التحريم هنا بمعنى اليمين، وليس المعنى أنه اعتقد أن الحلال حرام، ويمين النبي ﷺ كانت على الامتناع عن فعل المباح، الذي لا يجب عليه؛ سواء الامتناع عن الاستمتاع بالجارية أو عن شرب العسل.
هل ما حصل من قصة تحريم مارية والعسل يتنافى مع العصمة؟
السؤال 536498
في هذا الزمن انتشرت الفتن، ولا يزال أعداء الإسلام ينشرون الشبه الباطلة، وقد وقعت في إحدى شبههم من رجل نصراني، يقول: إنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما في أمور الرسالة لما حرم مارية إرضاء لزوجته حفصة رضي الله عنها، فكيف نرد على هذه الشبهة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
الأنبياء معصومون فيما يتعلق بتبليغ الرسالة، ومعصومون من الوقوع في الكبائر بعد النبوة، وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة.
وقد تقع منهم الصغيرة أو الخطأ الاجتهادي، ولكن لا يُقرون عليه فيأتيهم التنبيه من الله لاستدراك الأمر والتوبة عليهم.
انظر: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (171 و2/123)، و"تفسير القرطبي" (1/308)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (4/ 319)،(10/289)، "الجواب الصحيح" (1/446)، "أضواء البيان" (4/119).
وأما قتل موسى عليه السلام القبطي فللعلماء فيه أجوبة.
انظر: "تفسير القرطبي" (13/ 261)، "الزواجر عن اقتراف الكبائر" للهيتمي (2/691،701)، "روح المعاني" (10/264)، فتوى: (267767)، (345669).
وانظر: فتوى: (42216)، (248875)، (304498)، (311316)، (317529) (507692).
وأما قصة الغرانيق. انظر: "فتح الباري" (8/440)، وفتوى: (103304)، (177218)، (297388).
ثانياً:
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم: 1].
اختلف العلماء في سبب نزول سورة التحريم على قولين:
1- القول الأول: أن قضية العسل هي سبب النزول.
2- القول الثاني: أن سبب النزول كان تحريمه للجارية وليس العسل.
ينظر في تحرير سبب النزول وأدلته: "المحرر في أسباب النزول" (2/ 1027-1038). وينظر: فتوى: (334173).
وسواء قلنا في سبب النزول هو تحريم العسل، أو تحريم الجارية، فكلاهما بمعنى اليمين على ترك المباح.
فالجواب على الشبهة:
أولاً: التحريم هنا بمعنى اليمين، وليس المعنى أنه اعتقد أن الحلال حرام، أو الإخبار عن شرع الله وحكمه فيها.
ففي صحيح البخاري (4912) في حديث العسل قال صلى الله عليه وسلم: (فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً). وروى الضياء المقدسي في "المختارة" (1/300) أنه صلى الله عليه وسلم قال في شأن الجارية: "فَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُهَا"، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير في تفسيره (8/159).
وروى البخاري (4911)، ومسلم (1474) في صحيحهما أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفرها»، وقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب: 21] ""يعني: أن رسول الله ﷺ حرّم جاريته فقال الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ إِلَى قَوْلِهِ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ فكفر يمينه، فصير الحرام يميناً" "تفسير ابن كثير" (8/159).
قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد سمى الله كل تحريم " يمينًا " بقوله: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إلى قوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ" انتهى "مجموع الفتاوى" (35/ 318).
وقال: ".. إن الله سبحانه قال: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: 1] ، ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: 2] ، فاقتضى هذا: أن نفس تحريم الحلال يمين، كما استدل به ابن عباس وغيره. وسبب نزول الآية: إما تحريمه العسل، وإما تحريمه مارية القبطية، وعلى كل تقدير: فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية، وليس يميناً بالله؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة - كعمر وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - وغيرهم -: أن تحريم الحلال يمين مكفرة: إما كفارة كبرى كالظهار، وإما كفارة صغرى كاليمين بالله. وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينًا" انتهى "مجموع الفتاوى" (35/271).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "يقول الله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: 1]، ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: 2]"، فجعل الله التحريم يميناً" انتهى "الشرح الممتع" (13/81).
وقال: "فجعل التحريم يمينًا؛ لأنه يُقْصَد به معنى اليمين تمامًا". "الشرح الصوتي لزاد المستقنع" (1/7906). قلنا: معنى اليمين؛ "لأنه لم يقصد بهذا التحريم إلا المنع". "الشرح الممتع" (15/212).
ثانياً: لا يجب على الرجل أن يستمتع بجاريته؛ قال ابن قدامة رحمه الله: " وإن شاء استمتع من بعضهن دون بعض.. ولأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع، ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوباً أو عنيناً، ولا تُضرب لها مدة الإيلاء.
لكن إن احتاجت إلى النكاح، فعليه إعفافها، إما بوطئها، أو تزويجها، أو بيعها"اهـ. المغني (7/310).
وكذلك شرب العسل من المباحات وليس واجباً.
فيتبين من هذا أن تحريمه ﷺ لِما أحل الله، إنما هو بمعنى اليمين والحلف على تركه أمر مباح، فكان الأولى تركه، وليس معناه أنه يعتقد أن الحلال حراماً.
فهذا لا ينافي عصمته صلى الله عليه وسلم، كما تقدم.
قال القاضي عياض رحمه الله: "أما المباحات فجائز وقوعها من الأنبياء؛ إذ ليس فيها قدح، بل هي مأذون فيها" اهـ. الشفا (2/147).
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "فالنبي ﷺ حرم ما أحل الله له، طلباً لمرضاة زوجاته وتأليف قلوبهن، ولكنه لم يحرمه حكماً شرعياً، إنما حرمه امتناعًا، يعني حرمه على نفسه، كما يقول أحدنا: حرام علي أن ألبس هذا الثوب، أو حرام علي أن أدخل هذا البيت، أو حرام علي أن أشتري هذه السيارة مثلاً.
فتحريمه صلى الله عليه وسلم هذا ليس تحريماً شرعياً، لكنه تحريم امتناع، يعني أنني ألزم نفسي أن امتنع من هذا الشيء"اهـ. شرح العقيدة السفارينية (1/ 573).
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: 1] ثم
كيف نقول: إنه إذا حرم الحلال يصير كافراً؟
فأجاب الشيخ: "التحريم له متعلقات: إذا اعتقد أنه حرام، أو قصد أنه هو نفسه شرّع تحريمه مضادًا لله: فهذا كفر.
وإذا قصد أن الله هو الذي حرمه؛ فهذا كاذب.
وإذا قصد أنه يمنعه عن نفسه؛ فهذا يمين. ولهذا روي عن ابن عباس فيمن حرم زوجته، روي عنه روايتان: رواية يقول: لَيْسَ بِشَيْءٍ، ورواية يقول: هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
قوله: ليس بشيء: يريد بذلك أنه إذا قال: إن الله حرمها، فإننا نقول له: إن الله ما حرمها، كلامك هذا كلام كذب"اهـ. الشرح الصوتي لزاد المستقنع (2/ 3763).
ومعنى قوله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ: أي: بيّن. قاله الطبري في تفسيره (23/90)، وفي تفسير الجلالين (ص: 751): "شرع".
"وعبّر بالفرض، حثاً على قبول الرخصة، إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع، ولا يخل بحرمة اسم الله؛ لأن أهل الهمم العوالي لا يحبون النقلة من عزيمة إلى رخصة، بل من رخصة إلى عزيمة، أو عزيمة إلى مثلها" نظم الدرر (20/ 183).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟