسميه الفقهاء: "ثمنه المعين حرام" وهذا المشترَى له حكم المغصوب.

قال البهوتي رحمه الله في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 152): " (ومن صلى في غصب)، أي مغصوب، عينا أو منفعة، ومثله مسروق ونحوه، وما ثمنه المعين حرام ... في محل العورة أو غيرها، (ثوبا) كان المغصوب كله أو بعضه، (أو بقعة) ... (أو حج بغصب) أي بمال مغصوب، أو على حيوان مغصوب، (عالما) بأن ما صلى فيه أو حج به محرم، (ذاكرا) له وقت العبادة= (لم يصح) ما فعله؛ لحديث عائشة مرفوعا: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. أخرجوه. ولأحمد: من صنع أمرا، على غير أمرنا: فهو مردود.

ولأن الصلاة والحج قربة وطاعة، وقيامه وقعوده وسيره بمحرم: منهي عنه، فلا يكون متقربا بما هو عاص به، ولا مأمورا بما هو منهي عنه.

فإن كان جاهلا أو ناسيا للغصب ونحوه صح. ذكره المجد إجماعا" انتهى.

الصورة الثانية: أن يشتري الأرض بالدين، أي بثمن في ذمته، ثم يسدد الدين بمال حرام، فهنا يصح شراء الأرض، أو استئجارها، ولا تأخذ حكم الغصب، ويبطل الثمن، ويبقى دينا في ذمته.

قال في "كشاف القناع" (4/ 133): "(وإن اشترى) الغاصب أو غيره (في ذمته، ثم نقدها) أي عين المال المغصوب أو ثمنها ... (فالعقد) أي الشراء (صحيح)؛ لأنه تصرف في ذمته، وهي قابلة له، (والإقباض فاسد، أي غيرُ مُبرئ)، لعدم إذن المالك فيه" انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في بيان الفرق بين الصورتين: "ومثال المحرم، لكون ثمنه المعين حراما: لو اشترى بدراهم سرقها ثوبا، ففيه تفصيل: إن وقع العقد على عين الدراهم، لم تصح الصلاة فيه، وإن وقع العقد على غير عين الدراهم، أي: في ذمة المشتري، فالصلاة فيه صحيحة.

وهذا من دقة الفقهاء رحمهم الله، فإذا جئت لصاحب الثوب، وقلت: بع علي هذا الثوب بهذه الدراهم ـ يعني المسروقة ـ فباعه، فإنه لا تصح الصلاة فيه؛ لأن العقد فاسد؛ لوقوعه على عين النقود المحرمة المسروقة، لكن لو قلتَ: بع علي هذا الثوب بعشرة، وباعه عليك، وأوفيتَ الثمن من دراهم مسروقة، فالعقد صحيح مع أن ثمنه محرم؛ لكنها لم تعين الدراهم في العقد، لأن الثمن ثبت في الذمة، وأوفاه المشتري من الدراهم المسروقة." انتهى من "الشرح الممتع" (2/ 173).

ثالثا:

الصلاة في الأرض المغصوبة، أو الثوب المغصوب: محرمة بالاتفاق، لكن تصح مع الإثم عند الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية.

وذهب الحنابلة إلى بطلانها.

جاء في "الموسوعة الفقهية" (30/ 189): " ذهب الفقهاء إلى أن الصلاة في الأرض المغصوبة حرام؛ لأن اللُّبْث فيها يحرم في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى.

واختلف العلماء في صحة الصلاة في المكان المغصوب على رأيين:

فقال الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية): الصلاة صحيحة؛ لأن النهي لا يعود إلى ماهية الصلاة، فلم يمنع صحتها، كما لو صلى وهو يرى غريقا يمكنه إنقاذه فلم ينقذه، أو حريقا يقدر على إطفائه فلم يطفئه، أو مطل غريمه الذي يمكن إيفاؤه، وصلى، ويسقط بها الفرض، مع الإثم، ويحصل بها الثواب، فيكون مثابا على فعله، عاصيا بمقامه، وإثمه للمكث في مكان مغصوب.

ويصف علماء الأصول، من الجمهور، هذه الصلاة بأنها فعل له جهتان: كونه صلاة، وكونه غصبا، لكن الجهتين غيرُ متلازمتين؛ لأنهما وإن اجتمعتا في هذه الصورة، فإن انفرادهما ممكن، ومتصور، فالغصب ينفرد عن الصلاة بأن يشغل المكان بأي عمل آخر، والصلاة تنفرد عن الغصب، بأن تؤدى في مكان آخر، وبناء عليه يكون اجتماع الإيجاب والتحريم في هذا الفعل جائزا، فهذه الصلاة واجبة من حيث إنها صلاة، وحرام من حيث إنها غصب شامل لملك الغير، ولا تنافي، لعدم الاتحاد بين متعلَّق الإيجاب، الذي هو الصلاة، ومتعلَّق التحريم، الذي هو الغصب.

وعليه؛ فإن هذه الصلاة صحيحة ويثاب عليها، باعتبار. وحرام ويعاقب عليها، باعتبار آخر.

وذهب الحنابلة على الراجح عندهم: إلى أنه لا تصح الصلاة في الموضع المغصوب، ولو كان جزءا مشاعا؛ لأنها عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض وصومها، والنهي يقتضي تحريمَ الفعل واجتنابه، والتأثيم بفعله، فكيف يكون مطيعا بما هو عاص به، ممتثلا بما هو محرم عليه، متقربا بما يبعد به؟ فإن حركاته وسكناته من القيام والركوع والسجود أفعال اختيارية، وهو عاص بها، منهي عنها.

ويختلف الأمر عن إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق؛ لأن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها... ويرى أصوليو الحنابلة، والجبائي وابنه، وأكثر المتكلمين: أن الجهتين في هذا الفعل (الصلاة في الأرض المغصوبة) متلازمتان؛ لأن الحاصل من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية، بها يتحقق الغصب، فتكون حراما، وهذه الأفعال بعينها جزء من حقيقة الصلاة؛ إذ هي عبادة ذات أقوال وأفعال، والصلاة التي جزؤها حرام لا تكون واجبة، ومقتضاه أن هذه الصلاة لا تكون صحيحة، ولا يسقط بها الطلب" انتهى.

والحاصل:

أن الأرض المشتراة بعين المال الحرام، لها حكم الأرض المغصوبة، وكذا لو استأجر أرضا بعين الحرام.

والله أعلم.

المراجع

شروط الصلاة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android