أولا:
الذي يخلِّص من الوسواس إن شاء الله، هو الاجتهاد في معرفة ما بيَّنه الله تعالى، وما بيَّنه رسوله صلى الله عليه وسلم، للتخلص من وساوس الشيطان، ثم اتباع ذلك.
وقد خشينا أيها السائل الكريم أن يكون سؤالك حيلة من حيل الشيطان، يريد أن يخدعك بها ويصدك عن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم والعمل النافعين في التخلص من الوسوسة بإذن الله.
فإن الصواب دائما هو طلب الجواب، أو العلاج، بمعرفة ما شرعه الله في كل موضع، ثم الاجتهاد في التسليم له، واتباعه، والتحقق به، وليس أن يظن الإنسان، أو يفترض: أن جوابًا مخصوصًا، لسؤال مخصوص، هو النافع له دون غيره.
وكذلك لا ينبغي أن يقطع الإنسان أنه مصاب بالوسواس إصابة مرضية، إلا بناء على قول متخصص، فقد يكون الأمر أهون من ذلك، كأن يكون عنده بعض الشك أو نحوه مما يزول بالتعلم أو ببعض التدابير، ويراجع للفائدة جواب السؤالين: (39684)، و(319142).
وأما الشيطان، فإن غايته التي يسعى إليها في كل وقت هي: أن يفسد في الأرض، وأن يحرِف الناسَ عن فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، فيصدهم عن طاعته تعالى وعبادته، ويستزلهم فيوقعهم في معصيته عز وجل والإشراك به.
فالشيطان؛ يعمل العمل الدؤوب، وفي كل وقتٍ، لكي يصل إلى هذه الغاية، فقد وظَّف نفسه لذلك، وجعل الإفساد هو رسالته، فهو الآمر بالفحشاء، الصاد عن سبيل الله، المحزن المؤمنين، الذي يلبس عليهم دينهم بالوساوس والشكوك في الإيمان وفي أعمالهم الصالحة.
والشيطان لا يمكن أن يصل إلى هذه الغاية إلا بالكذب، فإن الكذب هو الذي يوصل إلى الفجور، أما الصدق فإنه يوصل إلى الهدى والصلاح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) رواه البخاري (6094)، ومسلم (2607).
فشأن الشيطان أن يكذب ويكثر الكذب، ويكون قوله كذبًا مستمرًا، وذلك لأنه يعيش لوظيفة الإفساد كما سبق، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان (كذوب) في حديث رواه البخاري (5010)، قال الحافظ ابن حجر في شرح (كذوب): "عادته الكذب المستمر"، كما في "فتح الباري" (9/56).
ثانيًا:
الشيطان الكذوب، الذي اعتاد الكذب واستمر عليه، قد يصدق صدقًا قليلًا، مخلوطًا بكذب كثير، وهو إنما يفعل ذلك مكرًا وخداعًا، وحتى يصل إلى غايته من الإفساد والصد عن سبيل الله.
وقد بيَّن لنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
(إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء) رواه البخاري (4800).
فالشيطان حرفته الكذب، وهو بضاعته، لكنه قد يستعمل كلمةً من الصدق، يخلطها بمائة كذبة أو أكثر، حتى يصدقه المفتونون به ومن يتبعونه من السحرة والكهان وأتباعهم، كما بيَّن الحديث الشريف: (فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء)، أي: يُصدَّق في أكثر من مائة كذبة كذبها، بسبب إخباره بكلمة حق واحدة استرقها من السماء، وسط كل هذا الكذب!
ولمَّا سأل أناسٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الكُهَّان، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليسوا بشيء) قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانًا بالشيء يكون حقًّا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة) رواه البخاري (6213)، ومسلم (2228).
وعن عائشة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده حقا، قال: (تلك الكلمة الحق، يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه، ويزيد فيها مائة كذبة) رواه مسلم (2228).
والمقصود بذلك كله كفار الجن، وهم الشياطين.
وقد يوسوس الشيطان باستعمال شيء من حقٍّ ليفسد عبادة الإنسان بالحيرة والشك والوساوس، وقد بيَّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أيضًا، فقال:
(إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضي النداءُ أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قُضي التثويبُ أقبل، حتى يخطِر بين المرء ونفسه، يقول: اذكُر كذا، اذكُر كذا، لما لم يكن يذكُر، حتى يظل الرجلُ لا يدري كم صلى) رواه البخاري (608) ومسلم (389).
وفي رواية في صحيح مسلم: (فهنَّاه، ومنَّاه، وذكَّره من حاجاته ما لم يكن يذكر).
وبذلك نعلم أن الشيطان يوسوس للمصلي في صلاته بتذكيره بشيء ما، أو مكان شيء، مما كان المصلي يعلمه ونسيه، أو مما لم يعلمه ليفكر فيه، حتى يُضل المصلي عن عدد الركعات، وهذا من أشهر الوسواس.
قال الحافظ ابن حجر: "فيذكِّره بما سبق له به علم؛ ليشتغل بالُه به، وبما لم يكن سبق له؛ ليوقعه في الفكرة فيه.
وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا، أو في أمور الدين، كالعلم"، انتهى من "فتح الباري" (2/ 86).
فهذا من حيلة الشيطان ليصد عن سبيل الله، ويصيب العبد بالوسواس والحيرة، ويلبس عليه عبادته.
وروى البخاري (2311) قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان الذي كان يسرق من زكاة رمضان، وفي كل مرة يقول له أبو هريرة رضي الله عنه: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكذب الشيطانُ ويقول له: إني محتاج، وعليَّ عيال، ولي حاجة شديدة!
حتى قال له أبو هريرة في المرة الثالثة: لأرفعنَّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود.
فلما علم الشيطان أن أبا هريرة لا يتركه إلا بتسليمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه مصيبة شديدة تحل بالشيطان، أن يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فحينئذ تكلم بكلمة صدقٍ واحدة، بعد كذب كثير مستمر هو عادته، لأجل أن يستنقذ نفسه من هذه المصيبة، وأخبر أبا هريرة أن قراءة آية الكرسي قبل النوم تحفظ الإنسان من الشيطان أن يقربه حتى يصبح.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: (أما إنه قد صدقك؛ وهو كذوب).
قال ابن حجر: "صدقك وهو كذوب: هو من التتميم البليغ، لأنه لما أوهم مدحه بوصفه الصدق في قوله: (صدقك)؛ استدرك نفيَ الصدق عنه بصيغة مبالغة، والمعنى صدقك في هذا القول، مع أن عادته الكذب المستمر"، انتهى من "فتح الباري" (9/56).
وقد تبيَّن أنه لم يصدق في هذا القول إلا بعد كذب كثير، وحتى ينقذ نفسه من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لا يستعمل الصدق إلا بكذب كثير، ومع كذب كثير، وليتوصل بذلك إلى إمرار الكذب مستقبلا واستمرار الإفساد، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهو كذوب شأنه الكذب والفجور.
وللفائدة حول التغلب على الوسواس تراجع الأجوبة: (210592)، و(175303)، و(20159).
ولفائدةٍ أوسع حول ما يتعلق بالوسواس القهري، ينظر هذه المادة: الوسواس القهري.
والله أعلم.