لا بأس بإجازة من به خلل يسير في حروف الصفير، وقد أتقن القرآن وأحكام التجويد.. وغاية ما في الأمر أن ينص على موضع اللثغة، كما ذهب إليه بعض القراء، وإن لم يكن ذلك متفقا على لزومه.
هل تجوز إجازة الألثغ بالقرآن؟
السؤال 522671
أنا بفضل الله خاتمة ومتقنة لأحكام التلاوة، غير أن عندي لثغة بسيطة في حروف الصفير.
ومعلمتي متوقفة عن إعطائي الإجازة حتى أحضر لها فتوى بجواز الإجازة لي ، فما حكم إعطائها لي وما نص الإجازة الذي تكتبه في حالتي؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
مبارك لك الختمة، ونسأل الله لك التوفيق وأن يضاعف حسناتك، ويجعلك من أهل القرآن ممن حفظ القرآن، وأتقنه، وفهمه، وتدبره، وعمل به وعلّمه،، ودعا به، ودعا إليه.
(دعا به): امتثالا لقول الرسل (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي) الأعراف/62.
ثانيًا:
ينبغي أن تجتهد الطالبة في تحسين لثغة الصفير ، فقد وقفنا على من كان به لثغة يسيرة في الصفير فمع الرياضة وتكرار التعلم ذهبت عنه اللثغة وصار من كبار المقرئين في المسجد النبوي تبارك الله.
ثالثًا:
قد يكون عند طالب الإجازة في القرآن عيب في نطق بعض الحروف، وهذا العيب قد يكون خِلْقيًا، وقد يكون لعلةٍ طارئة.
وقد اختلف القراء المعاصرون فيمن به عيب في نطق بعض الحروف إلى عدة اتجاهات:
الاتجاه الأول:
لا تصح إجازته لفقده القراءة الصحيحة. انظر: الإجازة القرآنية كما يريدها العلماء، فهد الميموني (ص/68).
الاتجاه الثاني:
لا بأس بإجازة من به لثغ يسير ، ولا حاجة للنص على الخطأ في الإجازة، ففيه أذية للطالب وتنفيره عن الإفادة.
الاتجاه الثالث:
تصح إجازته، ويقال فيه عيب خَلقي في حرف كذا. (انظر: الإجازات الأهلية وضرورتها في تلقي القرآن الكريم، لكمال قدة، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية (ص/116)). وهذا قول أكثر قراء هذا الزمان.
قال الشيخ أيمن سويد:
" حكم إجازة الألثغ؟
هذه قد سألني عنها أستاذي عبد العزيز عيون السود (سؤالًا تعليميًا):
"لو جاءك طالب وأتقن القراءة كلها إلا حرفًا واحدًا، ماذا تفعل؟ أتجيزه أم لا تجيزه؟"
قلت له: "سيدي، والله ما أعرف"
فقال لي:
"تجيزه، وتنص في الإجازة، تقول: وعنده الحرف الفلاني يجيد وصفه ولا يجيد نطقه."
مثلاً: لو أن أحد إخواننا الذين لا يستطيعون أن ينطقوا حرف الراء، فيقول مثلًا: "اغّحمن اغّحيم،"
وأتقن كل التلاوة، ويجيد وصف حرف الراء، يقول مثلًا: "اغّاء تخرج من طرف اللسان" ؛ يعني هو يصف وصفا دقيقا، لكنه لا يستطيع نطقها.
وإذا قُرئت أمامه الراء الصحيحة ميزها من الراء غير الصحيحة، فهذا يُجاز ويُنص في الإجازة.
ويقاس عليه بقية الحروف.
حقيقة كلنا عرضة لهذا؛ فإذا سقطت أسناننا صرنا مثل الألثغ، فهل نفقد الأهلية في التعليم؟
نصير مثله؛ نجيد وصفه ولا نجيد نطقه، والله أعلم" انتهى.
الاتجاه الرابع:
حكم إجازتها لنفسها: ليس فيها حرج، وإنما لا تجوز أن تقرئ غيرها لأنها ليست مؤهلة لتعليم الغير، ويكتب لها هذا التفصيل في الإجازة..
وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، فقال:
إذا كان الخلل يسيرًا؛ كالخلل في نطق بعض الحروف فيعطى الطالب الإجازة بشروط:
الأول: أن يستطيع الطالب أن يصلح هذه الأخطاء في غيره.
الثاني: أن ينص الشيخ على ذلك في الإجازة.
الثالث: ألا تكون هذه الأخطاء في كل الحروف أو أكثرها.
انظر: الإجازات والأسانيد في القراءات ، مصطفى الوراقي (ص/166).
وانظر: رسالة دكتوراه/ الإجازة وأحكامها عند القراء (ص/516)، د. هارون كِيحَل.
ويتوجه في الشرط الأول، أن يُقال بدلا عنه: أن لا يؤثر على تلميذه بسبب خطئه.
حتى يشمل فيما لو قرأ عليه من كان قد قرأ على شيخ قبله وأتقن القراءة، وقد يلقنه بصوت مسجل لأحد قراء العصر، وحتى يشمل من كان من القراء لا يستطيع أن يصلح قراءة تلميذه إلا برفض الخطأ حتى يأتي الطالب بالصواب.
وإذا استثنى الحرف الذي عليه فيه ملاحظة فقد أتى بما يطابق الواقع.
والطالب المتقن للقرآن ولأحكام التجويد وقد عجز عن نطق حرف بسبب عجز خَلقي فقد أدى وسعه (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286.
فالحاصل:
لا بأس بإجازة من به خلل يسير في حروف الصفير، وقد أتقن القرآن وأحكام التجويد..
وغاية ما في الأمر: أن ينص على لثغته في الإجازة، فيقال في الإجازة: "إن الطالبة قد أتقنت الأحكام، إلا ما كان من لثغة يسيرة (خَلقية) في حروف الصفير".
والأشبه عندنا: أنه لا يلزم النص على اللثغة في الإجازة، لما فيها من نوع الأذية، لا سيما للطالب المبتدئ، مع عدم الحاجة إليها؛ فإن اللثغة أمرها لا يخفى، ولا تختلط بخطأ القراءة عند الشيخ ولا عند التلميذ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها؛ فلا معنى لأن ينص على أنه لم يصلح، ما لم يمكنه إصلاحه، أو لم يتقن الموضع الذي يعجز عن إتقانه؛ فهذا مفهوم!
وبحسبه أن يدل الطالب الذي يقرأ عليه، إذا أخطأ في نفس الموضع: أنه أخطأ، وبإمكانه أن يسمعه الصواب من شيخ آخر، أو من قراءة مسجلة لشيخ متقن، ونحو ذلك.
وقد وُجد من الأئمة القرّاء المتقدمين، من قد تلقّى القراءاتَ عن أشياخه، إلا أن في لسانه لُكنة؛ قال الامام ابن الجزري رحمه الله في إحدى تراجم شيوخه من أهل القراءات في كتابه "غاية النهاية في طبقات القراء" (1/168):
"إسماعيل بن محمد بن علي بن عبد الله بن هاني الأندلسي الغرناطي شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة شرف الدين أبو الرشيد المالكي، ...، وأخذ القراءات عن القيجاطي، وخرج من الأندلس بعد الثلاثين، فقدم مصر، واجتمع بأبي حيان فعظمه كثيرًا ..، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به كثيرًا، على لُكنة من لسانه، لا يَعرف كلامَه إلا مَن أكثر ملازمته، بلغني أن ذلك من ضربة وقعت في رأسه في الجهاد" انتهى.
وفي جامع أسانيد ابن الجزري (ص/193): "وكان في لسانه لثغة لا يقدر أن يلفظ بكثير من الأحرف" انتهى.
وقد يحصل هذا عند بعض القراء مع كبر سنهم وتساقط أسنانهم أو مع تركيب الأسنان.
عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما قال: خَرَجَ علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ونحن نقرأُ القرآنَ وفينا الأعرابي والعَجَمي، فقال: "اقرَؤوا، فكُل حَسَنٌ، وسيَجيءُ أقوام يُقِيمُونَه كما يقامُ القِدْحُ، يَتَعجلونَه ولا يَتأجّلونَه" رواه أحمد (23/ 415)، وأبو داود (830)، وقال ابن كثير: في الأحكام الكبير(2/433): "لا بأس بإسناده وله شاهد"، ، وصححه الألباني.
(وفينا الأعرابى والعَجَمي) أي: أن قراءتهم لم تكن واحدة، ولم يكونوا في الفصاحة على رتبة واحدة.
في عون المعبود (3/ 42):
"(فقال اقرؤوا) أي كلكم (فكل حسن): أي فكل واحدة من قراءتكم حسنة مرجوة للثواب، إذا آثرتم الآجلة على العاجلة، ولا عليكم أن لا تقيموا ألسنتكم إقامة القِدح: وهو السهم قبل أن يراش. (وسيجيء أقوام يقيمونه) أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته. (كما يقام القدح): أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة.
قال الطيبي: وفي الحديث رفع الحرج، وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر، وتحري الحسبة والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن والغوص في عجائب أمره.
(يتعجلونه) أي ثوابه في الدنيا (ولا يتأجلونه) بطلب الأجر في العقبى بل يؤثرون العاجلة على الآجلة ويتأكلون ولا يتوكلون" انتهى
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟