ما حكم إطلاق وصف (عديل النبي ﷺ) على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؟

السؤال 543186

هل يصح أن يقال أن طلحة بن عبيد الله كان عديلًا للنبي صلى الله عليه وسلم من أربعة جهات، بناءً على قول ابن حجر رحمه الله:
"ومن لطائف المصاهرات: أن طلحة بن عبيدالله التيمي -رضي الله عنه- تزوج بأربع نسوة، أخت كل منهن زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم:
1. تزوج بأمِّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق، أخت الصديقة عائشة بنت أبي بكر الصديق.
2. وتزوج حمنة بنت جحش- أخت زينب بنت جحش.
3. وتزوج فارعة بنت أبي سفيان، أخت أم حبيبة بنت أبي سفيان.
4. وتزوج رقية بنت أبي أمية، أخت أم سلَمة هند بنت أبي أمية، رضوان الله عليهم أجمعين." [الإصابة: (422/5)]
أو أن هذه الكلمة لا تليق بحق المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ لا عديل له؟

ملخص الجواب

لا يصح إطلاق وصف "العديل" على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه من الناحية اللغوية، بل الثابت من استعمال العلماء هو لفظ (سِّلْف) وهو دقيق وموافق للأدب مع الجناب النبوي؛ ولفظ "العديل" يُقصد به في العرف الشائع زوج أخت الزوجة دون إيهام للمساواة في الفضل، إلا أن تجنبه واستعمال العبارات المصرحة بحقيقة القرابة هو الأكمل والأحسن في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً: التحقيق التاريخي في مصاهرات طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وكلام العلماء حولها:

قال الحافظ مغلطاي كما في "إكمال تهذيب الكمال - ط العلمية" (4/ 196): "وفي كتاب ابن السكن: تزوَّج أربع نسوة، كل واحدة منهن أخت لزوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، منهن: أم كلثوم بنت أبي بكر أخت عائشة، وحمنة بنت جحش أخت زينب، ورقية بنت أبي أمية أخت أم سلمة، والفارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة". انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في "الإصابة في تمييز الصحابة" (3/ 432): "وقال ابن السّكن: يقال: إن طلحة تزوّج أربع نسوة .....". انتهى.

وهذا تفصيل هذه المصاهرات الأربع:

  • زواجه من أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها:

وهي أخت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. وُلدت أم كلثوم بعد وفاة أبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فنشأت في كنف أختها عائشة رضي الله عنها، ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فولدت له زكريا، ويوسف، وعائشة بنت طلحة. انظر "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (8/ 65).

  • زواجه من حمنة بنت جحش الأسدية رضي الله عنها:

وهي أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها. كانت حمنة متزوجة من مصعب بن عمير رضي الله عنه، فلما استشهد يوم أحد، تزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمد بن طلحة، وعمران بن طلحة. انظر "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (8/ 61-62).

  • أما بالنسبة لزواجه من رقية بنت أبي أمية، وكذلك من فارعة بنت أبي سفيان، ففيه تفصيل:

فقد ذكر أبو جعفر، محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي البغدادي في كتابه المحبر (ص100): "وسَالَفَهُ طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي، مرة من قبل أم كلثوم بنت أبي بكر، ولدت له زكريا وعائشة. ومرة من قبل حمنة بنت جحش. ومرة من قبل قريبة بنت أبي أمية أخت أم سلمة. فسالفه طلحة ثلاث مرات". انتهى.
وأخرج الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (6/ 574):"كَانَ طَلْحَةُ سِلْفَ النَّبِيِّ فِي أَرْبَعٍ : كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ طَلْحَةَ ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَكَرِيَّا وَيُوسُفَ وَعَائِشَةَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ، وَكَانَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ مَعَ أَبِيهِ ، وَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا الرِّفَاعَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ تَحْتَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ فَوَلَدَتْ لَهُ مَرْيَمَ بِنْتَ طَلْحَةَ". انتهى.
قال محققو المستدرك طبعة الرسالة بعد هذا الأثر: "ضعيف منكر، ومن النكارة في هذا الخبر ذكرُ الرفاعة بنت أبي سفيان - والصواب في اسمها الفارعة - في زوجات طلحة بن عبيد الله، فلم يذكرها ابن سعد في "طبقاته" 3/ 196، ولا محمدُ بنُ حبيب البغدادي في "المحبَّر" ص 100، ولا ابن حزم في "جمهرة أنساب العرب" ص 138 - مع سعة اطلاعهم - في زوجات طلحة، لكن ذكر ابن سعد الفرعة بنت عليٍّ، وقال: هي سَبِيَّة من بني تَغلِب. وذِكرُ قَريبةَ بنت أبي سفيان زوجةً لطلحة فيه نظر كذلك، وإن ذكرها ابن حبيب فيمن تزوجهن طلحة، وذلك أنَّ ابن حبيب ذكر في "المحبَّر" ص 449: أنَّ قريبة تزوجها عمر بن الخطاب، ثم فرّق بينهما الإسلام، ثم أسلمت فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، ثم طلّقها فتزوجها عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، فأقام عليها، قلنا: ولا يُعرف أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فارقها إلى أن مات وعبد الرحمن مات بعد طلحة بن عُبيد الله بزمنٍ" انتهى.

فالثابت والصحيح: أن طلحة بن عبيد الله كان سِلْف النبي صلى الله عليه وسلم من خلال زواجه من أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، وكذلك من خلال زواجه من حمنة بنت جحش الأسدية رضي الله عنها كما مر معنا، أما بالنسبة لزواجه من رقية بنت أبي أمية، وكذلك من فارعة بنت أبي سفيان: فلم يثبت شيء من ذلك في كتب التراجم والطبقات إلا ما ذكره ابن السكن ولم نقف على من ذكر ذلك غيره.
وللوقوف على المزيد في ترجمة طلحة بن عبيد الله رضي اللَّه عنه انظر: "طبقات ابن سعد" (3/196) الترجمة (69)، و"تاريخ خليفة" (63، 180–186)، و"طبقات خليفة" (18،189)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (5/607) الترجمة (5912)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4/471)  الترجمة (2072)، و"معرفة الصحابة" لأبي نعيم (1/94)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (3/195) الترجمة (872)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (25/54) الترجمة (2983)، و"الكمال في أسماء الرجال" لعبد الغني المقدسي (1/ 160)، و"أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير (3/ 85) الترجمة (2625)، و"تهذيب الكمال" للمزي (13/412) الترجمة (2975)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (1 / 23)، و"تذهيب التهذيب" (4/399) الترجمة (3016)، و"إكمال تهذيب الكمال" لمغلطاي (4/193) الترجمة (2765)، و"تهذيب التهذيب" (6/230) الترجمة (3158)، و"الإصابة" (3/430) الترجمة (4285).
ولمزيد من الفائدة ينظر جواب السؤال رقم (302779).

ثانياً: التأصيل اللغوي لمصطلح "العديل"

لا بد من الرجوع إلى لسان العرب الذي نزل به الوحي وتحدث به السلف. فمادة (ع د ل) في لغة العرب تدل على التسوية والموازنة، ومنها اشتق لفظ "العَدِيل".

وهذا مصطلح لغوي حادث يدل على "وصف القرابة" ولم يرد هذا الاستعمال عن العرب.
انظر تطور استخدام كلمة عديل في اللغة العربية من خلال موقع مجمع اللغة العربية بالشارقة على هذا الرابط.

وأول من ذكر أن عَديل الرجل: هو زوج أخت امرأته. انظر معجم العربية المعاصرة (2/1469).
فلهذا النوع من القرابة اسم خاصّ عندهم، وهو "السِّلْف" وهما "سِلْفان".

أما "العديل" فهو زوج أخت الزوجة. وكأنهم أطلقوا ذلك عليه: لما كان الرجلان يتزوجان من بيت واحد (أختين)، صارا كأنهما متوازنان في أخذ الكفاءة من هذا البيت، فسمي كل منهما "عديلاً" للآخر.

قال ابن منظور رحمه الله في "لسان العرب" (432/11): "وعَدَلَ الشيءَ يَعْدِلُه عَدْلًا وعَادَله: وازَنَه. وعَادَلْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وعَدَلْت فُلَانًا بِفُلَانٍ، إِذا سَوَّيْت بَيْنَهُمَا" انتهى.

وقال الزبيدي رحمه الله في "تاج العروس من جواهر القاموس" (446/29): "وعَدَلَهُ، يَعْدِلُهُ، عَدْلاً، وعَادَلَهُ، مُعادَلَةً: وَازَنَهُ، وَكَذَا: عادَلَ بينَ الشَّيْئَيْنِ. وعَدَلَهُ فِي الْمَحْمِلِ، وعَادَلَهُ: رَكِبَ مَعَهُ. والْعَدْلُ: الْمِثْلُ، والنَّظِيرُ، كالْعِدْلِ، بالكسرِ، والْعَدِيلِ، كأميرٍ، وَقيل: هُوَ الْمِثْلُ، وليسَ بالنَّظِيرِ عَيْنِهِ" انتهى.

والمقصود بهذه الموازنة، والمعادلة في لقب (العديل): موازنة في "رتبة العلاقة الزوجية بالأختين" فقط، ولا تتعدى إلى موازنة المقام والمكانة والقدر التي فضل الله بها الأنبياء على سائر البشر.
ثالثاً: هل يقدح هذا الوصف في مقام النبوة؟

قد يشكل على البعض أن وصف "العديل" يقتضي المماثلة والمساواة، والنبي ﷺ لا مماثل له ولا مساوي لما اختص به النبي ﷺ من السيادة لقوله: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ" رواه مسلم (2278). وعند استخدام هذه اللفظة ينبغي معرفة القواعد التالية:

  1. الأنبياء بشر تجري عليهم أحكام النسب والمصاهرة:

اقتضت حكمة الله أن يكون الأنبياء بشراً، لهم أنساب، وأصهار، وإخوة، وآباء، وأبناء. قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ الكهف/110. فكما يصح أن يقال: عثمان "صهر" النبي ﷺ، ويصح كذلك أن يقال إن أبا لهب "عم" النبي ﷺ، فإن هذه الأوصاف تحدد مراكز العائلة، ولا تعني اشتراكهم في الفضل أو المقام النبوي.

  1. المماثلة في اللفظ النسبي، لا تعني المماثلة في القدر:

إن اشتراك شخصين في مسمى نسبي واحد، لا يعني تساويهما في الفضل. ألا ترى أن الله تعالى سمى هارون أخاً لموسى عليهما السلام: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ الأعراف/151، والأخوة تقتضي نوعاً من التعادل النسبي، ومع ذلك فقد يكون أحدهما أفضل من الآخر.

فكذلك لفظ "العديل"، إنما هو تعادل في "الدرجة الزوجية تجاه العائلة المصاهرة"، وليس تعادلاً في الشرف الكلي والمقام الإيماني.

  1. انعدام النية في التنقيص:

إطلاق من أطلق هذا الوصف: إنما جاء في سياق بيان شرف الصهر الذي ناله طلحة رضي الله من النبي ﷺ، وليس في سياق حط قدر النبي ﷺ ليكون في درجة طلحة. فالنبي ﷺ هو المتبوع المطاع، وطلحة هو التابع المحب الفدائي الذي وقى النبي ﷺ بيده يوم أحد حتى شلت. والمقام النبوي الشريف، على كل حال: مَبنيٌّ على كمال التعظيم والوقار.

غير أن الابتعاد عن استعمال هذا اللفظ المولد، واستعمال اللفظ العربي الفصيح، الجاري في كلام أهل العلم: هو المناسب لمقام الأدب، لا سيما وهو أبعد عن الإيهام، وسوء الفهم، أو التنزيل.

وقد أدب الله الأمة تاديباً عظيماً في اختيار الألفاظ والابتعاد عن المشترك والموهم منها؛ كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا البقرة/104. فقد نهى الله الصحابة عن كلمة "رَاعِنَا" مع أنهم يقصدون بها المراعاة، لأن اليهود كانوا يلوون ألسنتهم بها ويقصدون بها الرعونة.

الحاصل:

استعمال لفظ (العديل) في "زوج أخت الزوجة" ليس من العربي الفصيح.

وينبغي تركه في مقام ذكر العلاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، واستعمال الفصيح في معناه (السلف)، لما في لفظ (العديل) من الإيهام.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android