هل تجوز الصلاة في مسجد يقومون فيه بأشياء بدعية؟

السؤال: 505189

ذهبت إلى مسجد قريب من بيتي لأصلي الفجر جماعة، وجدتهم قد أقاموا حلقة في أطراف المسجد، ويقرؤون القرآن جهرا بعد الأذان، وجلست انتظر لأكثر من ثلاثين دقيقة حتى انتهوا، وقاموا بعدها لأداء سنة الفجر، ثم الفرض، وعندما بحثت في الأمر، وجدت أنها بدعة، فهل أصلي وحدي في المنزل؟ أم انتظرهم حتى ينتهوا، ولا أظن أنني أستطيع نصحهم، فبماذا تنصحونني؟

ملخص الجواب

على فرض أن هناك بدعا وأخطاء فيجب عليك أن تصلي معهم جماعة وتنصحهم برفق.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

لم يظهر لنا وجه كون ما فعلوه بدعة. وقد سألنا من أهل العلم من في بلدكم فذكروا أنها ليست طقوساً، وإنما مجرد حلقة ذكر أو قراءة للقرآن توجد في بعض المساجد.

فلعلها حلقة حفظ أو تعليم للقرآن فيجهرون بقراءة القرآن.

وهذا لا حرج فيه، بل هو مشروع. انظر: إجابة رقم: (126868).

فإن كان المقصود أن أحدهم يقرأ ، والآخرون يستمعون، فهذا أمر لا بأس به، وله أصل من السنة.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي رواه البخاري (5049)، ومسلم (800).

ومثل ذلك أيضا : إذا قرأ بعض الجماعة قدرًا معينًا من السورة ، ثم توقف ، وأكمل الآخر من حيث توقف الأول : فهذه أيضا مشروعة ، وهي من صور القراءة بالإدارة .

قال النووي رحمه الله : " [فصل] في الإدارة بالقرآن، وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرا أو جزءا أو غير ذلك، ثم يسكت، ويقرأ الآخر من حيث انتهى الأول، ثم يقرأ الآخر.

وهذا جائز حسن. وقد سئل مالك رحمه الله تعالى عنه فقال: لا بأس به" انتهى، "التبيان في آداب حملة القرآن" (103) .

وأما إن كان المقصود أنهم يتلون القرآن جماعة بصوت واحد، فهذا مما اختلف فيه أهل العلم .

والأقرب: أنه إذا لم يكن هناك حاجة تدعو إلى ذلك ، من تعليم للتلاوة ، أو تحفيظ للمتحفظ ، ونحو ذلك: أنه يمنع منه ، لما يترتب عليها من تشويش ، ومنافاة قصد التلاوة من التدبر ؛ حيث يكون تركيز القراء في هذه الحالة على موافقة بعضهم البعض، وليس على معاني الآيات ، بل ربما غلب موافقة الجماعة في "الصوت" و"النغمة" ، على تصحيح تلاوته ، وإقامة حروف ما يقرؤه ، وهذا مشاهد. ولما فيه من مخالفة حال السلف ، أيضا .

سُئلت " اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء": " ما حكم قراءة القرآن في المسجد جماعة؟

فأجابت: السؤال فيه إجمال، فإذا كان المقصود أنهم يقرؤون جميعا بصوت واحد، ومواقف ومقاطع واحدة: فهذا غير مشروع، وأقل أحواله الكراهة؛ لأنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم .

لكن إذا كان ذلك من أجل التعليم، فنرجو أن يكون ذلك لا بأس به .

وإن كان المقصود أنهم يجتمعون على قراءة القرآن لتحفظه أو تعلمه، ويقرأ أحدهم وهم يستمعون، أو يقرأ كل منهم لنفسه، غير ملتق بصوته ولا بمواقفه مع الآخرين: فذلك مشروع؛ لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم.

وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

عبد الله بن قعود ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (4/112). وينظر: إجابة رقم: (282688).

ثانياً:

إن كان هناك مصلون في هذا الوقت، وكان جهر الجماعة بالقرآن مما يشوش على المصلين: فلا يجوز.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله:

"لا يجوز للمسلم أن يرفع صوته بالقراءة في المسجد أو غيره، إذا كان يشوش على من حوله من المصلين أو القراء، بل السنة أن يقرأ قراءة لا يؤذي بها غيره؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على الناس ذات يوم في المسجد وهم يرفع بعضهم الصوت على بعض بالقراءة فقال: أيها الناس كلكم يناجي الله فلا يرفع بعضكم صوته على بعض. أو قال: فلا يجهر بعضكم على بعض رواه أحمد ". انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (12/ 392).

ثالثاً:

تأخيرهم صلاة الفجر (السنة والفريضة) ثلاثين دقيقة : ليس مما يدخل في وقت الكراهة في شيء؛ بل ما زال الوقت في وقت فضيلته. علماً بأن الأحناف يرون استحباب ابتداء صلاة الفجر عند الإسفار، وبعد انتشار الضوء، قبل طلوع الشمس.

في "الدر المختار وحاشية ابن عابدين" (رد المحتار) (1/ 366):

"(والمستحب) للرجل (الابتداء) في الفجر (بإسفار والختم به) هو المختار" انتهى.

وفي "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (ص: 180):

"يستحب الإسفار" والتأخير للإضاءة "بالفجر" انتهى.

وجماعة المسجد قد يحتاطون لوقت الفجر، لا سيما وأن بعض أهل العلم يرون أن الأذان الموجود في التقويم في بعض البلدان متقدم، فيؤخرون سنة الفجر وصلاة الفجر احتياطاً، حتى يؤدوا صلاة الفجر في وقتها يقيناً، خروجاً من خلاف أهل العلم والفلكيين في وقت طلوع الفجر ، وعملهم بالاحتياط لا بأس به.

قال شهاب الدين المكي ، المالكي ، رحمه الله في "إرشاد السالك" (1/13): " وَمَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ : لَمْ يُصَلِّ ، وَيُؤَخِّرُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ ، دُخُولُهُ " انتهى .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "وأما الفريضة: فلا تصلى إلا بعد طلوع الفجر الصادق، للرجل والمرأة جميعا، وليس للمرأة إقامة ولا أذان، لكن متى طلع الفجر، وأذن المؤذن، سمعت الأذان تتأخر بعض الشيء ثم تصلي، لا تعجل حتى يمضي وقت، من باب الاحتياط، فإذا مضى وقت ربع ساعة، ثلث ساعة، أو نصف ساعة: صلت الفجر، ولا يلزمها التقيد بالمساجد، وأن تسمع الإقامة، صلاتها مستقلة، تصلي سواء سمعت الإقامة أو ما سمعت الإقامة، متى أذن ومضى وقت بعد الأذان ربع ساعة، ثلث ساعة؛ للاحتياط صلت الفريضة، وهكذا الظهر والعصر والمغرب والعشاء". "فتاوى نور على الدرب" لابن باز (7/ 76).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "بالنسبة لصلاة الفجر: المعروف أن التوقيت الذي يعرفه الناس الآن ليس بصحيح؛ فالتوقيت مقدم على الوقت بخمس دقائق على أقل تقدير، وبعض الإخوان خرجوا إلى البر فوجدوا أن الفرق بين التوقيت الذي بأيدي الناس وبين طلوع الفجر نحو ثلث ساعة، فالمسألة خطيرة جداً، ولهذا لا ينبغي للإنسان في صلاة الفجر أن يبادر في إقامة الصلاة، وليتأخر ثلث ساعة أو 25 دقيقة، حتى يتيقن أن الفجر قد حضر وقته" انتهى من "شرح رياض الصالحين" (5/ 88). وانظر: إجابة رقم: (311727).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " مسائل الاجتهاد: مَن عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر ، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه " انتهى من " مجموع الفتاوى " ( 20 /207 )، وانظر: إجابة رقم: (311727).

رابعاً:

مما قررناه سابقاً: يعلم أنه ليس هناك ما يُسمى بدعة ظاهرة في المسجد، فيجب عليك أن تصلي معهم جماعة في المسجد، ولا يجوز أن تصلي وحدك في المنزل.

انظر: جواب السؤال رقم: (8918)، ورقم: (120)

وعلى فرض أن هناك بدعا وأخطاء فيجب عليك أن تصلي معهم جماعة وتنصحهم برفق.

وقد روى البخاري (695) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ : "أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه، وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ؟

فَقَالَ: ‌الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا ‌يَعْمَلُ ‌النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ".

فانظر ذلك الفقه العالي، بل تلك النفس الرفيعة، والنصيحة البالغة؛ فهذا الإمام خارجي، خرج على عثمان، وحصره هو وجماعته في بيته، ومنعه حقه الشرعي، من إمامة الناس؛ وعثمان لا يرخص بترك الصلاة خلفه؛ فقط لا تشارك في بدعته، وضلالته، وإساءته!!

وينظر: سؤال رقم: (10268)، ورقم: (105644)، ورقم: (177352)، ورقم: (324817).

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android