هو أول أولاد إبراهيم عليهما السلام ، وأمه هاجر، وكان رسولاً نبياً، وهو الذبيح ، ومن ذريته محمد صلى الله عليه وسلم، وأعان أباه في بناء الكعبة، كان باراً بأبيه، مستسلماً لأمر الله تعالى، تعلَّم أصل العربية من جرهم، وبعد تعلُّمه ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة، فنطق بها، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا.
التعريف بنبي الله إسماعيل عليه السلام
السؤال: 506331
أريد معلومات عن سيدنا إسماعيل عليه السلام.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا: نسب إسماعيل عليه السلام:
هو إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام.
وأمه هاجر رضي الله عنها، وهو أبو العرب المستعربة، ومن ذريته خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) رواه مسلم (2276).
وانظر: إجابة رقم: (224203).
ثانيًا: إسكان إسماعيل بمكة وقصة زمزم:
ثبت في صحيح البخاري قصة إسكان إبراهيم عليه السلام لزوجته هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، وسعي هاجر، وتفجّر زمزم.
روى البخاري في صحيحه (3364): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، ... ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا.
فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.
فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ نَعَمْ.
قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا.
ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ) [إبراهيم/ 37]- حَتَّى بَلَغَ – (يَشْكُرُونَ) [إبراهيم/ 37] .
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا -، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ -، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا "
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ
فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟
فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لاَ حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ.
قَالُوا: نَعَمْ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الإِنْسَ
فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ
قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا.
وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ اللَّحْمُ، قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ.
قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ
قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) [البقرة/ 127]، قَالَ: فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولاَنِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) [البقرة/ 127]".
ثالثًا: إسماعيل والذبيح:
قال الله تعالى : (فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ * فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ * وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ * وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ) الصافات/ 101-107. وانظر تفسير الآيات: إجابة رقم: (5522).
والصحيح: أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وليس إسحاق عليه السلام.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وفي الجملة فالنزاع فيها مشهور لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل وهذا الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
فهذه القصة تدل على أنه إسماعيل من وجوه: - (أحدها: أنه بشَّره بالذبيح، وذكر قصته أولا، فلما استوفى ذلك قال: (وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ * وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ) الصافات/112-113، فبين أنهما بشارتان: بشارة بالذبيح وبشارة ثانية بإسحاق وهذا بين... ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق أن الله تعالى قال: (فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ) هود/71، فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟ والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، ولا خلاف بين الناس أن قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب". "مجموع الفتاوى" (4/335).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في " البداية والنهاية" (1/442):
"وقد كان للخليل بنون ، ولكن أشهرهم الأخوَان النبيان العظيمان الرسولان، أسنهما وأجلهما، الذي هو الذبيح على الصحيح: إسماعيل؛ بِكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية، عليها السلام، من العظيم الجليل.
ومن قال: إن الذبيح هو إسحاق فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والإنجيل وخالفوا بأيديهم في هذا من التنزيل فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر، وفي رواية الوحيد.
وأيا ما كان؛ فهو إسماعيل بنص الدليل.
ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، وإنما ولد إسحاق بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل، فإسماعيل هو البكر لا محالة.
وهو الوحيد، صورة ومعنى، على كل حالة:
أما في الصورة: فلأنه كان وحده ولده أزيد من ثلاث عشرة سنة.
وأما أنه وحيد في المعنى: فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران، وهي الجبال التي حول مكة، نعم المقيل، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل، وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه، فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته؛ فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفيل.
فهذا هو الولد الوحيد، في الصورة والمعنى، ولكن أين من يتفطن لهذا السر؟ وأين من يحل بهذا المحل؟ والمعنى لا يدركه، ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل." انتهى.
وانظر: كلام ابن القيم وتأييده لابن تيمية رحمهما الله في "زاد المعاد" (1/71).
وانظر: إجابة رقم: (347041)، (108912).
رابعًا: صفات إسماعيل عليه السلام في القرآن:
كثيراً ما يذكر القرآن صفات الأنبياء لنقتدي بهم (أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ) الأنعام/90.
قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا مريم/54.
قال الطبري رحمه الله (15/ 561):
"واذكر يا محمد في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه، أو عبداً من عباده وعداً وفّى به" انتهى.
وفي قصة الذبيح يتبيّن لنا عظيم برّ إسماعيل بأبيه عليهما السلام، واستسلامهما لأمر الله تعالى.
خامسًا: أمره لأهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضياً :
قال الله تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا مريم/ 55.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعليقاً على الآية: "فالإنسانُ مَسؤولٌ عن أهلِه، مسؤولٌ عن تربيتِهم، حتى ولو كانوا صِغارًا إذا كانوا مميِّزينَ، أمَّا غيرُ الممَيِّزِ فإنَّه يُؤمَرُ بما يتحمَّلُه عَقلُه" انتهى من "شرح رياض الصالحين" (3/168).
عن الحَسَنِ قال: "من كان له واعِظٌ مِن نَفسِه، كان له مِنَ اللهِ حافِظٌ، فرَحِمَ اللهُ مَن وعَظَ نَفسَه وأهلَه، فقال: يا أهلي، صلاتَكم صلاتَكم، زكاتَكم زكاتَكم، جيرانَكم جيرانَكم، مساكينَكم مساكينَكم؛ لعلَّ الله أن يرحَمَكم يومَ القيامةِ؛ فإنَّ الله عزَّ وجَلَّ أثنى على عبدٍ كان هذا عَمَلَه، فقال: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا" أخرجه ابن أبي الدنيا في "النفقة على العيال" (333) (1/506).
وهذا يوافق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري (893)، ومسلم (1829).
قال الحافظ ابن كثير، رحمه الله، مجملا ما ورد في القرآن من كريم صفاته، وثناء الله عليه:
" وقد أثنى الله تعالى عليه، ووصفه بالحلم والصبر، وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة، والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب قال تعالى: فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين [الصافات: 101 - 102]. فطاوع أباه على ما إليه دعاه، ووعده بأن سيصبر، فوفى بذلك وصبر.
وقال تعالى: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا [مريم: 54 - 55].
وقال تعالى: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار [ص: 45 - 48].
وقال تعالى: وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين [الأنبياء: 85 - 86].
وقال تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط [النساء: 163]. الآية.
وقال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط [البقرة: 136]. الآية. ونظيرتها من السورة الأخرى.
وقال تعالى: أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله [البقرة: 140]. الآية.
فذكر الله عنه كل صفة جميلة، وجعله نبيه ورسوله، وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون، وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون". انتهى، من "البداية والنهاية" (1/443-444).
سادسًا: هل إسماعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية ؟
العرب نوعان: عرب عاربة: وهم جرهم والعماليق وأهل اليمن.
وعرب مستعربة: إسماعيل عليه السلام وأولاده.
فإسماعيل عليه السلام تعلَّم أصل العربية من جرهم، وبعد تعلُّمه ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة، فنطق بها.
قال ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (6/ 537):
"ويقال: إن قحطان أول من تكلم بالعربية، وهو والد العرب المتعربة.
وأما إسماعيل: فهو والد العرب المستعربة" انتهى.
وفي "لسان العرب" لابن المنظور (1/587): "واختلف الناس في العرب؛ لم سُمُّوا عربا؟
فقال بعضهم: أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب: يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة، ونشأ إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، معهم فتكلم بلسانهم، فهو وأولاده: العرب المستعربة، وقيل: إن أولاد إسماعيل نشؤوا بعربة، وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم.."انتهى.
قال ابن كثير رحمه الله في "البداية والنهاية" (1/ 283): "ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام: العرب العاربة. وهم قبائل كثيرة منهم: عاد، وثمود، وجرهم، وطسم، وجديس، وأميم، ومدين، وعملاق، وعبيل، وجاسم، وقحطان، وبنو يقطن، وغيرهم.
وأما العرب المستعربة : فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم، ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان، وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى.
روى الحاكم في المستدرك (4029) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَوُضِعَ الْكِتَابُ عَلَى لَفْظِهِ وَمِنْطِقِهِ، ثُمَّ جُعِلَ كِتَابًا وَاحِدًا مِثْلَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْمَوْصُولُ، حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُ: وَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ " وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: "عبد العزيز بن عمران واه" انتهى.
وعن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة) قال السيوطي في "الجامع الصغير" (ص: 4346): ("الشِّيرَازِيّ فِي الألقاب" عن علي).. وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (2581).
قال ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (6/403):
"ونشأ إسماعيل بين وُلدانهم، قوله: (وتعلَّم العربية منهم)، فيه إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيًّا.
وفيه تضعيف لقول من روى أنه أول من تكلَّم بالعربية، وقد وقع ذلك من حديث ابن عباس عند الحاكم في المستدرك، بلفظ: (أول من نطق بالعربية إسماعيل).
وروى الزبير بن بكار في النسب، من حديث علي بإسناد حسن، قال: (أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل).
وبهذا القيد يُجمع بين الخبرين، فتكون أوليَّته في ذلك بحسب الزيادة في البيان، لا الأوليَّة المطلقة.
فيكون بعد تعلُّمه أصل العربية من جُرهُم، ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة، فنطق بها.
ويشهد لهذا ما حكاه ابن هشام عن الشرقي بن قطامي: إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يَعرُب بن قحطان، وبقايا حِمير وجُرهُم.
ويَحتمِل أن تكون الأولية في الحديث مُقيَّدة بإسماعيل، بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم، فإسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم.
وقال ابن دريد في كتاب الوشاح: (أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان، ثم إسماعيل).
قلت: وهذا لا يوافق من قال: إن العرب كلها من ولد إسماعيل". انتهى.
قال المناوي رحمه الله في "فيض القدير" (2/ 203):
"فالمراد بها: الأولية المقيدة بزيادة البيان وأحكام إفصاح ذلك اللسان لا الأولية المطلقة فإنها ليعرب بن قحطان" انتهى.
وينظر جواب السؤال (458860)
سابعاً: كان إسماعيل رسولاً لأي قوم؟
قال ابن كثير رحمه الله في "قصص الأنبياء" (1/295):
"وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها ؛ من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن، صلوات الله وسلامه عليه.
ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وزوّج ابنته " نسمة " من ابن أخيه "العيص" بن إسحاق، فولدت له الروم، ويقال لهم بنو الأصفر؛ لصفرة كانت في العيص" انتهى.
- تنبيه:
تسمية الناس للحِجر بحِجر إسماعيل: تسمية لا أصل لها ، ولا علم لإسماعيل عليه السلام بهذا الحجر، فقد بنى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة بناء كاملا مشتملا على هذا الحجر .
ولم يثبت في حديث مرفوع أن هذا الحجر دفن فيه إسماعيل عليه السلام، أو دفنت فيه هاجر . لكن وردت آثار موقوفة بأسانيد ضعيفة واهية تفيد أن قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر .
وانظر في ذلك: "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" للشيخ الألباني رحمه الله ص 75 ، 76
وانظر: إجابة رقم: (22004).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟