لماذا لا تتخذ خاصية "جوامع الكلم" وسيلة لتمييز الحديث الصحيح من الضعيف؟

السؤال: 509082

أردت أن أسأل بخصوص أن الرسول عليه الصلاة والسلام أعطاه الله معجزة جوامع الكلم، فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أحاديثه يتكلم بجوامع الكلم؟ وإذا الجواب نعم، فلماذا لم يستطع العلماء التمييز بين الحديث الصحيح والضعيف من خلال معجزة جوامع الكلم، فالحديث الذي فيه جوامع كلم للرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث الذي ليس فيه جوامع كلم ليس للرسول صلى الله عليه وسلم؟

ملخص الجواب

حديث: (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ): لا يصلح معيارا لنقد الأحاديث؛ لأن المراد به آيات القرآن الكريم، وعلى قول من يرى دخول كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فهي تتناول بعض كلامه صلى الله عليه وسلم، وليس كله.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

روى البخاري (7273) ومسلم (523) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي ).

وقد اختلف كلام أهل العلم في بيان المقصود بـ ( جَوَامِعِ الْكَلِمِ ):

فقيل: المقصود بها هو القرآن الكريم.

قال الأزهري رحمه الله تعالى:

"قول النَّبِي صلى الله عليه وسلم (أوتيتُ ‌جوامعَ ‌الكَلِم): يعني القرآن، وما جمع الله عز وجل بلطفه من المعاني الجمّة في الألفاظ القليلة، كقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ" انتهى. "تهذيب اللغة" (1 / 402).

وتبعه على هذا الهروي رحمه الله تعالى، حيث قال:

"وفي الحديث: (أوتيتُ ‌جوامعَ ‌الكَلِم) يعني القرآن، جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة" انتهى. "الغريبين" (1 / 365).

وقد قال بهذا جمع من أهل العلم.

وعلى هذا التفسير يمكن أن يحمل قول الزهري الوارد فيما رواه البخاري (7013): عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أخبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي).

قالَ مُحَمَّدٌ [ بن شهاب؛ الزهري]: "وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ: أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الأُمُورَ الْكَثِيرَةَ، الَّتِي كَانَتْ ‌تُكْتَبُ ‌فِي ‌الْكُتُبِ قَبْلَهُ، فِي الأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ".

وعلى هذا القول، فلا مدخل لنقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من ضعيفها، بالاعتماد على هذا الوصف: (جوامع الكلم).

ثانيا:

وأما كلامه صلى الله عليه وسلم هل هو مقصود بجملة: (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ)؟

في هذا خلاف بين أهل العلم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" دخول القرآن في قوله: ( بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ) لا شكّ فيه.

وإنّما النّزاع: هل يدخل غيره من كلامه، من غير القرآن؟" انتهى. "فتح الباري" (13 / 248).

فذهب جمع من أهل العلم إلى أن غير القرآن من كلامه صلى الله عليه وسلم، قد يدخل في "جوامع الكلم"، كما يشير إلى هذا ما رواه الإمام مسلم (1733) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ( بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ.

قَالَ: ( وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، بِخَوَاتِمِهِ، فَقَالَ: أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ ).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

" فجوامع الكلم التي خُصّ بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم، نوعان:

أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله عز وجل: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ). قال الحسن: لم تترك هذه الآية خيرا إلّا أمرت به، ولا شرّا إلّا نهت عنه.

والثّاني: ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو منتشر موجود في السّنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم " انتهى. "جامع العلوم والحكم" (1 / 55).

لكن على هذا الرأي أيضا لا يمكن أن تكون خاصة جوامع الكلم ضابطا ومعيارًا لنقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من ضعيفها؛ لأمور:

الأمر الأول:

أن كون النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم؛ فهذا متعلق بشطر من كلامه صلى الله عليه وسلم، وهو ما صدر لبيان قاعدة و ضابط.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وكلماته الجامعة: هي القواعد الكلية، وهي الألفاظ العامة، وهي ضوابط شرعه وقوانين دينه " انتهى. "الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق" (1 / 84).

وقال رحمه الله تعالى:

"وإذا كان أهل المذاهب جعلوا لهم قواعد يضبِطون بها ما يحلّ ويَحرم، فالله ورسوله أقدر على ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بُعِثتُ بجوامع الكلمِ)، فهو يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة ‌عامة ‌وقضية ‌كلّية ‌تجمع ‌أنواعا وأشخاصا، كقوله لما سُئِل عن أنواع الأشربة؛ كالبِتع والمِزْرِ، وكان قد أُوتيَ جوامعَ الكلم، فقال: (كل مُسكرِ حرام).

والكتاب والسنة مَلَانُ [كذا] من هذا، كقوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، وقوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ، وقوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، إلى غير ذلك من النصوص" انتهى. "جامع المسائل" (2 / 275).

فليس كل كلامه صلى الله عليه وسلم كان يصدر لبيان القواعد الجامعة، بل كثير من كلامه صلى الله عليه وسلم كان ككلام سائر البشر، كما يكون من كلامه صلى الله عليه وسلم في تصرفاته اليومية التي لا حاجة لأن يكون الكلام فيها من الجوامع.

الأمر الثاني:

أن شطرا كبيرا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي بلغتنا، بلغتنا معانيها بألفاظ الصحابة، أو الرواة، كالسنن الفعلية، أو التقريرية نقلها الصحابة بألفاظهم وتعبيراتهم.

ومن سنته صلى الله عليه وسلم القولية ما هو مروي بالمعنى، وليس بالألفاظ ذاتها التي تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر معلوم في علم الحديث، وكان يجيزه كثير من أئمة الحديث ورواته.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

" قال الترمذي - رحمه الله -:

" فأما من أقام الإسناد، وحفظه وغير اللفظ: فإن هذا واسع عند أهل العلم، إذا لم يتغير به المعنى"...

مقصود الترمذي بهذا الفصل الذي ذكره ههنا: أن من أقام الأسانيد وحفظها، وغير المتون تغييرا لا يغير المعنى؛ أنه حافظ ثقة يعتبر بحديثه.

(وبنى ذلك على): أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وحكاه عن أهل العلم، وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء. ونص عليه أحمد، وقال: ما زال الحفاظ يُحَدِّثون بالمعنى.

وإنما يجوز ذلك: لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنى، وما لا يحيله. نص على ذلك الشافعي " انتهى. "شرح علل الترمذي" (1 / 425 – 427).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النّبويّة: حديث عائشة: ( كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) … إلى غير ذلك ممّا يكثر بالتّتبّع.

وإنّما يسلّم ذلك فيما لم تتصرّف الرّواة في ألفاظه، والطّريق إلى معرفة ذلك: أن تقلّ مخارج الحديث، وتتّفق ألفاظه.

وإلّا؛ فإنّ مخارج الحديث إذا كثرت؛ قلّ أن تتّفق ألفاظه، لتوارد أكثر الرّواة على الاقتصار على الرّواية بالمعنى، بحسب ما يظهر لأحدهم أنّه واف به … " انتهى. "فتح الباري" (13 / 248).

الأمر الثالث:

أن أهل العلم من السلف، وخاصة كبار الصحابة رضوان الله عليهم: لشدة فقههم، وتمكن العلم في قلوبهم، ربما عبروا عن العلم الكثير، بعبارات جامعة مختصرة، داخلة في باب جوامع الكلم.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وانظر إِلَى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه.

وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم.

وكذلك تابعو التابعين، كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم.

فليس العِلْم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يَفْهَم به العبدُ الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات ‌وجيزة ‌محصلة ‌للمقاصد.." انتهى. "فضل علم السلف على علم الخلف، ضمن مجموع رسائل ابن رجب" (3/ 21).

ولهذا؛ فكثيرا ما يهِم الرواة في رفع قول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون الصواب أنه من كلام الصحابي أو التابعي.

الأمر الرابع:

أن في كل فن من فنون العلم: يرجع فيه إلى أهله الذين لهم خبرة به، وأئمة الحديث لا يرون طريقا لنقد الأحاديث والتمييز بين الصحيح والضعيف، إلا بنقد الأسانيد.

روى ابن عبد البر في "التمهيد" (1 / 251) بإسناده عن: أحمدَ بن حنبلٍ يقول: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول: "الإسنادُ من الدِّين. قال يحيى: وسمِعْتُ شعبةَ يقول: إنَّما يُعلَمُ صحَّةُ الحديثِ بصحَّةِ الإسناد" انتهى.

وروى الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2 / 102): عن يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قال: "لَا تَنْظُرُوا إِلَى الْحَدِيثِ، وَلَكِنِ ‌انْظُرُوا ‌إِلَى ‌الْإِسْنَادِ، فَإِنْ صَحَّ الْإِسْنَادُ؛ وَإِلَّا فَلَا تَغْتَرَّ بِالْحَدِيثِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ الْإِسْنَادُ" انتهى.

والخلاصة:

لتمييز صحيح الأحاديث من ضعيفها لا بد فيه من النظر في الأسانيد.

وأما حديث: (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ): فلا يصلح ذلك الاعتبار معيارا لنقد الأحاديث؛ لأنه قيل أن المراد بها آيات القرآن الكريم. وعلى قول من يرى دخول كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فهي تتناول بعض كلامه صلى الله عليه وسلم، وليس كله.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android