لا حرج في الحرص على التفوق الدراسي، وتقوية البدن، ولبس ما حسُن من الثياب، بقصد تحسين صورة أهل الاستقامة في أعين الناس، وهو قصد حسن يرجى لصاحبه الثواب.
ما حكم الحرص على بعض المظاهر الدنيوية لتحسين صورة أهل الاستقامة؟
السؤال 465297
عندما أتفوق في دراستي أو ابني عضلات، أو ألبس لبسا حسنا أو شيئا آخر بغرض تحسين فكرة الالتزام عند الناس، فهل هذا يكون من الرياء؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا حرج في عناية المسلم ببدنه ولباسه ودراسته قاصدا تحسين صورة أهل الاستقامة في أعين الناس، ولا يدخل ذلك في الرياء؛ لأن الرياء محله العبادات.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: "تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس: مراءاةٌ، وهو ليس بحرام؛ لأنه ليس رياء بالعبادة، بل بالدنيا.
وقس على هذا كلَّ ما تجمل للناس، وتزين لهم" انتهى من "إحياء علوم الدين" (3/ 300).
وينظر: جواب السؤال رقم: (568736).
والمحذور هنا أن يصحب ما ذُكر: إعجاب بالنفس، أو كبر وترفع على الغير، أو إسراف وتبذير، وفي ذم ذلك نصوص معروفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومَن لبس جميل الثياب، إظهاراً لنعمة الله، واستعانة على طاعة الله: كان مأجوراً.
ومَن لبسه فخراً وخيلاء : كان آثماً ؛ فإن الله لا يحب كل مختال فخور ".
انتهى من "مجموع الفتاوى" (22/ 139).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحَسن: إظهارَ نعمة الله عليه، مستحضرا لها، شاكرا عليها، غير محتقر لمن ليس له مثله، لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة؛ ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس".
وقوله: "وغَمْط" : الاحتقار.
وأما ما أخرجه الطبري من حديث علي: "إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض) الآية، فقد جمع الطبري بينه وبين حديث ابن مسعود بأن حديث علي محمول على من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه، لا من أحب ذلك ابتهاجا بنعمة الله عليه. فقد أخرج الترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وله شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد. وأخرج النسائي وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له، ورآه رث الثياب: "إذا آتاك الله مالا فليُر أثره عليك"؛ أي بأن يلبس ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة؛ ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد، وترك الإسراف؛ جمعا بين الأدلة" انتهى من "فتح الباري" (10/ 259).
وقد يترك الإنسان الثياب الرفيعة تواضعا لله، فيثاب أيضا على ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومَن ترك لبس الرفيع من الثياب تواضعاً لله، لا بخلاً، ولا التزاماً للترك مطلقاً : فإنَّ الله يثيبه على ذلك ، ويكسوه مِن حلل الكرامة " انتهى من "مجموع الفتاوى" (22/ 138).
ثانيًا:
تحسين صورة أهل الاستقامة في أعين الناس: قصد حسن، يرجى لصاحبه الثواب.
وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ – يوم لعب الحبشة في مسجده، وهو ينظر إليهم - : ( لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ ) رواه أحمد (24855). قال الحافظ ابن كثير: "أصل الحديث مخرج في الصحيحين والزيادة لها شواهد من طرق عدة". "تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي" (3/ 653). وانظر: "السلسلة الصحيحة" (1829).
فدفع ظن السوء، وقالة السوء، عن أهل الإيمان: مقصد حسن، مشروع في الجملة.
والتفوق الدراسي قد يقصد به الإنسان تحصيل الشهادة الدراسية، والالتحاق بكلية معينة، وقد يقصد به إسعاد والديه، وقد يقصد به ما ذكرت من تحسين صورة المتدين في أعين الناس، وكل هذه مقاصد حسنة.
وكذلك قوة البدن، ينبغي أن يستحضر فيها المؤمن شكر نعمة الله تعالى، والاستعانة على أداء العبادة كالصيام والقيام، وإرهاب أعداء الله.
ومما ورد في ذلك: ما روى البخاري (1602) ومسلم (1266) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "7غ6عاه8قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " ويؤخذ منه: جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار، إرهابا لهم ولا يعد ذلك من الرياء المذموم" انتهى من "فتح الباري" (3/ 470).
والحاصل:
أن الحرص على التفوق الدراسي، وتقوية البدن، ولبس ما حسن من الثياب، بقصد تحسين صورة أهل الاستقامة في أعين الناس: لا حرج فيه، بل هو قصد حسن يرجى لصاحبه الثواب.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟