كل أمر يناقض أصل التوحيد، وذلك بإعطاء صفة من خصائصه سبحانه وتعالى في ألوهيته وربوبيته لمخلوق، فهذه المساواة شرك أكبر، وأما إن كان الأمر الذي وصفه الشرع بالشرك، ليس فيه إضفاء صفة من صفات الربوبية أو الألوهية على المخلوق، فهذا شرك أصغر ووسيلة إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
كيف نفرق بين الأعمال التي تكون من الشرك الأصغر أو الأكبر؟
السؤال 534349
أبحث عن الدليل على أن التمائم وذات أنواط ونحوهما من الشرك الأصغر، فإني أقرأ من يفرق تكون أصغر ومرة أكبر، ويذكرون تعليل ذلك، أنا أرغب بالحصول على الدليل الذي يصرفها عن الشرلاك الأكبر إلى الشرك الأصغر، فإن الأدلة تدل على الشرك والكفر فلعلكم تبينون لي الدليل في هذه المسألة.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
من المعلوم من دين الإسلام أن أول ما يجب على العباد والذي به يخرجون من الشرك إلى الإسلام والإيمان هو أن يوحدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا.
كما في قوله تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) النساء /36.
قال الطبري رحمه الله تعالى:
" يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وذلّوا للّه بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذّلّة، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكا تعظّمونه تعظيمكم إياه " انتهى. "تفسير الطبري" (7 / 5).
وكما روى البخاري (7371 ، 7372) ومسلم (19) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قالَ: ( لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ … ).
وقد بيّن الشرع الأمور التي تناقض هذا التوحيد لله تعالى في ألوهيته وربوبيته وتكون من الشرك؛ ورأى أهل العلم أن هذه الأمور على قسمين بحسب درجة مناقضتها للتوحيد:
القسم الأول: الشرك الأكبر:
وهي الأمور التي تناقض أصل التوحيد وتبطله: وهي أن يساوي العبد شيئا من المخلوقات بالله تعالى في أمر من أمور الألوهية، مثل: أن يتوجه بعبادة من العبادات إلى مخلوق ويحبه ويعظمه ويخافه كخوفه من الله تعالى أو أشد أو يعتقد أن له الحق في تحريم مالم يحرمه الله تعالى أو العكس، أو يساويه بالله تعالى في أمر من أمور الربوبية، مثل: أن يعتقد بأن في المخلوقات من يستقل بالنفع أوالضر أو الخلق أو له من أنواع القدرة أو الصفات التي اختص الله تعالى بها.
كما حكى الله تعالى قول أهل الشرك وهم في النار إذ يكفرون حينئذ بمعبوداتهم:
( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) الشعراء/97 - 98.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
" وأما الشرك، فهو نوعان: أكبر وأصغر.
فالأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله. وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين. ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تميت ولا تحيي. وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم " انتهى. "مدارج السالكين" (1 / 523).
وقال الله تعالى:
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) الأنعام/1.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"وأما التوحيد: أن يكون الله أحبّ إليه من كلّ ما سواه، فلا يحبّ شيئا مثل ما يحبّ الله، ولا يخافه كما يخاف الله، ولا يرجوه كما يرجوه، ولا يجلّه ويكرمه مثل ما يجلّ الله ويكرمه، ومن سوى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو مشرك، إذ كان المشركون لا يسوّون بينه وبين غيره في كل شيء، فان هذا لم يقله أحد من بني آدم، وهو ممتنع لذاته امتناعا معلوما لبني آدم، لكن منهم من جحده وفضّل عليه غيره في العبادة والطاعة، لكن مع هذا لم يثبته ويسوّ بينه وبين غيره في كل شيء، بل في كثير من الأشياء. فمن سوّى بينه وبين غيره في أمر من الأمور فهو مشرك، قال الله تعالى ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) أي يعدلون به غيره، يقال: عدل به أي جعله عديلا لكذا ومثلا له. وقال تعالى: ( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ) إلى قوله: ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) وقال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) " انتهى. "جامع المسائل" (3 / 279).
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء":
"الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله ندا؛ إما في أسمائه وصفاته، فيسميه بأسماء الله ويصفه بصفاته، قال الله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ومن الإلحاد في أسمائه تسمية غيره باسمه المختص به أو وصفه بصفته كذلك.
وإما أن يجعل له ندا في العبادة، بأن يضرع إلى غيره تعالى من شمس أو قمر أو نبي أو ملك أو ولي مثلا، بقربة من القرب، صلاة أو استغاثة به في شدة أو مكروه أو استعانة به في جلب مصلحة أو دعاء ميت أو غائب لتفريج كربة أو تحقيق مطلوب أو نحو ذلك هو من اختصاص الله سبحانه ...
وإما أن يجعل لله ندا في التشريع، بأن يتخذ مشرعا له سوى الله، أو شريكا لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم؛ عبادة وتقربا وقضاء وفصلا في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره دينا، وفي هذا يقول تعالى في اليهود والنصارى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) …
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن قعود ، عبد الله بن غديان ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى" (1 / 516).
القسم الثاني: الشرك الأصغر:
وهي الأمور التي نص الشرع على أنها من الشرك؛ لكنها لا تناقض أصل التوحيد، فليس فيها تسوية المخلوق بالخالق في أمر من أمور الألوهية أو الربوبية، لكنها تشير إلى عدم كمال تحقيق التوحيد الواجب، ومن شأن الوقوع فيها، عادةً، أن تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وتكون سببا له؛ وهي عادة، مما يتلبس به أهل الشرك.
كالتطير، والحلف بغير الله تعالى كالحلف بالكعبة ونحو هذا.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء":
" أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركا؛ كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر؛ ولهذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، ومَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ )، بل سماه: مشركا، روى ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ )، رواه أحمد والترمذي والحاكم بإسناد جيد؛ لأن الحلف بغير الله فيه غلو في تعظيم غير الله، وقد ينتهي ذلك التعظيم بمن حلف بغير الله إلى الشرك الأكبر…
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى" (1 / 517).
فالحاصل؛ أن النص إذا حكم على أمر بأنه شرك؛ فإنه ينظر في معناه فإن كان بمعنى الأمور التي حكم الشرع بكفر فاعلها، لما فيها من مساواة المخلوق بالخالق: فهو شرك أكبر.
وإن كان دون ذلك، ويشبه الأمور التي لم يحكم الشرع بردة فاعلها: فهو شرك أصغر.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
" الضابط في الشرك الأكبر أنه ما أخرج من الملة، وهذا يرجع على أنك إذا وجدت حديثا ما أن هذا شرك، انظر إلى قواعد الشريعة بالنصوص الأخرى فإن كان مثله يخرج من الملة فهو شرك أكبر، وإن كان لا يخرج فهو شرك أصغر.
إذاً لا بد إذا جاءت النصوص بأن هذا شرك أن نعيد هذا النص إلى القواعد العامة للشريعة، إذا وردت النصوص بالشرك، ولكنه بمقتضى القواعد العامة للشريعة لا يخرج من الإسلام، فهو شرك أصغر، مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ ).
الثاني: الشرك إذا أطلق، فهل نحمله على الشرك الأكبر أم الشرك الأصغر؟
نقول: ننظر إلى القواعد العامة في الشريعة، إن اقتضى أن يكون خارجاً عن الإسلام، فهو أكبر. وإلا؛ فلا " انتهى. "لقاء الباب المفتوح" (192 / 13 بترقيم الشاملة).
ثانيا:
روى الإمام أحمد في "المسند" (28 / 636)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟! قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً.
فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ ).
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ليلى المصري وثقه يعقوب بن سفيان وابن حبان وصحح له الحاكم " انتهى. "السلسلة الصحيحة" (1 / 890).
وقال محققو "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" (13 / 451):
"وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح غير دخين الحجري، فقد روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة، وهو ثقة، وقال المنذري في "الترغيب" 4/307، والهيثمي في "المجمع" 5/219 من طريق سهل بن أسلم العدوي، عن يزيد بن أبي منصور، بهذا الإسناد " انتهى.
وبناء على ما سبق، يقال هنا:
إن مجرد تعليق التميمة لا يوجد ما يدل على مساواتها بالله تعالى؛ وإنما مرد ذلك إلى قصد المعلق، فيكون نوع شركه بحسب حال معلقها واعتقاده وقصده من التعليق.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"وأما الشرك الأصغر، فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ )، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا.
وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده " انتهى. "مدارج السالكين" (1 / 530).
وعلى هذا تتابع أهل العلم، حيث رأوا أن من علقها وهو موحد لله تعالى، ولم يتعبد لغير الله بذلك، ولا اعتقد في التميمة أن لها شيئا من خصائص الألوهية أو الربوبية، فلا يعظمها تعظيم العابد لمعبوده، ولا اعتقد أنها تستقل بالنفع أو الضر، لكنه علقها لأنه يعتقد أنها سبب لجلب نفع، أو دفع ضر، فيكون بهذا لم يحقق التوحيد الواجب كاملا؛ لأن الله تعالى لم يجعلها سببا لنفع ولا ضر، بل نهى عن تعليقها، لأجل غلط من يظن فيها ذلك، وأثره على توحيده لربه.
ومن شأن من علق هذه التمائم مع طول العهد والجهل، أنه قد يعتقد أن فيها قوة وتأثيرا، بحيث تدفع ما قدره الله تعالى وأراده، من أمراض ومصائب وموت، فيقع بهذا في الشرك الأكبر، حيث جعل لها من القدرة ما يساوي قدرة الله تعالى.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
" والشرك شركان: أكبر وأصغر، فالشرك الذي يكون بسبب تعليق التميمة والحلقة شرك أصغر؛ لأنه يصرف القلوب إلى غير الله، ويعلقها بغير الله، فصار من الشرك من هذه الحيثية، وهو من أسباب الغفلة عن الله، وعدم كمال التوكل عليه سبحانه وتعالى، وصار هذا نوعا من الشرك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تعلق مَنْ تعلق تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ )، يعني قد صرف شعبة من قلبه لغير الله، والواجب إخلاص العبادة لله وحده، والتعلق عليه سبحانه وتعالى، والواجب التوكل عليه أيضا جل وعلا، وأن يكون قلبك معلقا بالله ترجو رحمته وتخشى عقابه، وتسأله من فضله، وترجو منه الشفاء سبحانه وتعالى " انتهى. "فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة" (ص57).
وأهل العلم كثيرا ما يقتصرون على ذكر التميمة في نوع الشرك الأصغر؛ لأن من يعلق التميمة من عامة المسلمين يقصد بها في الغالب أنها سبب وأن الله تعالى يجعل فيها نوع تأثير غيبي ونحو هذا، ولا يقصدون أنها مستقلة بالنفع.
لكن لو اعتقد شخص في التميمة أنها تستقل بالنفع: فإنها تصبح، بهذا الاعتقاد والقصد: من الشرك الأكبر.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
"لا تكون من الشرك الأكبر ولا يرتقي إلى الشرك الأكبر، إلا إذا علق قلبه بها، واعتقد أنها تتصرف وتنفع مستقلة دون الله، فلا يعتقد أنها سبب، بل يظن أو يعتقد أنها تشفي بنفسها، فهذا اعتقاد خطير، وشرك أكبر.
ولكن في الغالب أن المسلم لا يعتقد ذلك، ولكن يظن أنها من الأسباب." انتهى. "فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الطيار والموسى - قسم العقيدة" (ص58).
ثالثا:
عن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ" مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ( سُبْحَانَ اللهِ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ !! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ).
رواه الإمام أحمد في "المسند" (36/ 225)، والترمذي (2180) ، والنسائي في "السنن الكبرى" (10/ 100)، وابن حبان (6702)، والنسائي، وغيرهم.
وقال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ".
وفي بعض هذه الروايات: ( يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا ).
فهل طلبهم هذا من جنس الشرك الأكبر أم الأصغر؟
ومجرد تعليق سيف على شجرة للتبرك، لا يلزم منه أن صاحبه يساوي هذه الشجرة بالله تعالى، والخبر لم يبيّن قصد هؤلاء الطالبين، فلذا اختلف أهل العلم في توجيه طلبهم هذا، بحسب ما ظهر لكل واحد منهم من قرائن قد تشير إلى قصدهم.
فاختلف أهل العلم في توجيه ذلك:
فبعضهم رأى أن هذا من الشرك الأكبر؛ لأن أهل الشرك كانوا يصرفون بعض العبادات لذات أنواط، كالاعتكاف والتعظيم وطلب البركة منها، وهم طلبوا التشبه بهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: ( سُبْحَانَ اللهِ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ )، ففي كل هذا اشارة إلى أنهم قصدوا من طلبهم أن يجعل لهم شجرة يصرفون إليها بعض العبادات، وفي هذا نوع مساواة للشجرة بالله تعالى، وهذا من الشرك الأكبر.
وكذا من صفة شرك أهل الجاهلية: أنهم جعلوا ما يعظمونه وسائط وشفعاء بينهم وبين الله تعالى، ويصرفون إليهم أنواع العبادات، فإن كان الطلب على هذا الوجه، فلا شك أنه من الشرك الأكبر.
قال ابن القيم، رحمه الله:
«فإذا كان اتخاذُ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها، اتخاذَ إله مع الله، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها؛ فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به ودعائه، والدعاء عنده؟
فأيّ نِسبَةٍ للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون!
قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سِدْرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويَرجُون البُرءَ والشفاء من قِبَلها، ويَضْربُون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذاتُ أنواط، فاقطعوها.». انتهى، من "إغاثة اللهفان" (1/ 372)، وينظر (2/1075) منه.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي، رحمه الله:
«ولم يكن ذلك شكا منهم في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب به إلى الله.
وشبه صلى الله عليه وسلم مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان؛ فالمعنى واحد. فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
فدل على أن التبرك بالأشجار والأحجار: شرك أكبر، لتسويته صلى الله عليه وسلم بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل، وحلف صلى الله عليه وسلم على ذلك، وإن لم يستحلف، مزيد تحذير وكمال شفقة، وتأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له، فإن التبرك بالأشجار والأحجار يجعلها آلهة، وإن لم يسموها آلهة، فما يفعله من يعتقد فيها من التبرك بها، والعكو». انتهى، من حاشية كتاب التوحيد (ص94).
وعلى القول بأن هذا الفعل: من الشرك الأكبر؛ فإن من طلبوا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، لم يكونوا قد وقعوا في الشرك بمجرد مقالهم هذا؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وفيهم الأعراب، ومن لا علم له؛ فنبههم النبي صلى الله عليه وسلم، فانتبهوا، ولم يخالفوا أمره.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى:
"وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم والنذر ونحو ذلك تعظيما ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك.
وفيها: أن من عُبِد فهو إله، لأن بني إسرائيل والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، لم يريدوا من الأصنام والشجرة الخلق والرزق، وإنما أرادوا البركة، والعكوف عندها، فكان ذلك اتخاذا إله مع الله تعالى.
وفيها: أن معنى الإله هو المعبود، وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلا، فنهي عن ذلك، فانتهى: لا يكفر... " انتهى. "تيسير العزيز الحميد" (ص 353 - 354).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن يحيي المعلمي، رحمه الله:
"والظاهر أن الذين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: "اجعل لنا ذات أنواط" لم يكونوا يعلمون أن اتخاذها من اتخاذ إله مع الله تعالى.». رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن "آثار المعلمي" (2/ 151).
ومن أهل العلم من رأى طلبهم هذا من جنس الشرك الأصغر؛ ورأى أنهم لم يقصدوا صرف العبادة إلى هذه الشجرة ومساواتها بالله تعالى في أمر من أمور الألوهية أو الربوبية؛ وإنما قصدوا مشابهة المشركين في الصورة فقط، و أن تكون سببا تحل عليهم عندها البركة من الله تعالى.
وهذا ما قد يفهم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال رحمه الله تعالى:
" ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ: ( سُبْحَانَ اللهِ، قلتم كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ )، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم ).
فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم؛ فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ " انتهى. "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" (2 / 157).
وإليه أشار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى؛ حيث قال:
"أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا" انتهى. " كتاب التوحيد" (ص 152).
قال الشيخ صالح العصيمي:
" قوله رحمه الله: " الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الشّرْكَ فِيهِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا بِذَلِكَ " لأنّهم سألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط طلبا للتّبرّك بها، لا على اعتقاد كونها مستقلّة بالتّأثير.
وهذا شرك أصغر كما سبق، لأنّ جعل شيء من الأسباب سببا للبركة، ممّا لم يأذن به الشّرع: هو من جملة الشّرك الأصغر.
وقد صرّح المصنّف رحمه الله تعالى ههنا بكون ما فعله الصّحابة من هذا الجنس، وأخرجه من كونه شركا أكبر.
بخلاف ظاهر كلامه في "كشف الشّبهات"، فإنّ ظاهر كلامه في "كشف الشّبهات" أنّهم طلبوا أمرا عظيما، هو من الشّرك الأكبر، ولكنّهم لم يرتدّوا؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهاهم، فلم يفعلوا، ولو فعلوا لوقعوا في الشّرك الأكبر.
فيكون لإمام الدّعوة رحمه لله في تحقيق الشّرك الواقع في هذه الحكاية قولان:
أحدهما: أنّه شرك أصغر، وهو الذي ذكره في "كتاب التّوحيد".
والآخر: أنّه شرك أكبر، وهو الذي ذكره في كتاب "كشف الشّبهات"... " انتهى. "تقريرات على كتاب التوحيد – مفرغا" (ص 47).
وقال الإمام الشاطبي، رحمه الله:
" وفي الحديث .. عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقال رجل: يا رسول الله! كما فعلت فارس والروم؟ قال: وهل الناس إلا أولئك) ..
فقوله: (حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها): يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به.
إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها.
فالذي يدل على الأول قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم)، الحديث، فإنه قال فيه: (حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لاتبعتموهم).
والذي يدل على الثاني قوله: (فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، فقال عليه السلام: هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها)" الحديث.
فإن اتخاذ ذات أنواط: يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله؛ لا أنه هو بنفسه.
فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه؛ ما لم ينص عليه [أنه] مثله من كل وجه، والله أعلم". انتهى، من "الاعتصام" (2/751).
فالحاصل؛ أن هؤلاء الطالبين لشجرة كذات أنواط؛ لم يرد في الخبر تصريحهم بمقصدهم ومعتقدهم في هذا الطلب، لذا تباينت أقوال أهل العلم في حكم هذا الطلب.
الخلاصة:
أن كل أمر يناقض أصل التوحيد، وذلك بإعطاء صفة من خصائصه سبحانه وتعالى في ألوهيته وربوبيته لمخلوق، فهذه المساواة شرك أكبر.
وأما إن كان الأمر الذي وصفه الشرع بالشرك، ليس فيه إضفاء صفة من صفات الربوبية أو الألوهية على المخلوق، وإنما يشير إلى ضعف التوحيد الواجب ونقصه، كاتخاذ أسباب ليست بأسباب لا شرعا ولا كونا واعتقاد، أن الله تعالى جعل فيها نوع تأثير غيبي ونحو هذا، فهذا شرك أصغر ووسيلة إلى الوقوع في الشرك الأكبر، ومن ذلك تعليق التمائم فغالب الناس يقصدون من تعليقهاأنها سبب للنفع والضر والله تعالى لم يجعلها كذلك لا كونا ولا شرعا.
وكذا ما ورد في قصة ذات أنواط إن كان هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لم يقصدوا إلا أن تكون الشجرة سببا لحلول البركة فهو من باب الشرك الأصغر، وإن قصدوا أن يعاملوها كمعاملة أهل الشرك لذات أنواط فهذا الطلب من جنس الشرك الأكبر لكنهم عذروا ولم يحكم بردتهم لعدم علمهم وجهلهم بحكم ذلك لأنهم دخلوا في الإسلام حديثا.
وأظهر القولين في فعلهم أنهم طلبوا مجرد المشابهة، بقطع النظر عن حقيقة ما يفعله الكفار بأشجارهم؛ وإنما استعظم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلكوا مسلك الكافرين، وأن يتشبهوا بهم، وهو لا يزال بين أظهرهم، والوحي ينزل عليه. وقد أخبرهم أن مثل ذلك حاصل في أمته.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟