اذا كان الرسم العثماني توقيفيًا فلماذا أضافوا التشكيل والنقط؟

السؤال 527300

قد علمنا أن القرآن غير مسموح بالتلاعب به، سواء بالحذف أو بالإضافة، كيف إذا تم قبول التشكيل وإضافته على الحروف في القرآن، وإضافة الألف الخنجرية، وما إلى ذلك؟ أرجو توضيح الأسباب المنطقية لذلك.

ملخص الجواب

ينبغي أن يفرّق بين رسم الحروف، فلا يجوز تغييرها، وبين التنقيط وضبط التشكيل كالحركات والألف الخنجرية ، فقد أجازها كثير من أهل العلم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

الألف الخنجرية: هي ألف يشار بها للمد، وتوضع في مواضع حذف الألف؛ مثل: (ٱلۡعَٰلَمِينَ)، (ٱلرَّحۡمَٰنِ)، (مَٰلِكِ)، (ٱلصِّرَٰطَ) ، (صِرَٰطَ).

انظر: إجابة رقم (278624).

ثانيًا:

ينبغي أن يفرّق بين رسم الحروف، وبين النَّقْط، وضبط التشكيل، كالحركات والهمزة والتشديد، وعلامات التجويد، وعلامات الوصل والوقف، وعلامات ختم الآية، وكتابة الأعشار والأخماس، وأسماء السور، وعدد الآيات وعلامة السجدة.

فرسم الحروف: لا يجوز تغييره؛ وهذا هو مرادهم بـ"الرسم العثماني".

وأما إضافة النقط (الإعجام)، والحركات والألف الخنجرية ...الخ فهذه لما شاع اللبس والإشكال في قراءة المصاحف، أضافها العلماء بما لا يغيّر رسم الحروف.

والألف الخنجرية أصبحت ضرورية كالتنقيط.

وقد ذهب جمهور العلماء، (وهو المقرر عند المتقدمين) إلى وجوب اتباع الرسم العثماني عند كتابة حروف المصحف، وأنه لا تجوز مخالفته، لأنه اصطلاح اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم، وأجمعوا عليه، وتلقته الأمة بالقبول، فلا يجوز العدول عنه.

قالوا: إن هذا الرسم توقيفي. انظر: أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني 1/ 170 وتفسير القرطبي 13/ 353.

وهو الرسم الذي ارتضاه الخلفاءُ الراشدون، فيجب اتباعهم في ذلك.

لحديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ رواه أبو داود(3991)، والترمذي (2600)، وابن ماجه (42)، وصححه الألباني

وقالوا: قد أجمعت الأمة من العصور الأولى على اتباع هذا الرسم، وقد نقل الإجماع عدد من العلماء كأبي عمرو الداني وغيره كما سيأتي. وما ذكر خلاف ذلك عن أهل العلم فهو متأخر عن الإجماع.

ومن نصوص العلماء على وجوب الأخذ به:

قال أبو عمرو الداني - بإسناده- ". . . قال أشهب: سئل مالك فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفًا اليوم؛ أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟

فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكِتْبَة الأولى.

قال أبو عمرو: ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة" انتهى من "المقنع في رسم مصاحف الأمصار" (ص: 19).

قال السيوطي رحمه الله: "وقال أبو عمرو الداني في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن الواو والألف، أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك؟

قال: لا.

قال أبو عمرو: يعني الواو والألف والمزيدتين في الرسم، المعدومتين في اللفظ؛ نحو الواو في "أولوا". انتهى من "الإتقان في علوم القرآن" (1/ 168).

انظر: إجابة رقم (588017).

قال ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن (4/395): "فإن خط المصحف أصل ثابت بإجماع الصحابة" انتهى.

وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله بعد ذكر كلام الإمام مالك رحمه الله: "قال بعض أئمة القراء: ونسبته إلى مالك، لأنه المسئول، وإلا فهو مذهب الأئمة الأربعة.

وقال بعضهم: والذي ذهب إليه مالك هو الحق؛ إذ فيه بقاء الحالة الأولى إلى أن يتعلمها الآخرون، وفي خلافها تجهيل آخر الأمة- أولهم" الفتاوى الفقهية الكبرى 1/ 38.

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "تحرم مخالفة خط عثمان في واو وياء وألف وغير ذلك" انتهى من "الآداب الشرعية" (2/283).

وقال البيهقي في شعب الإيمان (4/ 219):"من كتب مصحفا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا؛ فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم، ولا تسقطا لهم" انتهى.

وقال البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (1/136):

"(وتحرم مخالفة خط عثمان) بن عفان رضي الله عنه (في) رسم (واو وياء وألف وغير ذلك)، كمد التاء وربطها؛ (نصًّا) -أي: نص عليه الإمام أحمد - لقوله - صلى الله عليه وسلم - عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي. الحديث.

ولأن قول الصحابي، ما يخالف القياس: توقيف" انتهى.

أما إضافة التنقيط وتشكيل الحروف، والألف الخنجرية، فقد أجازها طائفة من أهل العلم، بسبب كثرة اللحن عند الناس، وللضرورة في ذلك.

وقد تنازع العلماء في عصر التابعين وتابعيهم في كراهة نقط المصاحف وتشكيلها، على قولين مشهورين ، وقد ذكر الإمام أبو عمرو الداني رحمه الله استقرار جميع الأمصار بعد ذلك على الجواز.

في النقط لأبي عمرو الداني رحمه الله: أن أول من وضع الحركات والتنوين أبو الأسود الدؤلي وكانت نقطا، وذلك أنه أراد أن يعمل كتابا في العربية يقوّم الناس به ما فسد من كلامهم؛ إذ كان ذلك قد فشا في خواص الناس وعوامهم، فأحضر من يمسك المصحف وأحضر صبغا يخالف لون المداد، وقال للذي يمسك المصحف عليه: إذا فتحت فايَ فاجعل نقطة فوق الحرف، وإذا كسرت فاي فاجعل نقطة تحت الحرف، وإذا ضممت فاي فاجعل نقطة أمام الحرف، فإن أتبعت هذه الحروف غنة، يعني تنوينا، فاجعل نقطتين. حتى آتي على آخر المصحف.

وقيل إن أول من فعل ذلك نصر بن عاصم الليثي، ثم إن الخليل بن أحمد طور ذلك حيث اخترع الحركات المأخوذة من الحروف.

وقال أبو عمرو الداني رحمه الله: "وروينا أن ابن سيرين كان عنده مصحف، نقطه يحيى بن يعمر، وأن يحيى أول من نقطها، وهؤلاء الثلاثة من جلّة تابعي البصريين.

وأكثر العلماء على أن المبتدئ بذلك أبو الأسود الدُّئِلي، وجعل الحركات والتنوين لا غير، وأن الخليل بن أحمد هو الذي جعل الهمز والتشديد والرَوم والإشمام.

وقد وردت الكراهة بنقط المصاحف عن عبد الله بن عمر، وقال بذلك جماعة من التابعين.

وروينا الرخصة في ذلك من غير واحد منهم، قال: عبد الله بن وهب عن نافع بن أبي نعيم قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن شكل القرآن في المصحف، فقال: لا بأس به.

قال ابن وهب: وحدثني الليثي قال: "لا أرى بأسا بنقط المصحف بالعربية".

قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول: "أما هذه الصغار التي يتعلم فيها الصبيان، فلا بأس بذلك فيها، وأما الأمهات فلا أرى ذلك".

قال أبو عمرو: "والناس في جميع أمصار المسلمين، من لدن التابعين إلى وقتنا هذا: على الترخّص في ذلك، في الأمهات وغيرها، ولا يرون بأسا برسم فاتح السور، وعدد آيها، ورسم الخموس والعشور في مواضعها؛ والخطأ مرتفع عن إجماعهم.

وقد ذكرنا الأخبار الواردة بذلك كله لدينا عن المتقدمين من التابعين وغيرهم في كتابنا المصنّف في النقط" انتهى.

انظر: كتاب النقط لأبي عمرو الداني (المطبوع مع المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) ص129، الإتقان في علوم القرآن ص 218، 219.

قال ابن تيمية رحمه الله: "لم يكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها. وأيضا كانوا عربا لا يلحنون؛ فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط، وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل: يعملون وتعملون، فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الأخرى.

ثم إنه في زمن التابعين لما حدث اللحن، صار بعض التابعين يشكل المصاحف، وينقطها. وكانوا يعملون ذلك بالحمرة، ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف، والكسرة بنقطة حمراء تحته، والضمة بنقطة حمراء تحته، والضمة بنقطة حمراء أمامه. ثم مدوا النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك " شد "؛ ويعملون المدة بقولك " مد "، وجعلوا علامة الهمزة تشبه العين؛ لأن الهمزة أخت العين.

ثم خففوا ذلك، حتى صارت علامة الشدة مثل رأس السين، وعلامة المدة مختصرة، كما يختصر أهل الديوان ألفاظ العدد وغير ذلك، وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا، فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل " أنا " وعلى شكل " ثنا ".

وتنازع العلماء: هل يكره تشكيل المصاحف وتنقيطها؟

على قولين معروفين، وهما روايتان عن الإمام أحمد.

لكن لا نزاع بينهم: أن المصحف إذا شكل ونقط وجب احترام الشكل والنقط، كما يجب احترام الحرف" انتهى من "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 12/ 101، 102.

وانظر: بحث د.عبد الله المطلق: كتابة القرآن الكريم بخط برايل للمكفوفين مجلة البحوث الإسلامية (66/ 337)

والله أعلم.

المراجع

القرآن وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android