أولا:
السائل الكريم؛ نتفهم ما تمر به من حزن وألم بعد فقدان والدك، ففقدان الوالد من أشد الخبرات الإنسانية إيلامًا، ومن الطبيعي أن يترك أثرًا نفسيًا وعاطفيًا عميقًا.
كما يبدو من حديثك أن مشاعر الحزن اختلطت لديك بمشاعر الذنب المرتبطة بالأحداث التي سبقت الوفاة، وهذا جانب مهم يستحق التأمل والفهم؛ لأن الشعور بالذنب قد يكون أحيانًا جزءًا من عملية التفاعل مع الفقد، وقد يرتبط أحيانًا بتفسيرات معينة للأحداث تحتاج إلى مناقشة وفحص.
وبصفة عامة؛ يمكن تلخيص ما حصل معك بالنقاط التالية: (والدك طلب منك إحضار أشياء من الصيدلية- أخبرته أنك ستغير ملابسك ثم تذهب- خرج بنفسه بعد دقائق- تعرض لحادث- تعافى من الحادث ظاهريًا- اشتكى لاحقًا من ألم في الصدر- رفض طلب الإسعاف- نام ثم توفي) وهذه السلسلة من الأحداث لم تكن كلها تحت سيطرتك، لكن تفكيرك تركز على نقطة محددة منها، وهي: دخولك لتغيير الملابس قبل خروج الأب بنفسه، وقبل خروجك بدلا عنه، وربط تأخرك بضع دقائق، ووقوع الوفاة لاحقا.
وبسبب فداحة النتيجة النهائية، أصبح ذلك التأخير القصير يحمل في الوعي النفسي، وزنًا أكبر بكثير مما كان يحمله وقت وقوعه.
وفي كثير من حالات الفقد، يختلط الحزن بالذنب.
أما الحزن، فيتعلق بفقد الشخص نفسه.
وأما الذنب، فيتعلق بالسؤال: هل كان يمكن أن أمنع ما حدث؟
وفي قصتك: يبدو أن الذنب أصبح يحتل مساحة أكبر من مجرد الحزن، لأن التركيز ليس فقط على غياب الوالد، بل على مسؤوليتك المحتملة عن الغياب، فالفكرة المحورية في كلامك ليست: "أبي توفي"، بل: "أنا السبب في وفاة أبي".
فالمعاناة النفسية الظاهرة كلامك تبدو مرتبطة بدرجة كبيرة، بمحاولة تحديد المسؤولية الشخصية عن الحدث، أكثرَ من ارتباطها بوصف الحدث نفسه.
أضف إلى ذلك فكرة الموت الحالية: فقد ذكرت: "أتمنى لو توفيت أنا بدلًا عنه"، " لا معنى للحياة".
وهذه الأفكار: مرتبطة بالفقدان، والشعور بالذنب، وإحساسك بالمسؤولية عما حدث، بالإضافة إلى وجود أعراض اكتئابية سابقة، يمكن أن ينتج عنها مثل تلك الأفكار.
ثانيا:
وفيما يلي، بعض الإرشادات التي نسأل الله تعالى أن تعينك على تجاوز الصعوبات التي تواجهك بعد فقدك لوالدك رحمه الله:
1- لأنك ذكرت سابقًا أن لديك أفكارًا عن الموت، وأن الحياة فقدت معناها، نحتاج أن إلى سؤال: هل لديك حاليًا أي نية لإيذاء نفسك، أو التفكير في الانتحار، أو خطة محددة لذلك؟ فإذا كانت الإجابة نعم، أو غير متأكد، فمن المهم أن تتواصل فورًا مع شخص قريب تثق به، أو مع مختص نفسي يساعدك على تجاوز هذه المشكلة، وحماية نفسك من تعريضها لأي أذى.
فهناك فرق بين "أتمنى لو كنت مكان والدي"، وبين " أريد أن أؤذي نفسي"؛ فتحول الأفكار إلى رغبة حقيقية أو خطة لإيذاء النفس يتطلب طلب المساعدة الفورية.
2- بما أنك تعاني أصلًا من الاكتئاب والوسواس منذ سنوات، فراقب (النوم- الشهية- القدرة على العمل- شدة أفكار الذنب): فإذا لاحظت أن الأعراض أصبحت أشد بكثير من المعتاد، أو أن أفكار الموت تتزايد، فهذه إشارة مهمة تستحق تواصلًا، مع مختص نفسي أو طبيب يتابع حالتك. وطلب ذلك منك ليس من باب التهرب من تقديم الإرشاد لك، لكن من باب أن حالتك بالفعل تتطلب ذلك في الوقت الراهن، ولا ينبغي التأخر في ذلك.
3- من الوسائل التي قد تساعد في التخفيف من حدة الألم والحزن الذي تعيشه: ما يُعرف بأساليب التفريغ الانفعالي، ومن أكثرها فائدة في مثل هذه المواقف الكتابة التعبيرية.
- يمكنك أن تكتب رسالة إلى والدك، تعبّر فيها عن مشاعرك تجاهه، ومحبتك له، والأمور التي تفتقدها بعد رحيله، وما كنت تتمنى قوله له، لو أتيحت لك الفرصة. كما يمكنك أن تكتب عن الصفات التي كنت تقدّرها فيه، والذكريات والمواقف التي لا تزال حاضرة في ذهنك.
تساعد هذه الكتابة على إخراج المشاعر المكبوتة، والتعبير عنها بصورة آمنة، مما يخفف من حدة الضغط النفسي والانفعالي. وقد تصاحبها مشاعر قوية أو دموع في البداية، وهو أمر طبيعي عند ملامسة مشاعر الفقد، إلا أن كثيرًا من الأشخاص يشعرون بعدها بقدر من الارتياح والهدوء.
- كما يمكنك أن تكتب وصفًا موضوعيًا لما حدث، منذ البداية وحتى وفاة الوالد، مع تدوين جميع العوامل والظروف المرتبطة بالواقعة كما تتذكرها. وبعد ذلك حاول الإجابة عن بعض الأسئلة مثل: ما الأمور التي كانت تحت سيطرتي؟ وما الأمور التي لم تكن تحت سيطرتي؟ وهل كانت هناك عوامل أخرى أسهمت فيما حدث؟
إن الهدف من هذا التمرين: ليس إصدار حكم على نفسك، وإنما تكوين صورة أكثر شمولًا وواقعية للأحداث، بدلًا من اختزالها في سبب واحد، أو تحميل نفسك المسؤولية الكاملة عما جرى.
4- احرص على عدم عزل نفسك عن محيطك الاجتماعي والأسري، ففي أوقات الفقد الشديد قد يميل الإنسان إلى الانسحاب والانفراد بنفسه لفترات طويلة، ظنًا منه أن ذلك يساعده على التعامل مع مشاعره، إلا أن البقاء على تواصل مع الأسرة، والأشخاص المقربين: يتيح مساحة للتعبير عن الحزن، وتلقي الدعم النفسي والاجتماعي الذي يحتاجه الإنسان في مثل هذه الظروف.
5- حاول التمييز بين مشاعر الذنب، والحقائق المرتبطة بالحدث، فالمشاعر قد تكون شديدة الصدق من حيث الإحساس بها، لكنها لا تكون دائمًا دليلًا كافيًا على صحة الاستنتاجات التي نبنيها عليها، لذلك من المفيد أن تستمر في مراجعة الأحداث بصورة متوازنة، وأن تفرق بين ما تشعر به، وبين ما يمكن إثباته من وقائع ومعطيات.
وفي الختام:
نود أن نشير إلى أن ما تمر به: يجمع بين تجربة فقد مؤلمة، ومشاعر ذنب مرتبطة بالأحداث التي سبقت الوفاة، بالإضافة إلى معاناة سابقة مع الاكتئاب والوسواس؛ ولذلك فإن حجم الألم الذي تشعر به في الوقت الحالي مفهوم في ضوء ما مررت به.
ومن المهم أن تمنح نفسك فرصة كافية لفهم ما حدث والتعبير عن مشاعرك والتعامل معها بهدوء وتدرج، مع الاستفادة من الدعم الأسري والاجتماعي، وعدم التردد في طلب المساندة المهنية المتخصصة عند الحاجة، خاصة إذا استمرت مشاعر اليأس أو ازدادت أفكار الموت أو أثرت الأعراض بشكل واضح على حياتك اليومية.
نسأل الله تعالى أن يرحم والدك رحمة واسعة، وأن يغفر له، وأن يربط على قلبك، ويعينك على تجاوز هذه المرحلة الصعبة، وأن يرزقك السكينة والطمأنينة وحسن الصبر.
والله أعلم.