الأحد 17 ذو الحجة 1445 - 23 يونيو 2024
العربية

هل تعليم الأب لأولاده من العلم الذي ينتفع به بعد موته؟

484077

تاريخ النشر : 23-01-2024

المشاهدات : 1402

السؤال

أنا طبيبة أمراض نسا وتوليد، فهل يعتبر إنفاق أبي المتوفي على تعليمي علما ينتفع به؟ وهل يجوز لي أن استحضر النية، وأهب له ثواب عملي؛ ليصل إليه بعد وفاته ثواب تخفيف آلام مريضاتي، وحفظ عوراتهم من الكشف عند طبيب من الرجال؟ وهل تنطبق هذه الحالة على حديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منهم عمل ينتفع به)؟

ملخص الجواب

العلوم الدنيوية النافعة تدخل في العلم الذي يخلفه الإنسان وينفعه بعد موته. ولمن أعان أو تسبب في وصول هذا النفع أجر عظيم

الجواب

الحمد لله.

ما قام به والدك من النفقة على تعليمك هذا التخصص لا شك أنه أجر عظيم، وما ينفقه الوالد على ولده من أعظم الصدقات، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنّ النفقة على الولد فيها الأجر العظيم، وأنها مقدَّمة على غيرها من الصدقات.

ففي الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (‌أفضل ‌دينار ينفقه الرجل : دينار ينفقه على عياله. ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله. ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله).

قال أبو قلابة: ( وبدأ بالعيال ) . ثم قال أبو قلابة: ( وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم، أو ينفعهم الله به ) رواه مسلم (994).

ثانياً:

العلم الذي تعلمتيه فيه نفع للنساء المسلمات وتطبيبيهن بعيدا عن الرجال، وهذا من أعظم النفع الذي كان والدك سبباً فيه. ومعلوم أن النفع المتعدي يكون أجره لصاحبه حتى لو لم يستحضر النية.

فيرجى لوالدك خير عظيم وأجر كبير على كل من انتفع من تطبيبك لهم ، لما كان له من مشاركة وتسبب. ولا ينقص من أجرك شيئا، إن شاء الله.

فمن كان واسطة خير فله مثل أجر الفاعل، فعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: إنِّي أُبدِع بي - أي: هلكَتْ راحلتي - فاحْملني، فقال: (ما عندي) فقال رجل: يا رسولَ الله، أنا أدلُّه على مَن يحمله، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (مَن دلَّ على خير فلَه مِثل أجْر فاعله)؛ رواه مسلم (1893).

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الأعمال التي ينتفع بها الغير، فهذه يؤجر على انتفاع الغير بها، وإن لم يكن له نية عند فعلها، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من زرع زرعاً أو غرس شجرة ، فأصاب منها حيوان أو سرق منها؛ فإن له بذلك أجراً ، مع أنه ربما يغرس ولا ينوي هذه النية ، ولكن ما دام فيه انتفاع للناس ، فله أجر به .
ويدل على هذا قوله تعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) النساء/114، وهذا إذا فعله الإنسان ، ولو لمجرد الإصلاح بدون قصد الثواب ، ففيه خير، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) النساء/114، وهذا أمر زائد على الخير الذي ذكره الله في أول الآية." انتهى من "لقاء الباب المفتوح بترقيم الشاملة" (32/9).

ثالثاً:

أما حديث (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) مسلم (1631). فالمراد به: ما علمه الإنسان لغيره من العلوم النافعة التي ينتفع بها الناس، فيدخل فيها العلوم الدنيوية النافعة، والطب على رأسها، فقد قال الشافعي رحمه الله : "لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من ‌الطب" انتهى من "سير أعلام النبلاء" (10/57)؛ وإنما كان كذلك لما فيه من الخير والنفع، وعموم حاجة الناس إليه.

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به) هل المراد به العلم الشرعي أم العلم الدنيوي؟

فأجاب: الظاهر أن الحديث عام، كل علم ينتفع به فإنه يحصل له الأجر، لكن على رأسها وقمتها العلم الشرعي، فلو فرضنا أن الإنسان توفي وقد علم بعض الناس صنعة من الصنائع المباحة، وانتفع بها هذا الذي تعلمها، فإنه ينال الأجر، ويؤجر على هذا" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (16/117).

فمن علّم الناس العلوم الدنيوية النافعة يكون داخلاً في الحديث (أو علم ينتفع به)، وكذلك من ساهم في وصول هذا العلم ونشره ونفعه، يُرجى له المشاركة في هذا الأجر. وفضل الله واسع.

وفي الحديث عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ، صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ) أحمد في "مسنده" (17300) وقال محققوه: "حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده".

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "طباعة الكتب المفيدة التي ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم هي من الأعمال الصالحة التي يُثاب عليها الإنسان في حياته، ويبقى أجرها ويجري نفعها له بعد مماته، ويدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالحٍ يدعو له) رواه مسلم في صحيحه.

وكل من ساهم في إخراج هذا العلم النافع يحصل على هذا الثواب العظيم، سواء كان مؤلفاً، أو معلما، أو ناشراً له بين الناس، أو مخرجا، أو مساهما في طباعته، كلٌّ بحسب جهده ومشاركته في ذلك."انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (11/17).

فيُرجى لكل من ساهم بالتعليم، ولمن تسبب أو أعان أنّ له أجر العلم الذي يُنتفع به.

والله أعلم

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب