القول بسدل اليدين في الصلاة المشهور عند المالكية، ليس عمدته أن الإمام مالك سدل يديه أثناء مرضه، فهذه القصة لم نقف لها على أصل، وإنما مستندهم قول للإمام مالك رواه عنه ابن القاسم في المدونة، وقد اختلف علماء المذهب في توجيهه.
ما مستند المالكية في السدل في الصلاة؟
السؤال 501946
السلام عليكم
رأيت في أحد من الفتاوى قي هذا الموقع:
"وقيل إنّ مالك رحمه الله ضُرب لما رفض القضاء فلم يستطع وضع يديه على صدره في الصلاة فأسدلهما للألم"
ما دليل هذا الكلام و أين المصدر؟
جزاكم الله خير
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
محنة الإمام مالك رحمه الله تعالى وتعرضه للضرب من أحد الولاة، خبرها مشهور عند أهل العلم.
واشتهر أيضا أن يده تضررت من هذا الضرب.
روى ابن سعد في "الطبقات الكبرى - متمم التابعين" (ص441)؛ عن شيخه الواقدي محمد بن عمر، وهو تلميذ الإمام مالك، قال: "لما دُعي مالك بن أنس، وشُوور، وسُمع منه، وقُبل قوله، شَنِف الناس له، وحسدوه، وبغوه بكل شيء!!
فلما ولي جعفر بن سليمان بن علي المدينة سعوا به إليه، وكَثَّروا عليه عنده، وقالوا لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يجوز!! فغضب جعفر بن سليمان، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رُقي [=رُفع] إليه عنه، ثم جرَّده، ومدَّه، وضربه بالسياط، ومُدت يده حتى انخلع كتفاه" انتهى.
وجاء في "سير أعلام النبلاء" (8/ 80):
"وَقال [أي الطبري] حَدَّثَنَا العَبَّاسُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَمَّادٍ:
أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَالِكٍ إِذَا أُقِيْمَ مِنْ مَجْلِسِهِ، حَمَلَ يَدَهُ بِالأُخْرَى" انتهى.
وروى أبو العرب في "المحن" (ص 265)، قال: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ: "ضُرِبَ مَالِكٍ، فَكَانَ يَتَّكِئُ عَلَى مَعْنِ بْنِ عِيسَى، لأَنَّهُ انْخَلَعَتْ كَتِفَاهُ إِذْ ضُرِبَ، وَكَانَ يُقَالُ لِمَعْنٍ: عُصَيَّةُ مَالِكٍ لِطُولِ مُكْثِهِ مَعَهُ" انتهى.
وأما كون هذه المحنة وما لحق يده من ضرر، هي السبب في سدله ليديه في الصلاة، فهذا لم نقف عليه في شيء من كتب أهل العلم المتقدمين سواء التي ترجمت للإمام مالك ومحنته، أو التي تعرضت لمسألة السدل في الصلاة، وأئمة المالكية ومحققوهم على طول بحثهم لهذه المسألة، لم يقل أحد منهم بأن الإمام مالك كان يسدل يديه أثناء مرضه.
وإنما هذا كلام وجد عند بعض المتأخرين، من أهل زماننا، ونسبوا هذه المعلومة إلى ابن عبد البر، ولم نجدها في كتبه.
ولعل بعضهم اطلع على كتاب "الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق" لمحمود محمد خطاب السبكي، وقد عاش في القرن الماضي فقد توفي سنة 1933 ميلادي، حيث ساق كلاما لابن عبد البر، ثم ذكر بعده هذه المعلومة غير منسوبة إلى مصدر، فلعل بعضهم وَهِم وظن أن الكلام كله لابن عبد البر، حيث قال محمود خطاب السبكي رحمه الله تعالى:
"قال ابن عبد البر: لم يزل مالك يقبض حتى لقى الله عز وجل. اهـ. وما روى عن مالك من الإرسال، وصار إليه بعض أصحابه؛ فسببه أن الخليفة المنصور ضربه على يديه فشَلَّت فلم يستطع ضمها إلى الأخرى، لا في الصلاة ولا في غيرها. فرآه الناس يرسل فقالوا: آخر الأمرين من فعل مالك الإرسال، ولم يتفطنوا للسبب.
ومنه تعلم أنّ الثابت الصحيح عن مالك: القول بسنية قبض اليدين في الصلاة، مطلقا" انتهى. "الدين الخالص" (2 / 221).
ولم نهتد إلى المصدر الذي استند عليه في هذه المعلومة، هل هي من اجتهاده وفهمه أم نقلها عن غيره من أهل العلم؟ إلا أننا نجده في كتابه الآخر "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود"، يقول:
"وقال ابن عبد البر: لم يزل مالك يقبض حتى لقى الله عز وجل. اهـ.
والقاعدة أن المجتهد إذا نقل عنه قولان متعارضان فالعمل على قوله الأخير منهما ... " انتهى. "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" (5 / 161).
ثانيا:
مسألة السدل: المشهورة في مذهب مالك ليس عمدتها فعل الإمام مالك، لأنهم لم ينقلوا عن مالك أنه فعل ذلك، وإنما عمدتها رواية لابن القاسم عنه من قوله لا من فعله.
حيث جاء في "المدونة" (1 / 217):
"قال [أي ابن القاسم]: وقال مالك: في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؟ قال: لا أعرف ذلك في الفريضة، ولكن في النوافل؛ إذا طال القيام، فلا بأس بذلك، يعين به نفسه" انتهى.
وقد ساق ابن القيم آثار القبض، ثم قال رحمه الله تعالى:
"فردَّتْ هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحبُّ إليّ.
ولا أعلم شيئا قطُّ رُدَّتْ به سواه" انتهى. "أعلام الموقعين عن رب العالمين" (3 / 388).
ورواية ابن القاسم، وإن كانت هي المشهور في المذهب، وهي التي قدمها الشيخ خليل في مختصره، حيث قال رحمه الله تعالى:
"وسدل يديه، وهل يجوز القبض في النفل، أو إن طول؟ وهل كراهته في الفرض للاعتماد، أو خيفة اعتقاد وجوبه، أو إظهار خشوع؟ تأويلات" انتهى. "مختصر خليل مع منح الجليل" (1 / 262).
وقد خالف ابنَ القاسم غيرُ واحد من الرواة عن الإمام مالك، فرووا عنه القبض.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
"هل توضع اليمنى على اليسرى في المكتوبة؟
في المدونة: لابن القاسم عن مالك: إنما ذلك في النوافل، من طول القيام، ولا أحبه في المكتوبة.
وفي الواضحة لابن حبيب: سألت عن ذلك مطرفا وابن الماجشون، فقالا: لا بأس بذلك في النافلة والمكتوبة، وروياه عن مالك، وقالا: كان مالك يستحسنه.
قال ابن حبيب: وروى أشهب عن مالك أنه لا بأس به في المكتوبة والنافلة، وكذلك يقول ابن نافع قال: وذلك من السنة.
وذكر ابن مزين قال: وروى أشهب وابن نافع وابن وهب عن مالك إجازة ذلك في الفرائض" انتهى. "اختلاف أقوال مالك وأصحابه" (ص107).
وقد طال النقاش في توجيه رواية ابن القاسم، وقد ذهب عدد من أعلام المذهب إلى أن قصده في رواية ابن القاسم متجه لمن وضع اليمنى على اليسرى على سبيل الاعتماد عند التعب، وليس على سبيل السنية.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
"في وضع اليمنى على اليسرى روايتان: إحداهما: الاستحباب. والأخرى: الإباحة.
وأما الكراهة: ففي غير موضع الخلاف، وهي إذا قصد بها الاعتماد والاتكاء" انتهى. "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" (1 / 241).
وقد صوّب هذا التأويل جمع من أعلام المالكية.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى:
"وما رأيتُ من فهِمَ المسألةَ غيرُ الشّيخ أبي محمّد عبد الوهّاب؛ فإنّه قال: ليس هذا من باب وضع اليُمْنى على اليُسرى، وإنّما هو من باب الاعتماد. والّذي قاله هو الصّواب" انتهى. "المسالك في شرح موطأ مالك" (3 / 120).
وكذا صوّبه الباجي في "المنتقى شرح الموطإ" (1 / 281).
ومن بين القرائن التي اعتمدوها على صحة هذا التأويل: أن هذه الرواية لابن القاسم وردت في "المدونة"، ضمن الأقوال في حكم الاعتماد والاتكاء في الصلاة.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
"وقوله في وضع اليمنى على اليسرى: لا أعرف ذلك في الفريضة، ولكن في النوافل يعين بهما نفسه إذا طال القيام.
يشير إلى ما ذهب إليه بعض البغداديين: أنه إنما أنكر أن يصنع ذلك للاعتماد والمعونة، لا لما جاء في ذلك من الفضل.
والكلام يدل عليه، وترجمة الباب" انتهى. "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة" (1 / 206).
ويتقوى هذا التأويل أيضا بأن الإمام مالكًا في "الموطأ": اكتفى بذكر سنية وضع اليمنى على اليسرى، ففي "بَابُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ" من الموطأ (1 / 158).
وروى: عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: (مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ، يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَالِاسْتِينَاءُ بِالسَّحُورِ).
وعَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ)، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْمِي ذَلِكَ.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟