لا حرجَ من وصف شيءٍ ما بأنه (مبارك) وإن لم يرد نصٌّ خاصٌّ به في الكتاب والسنة إذا قُصِد بذلك أن فيه خيرًا ونفعًا، بشرط ألا يقترن بذلك إحداث حكمٍ شرعيٍّ، كتحليلٍ أو تحريمٍ، أو إحداث عبادةٍ أو قربةٍ لم يرد بخصوصها دليلٌ شرعيٌّ.
ما حكم وصف شيء بأنه مبارك دون نص شرعي؟
السؤال: 438618
حكم وصف شيء بأنه مبارك، ولا أعني الأشياء التي قال عنها الشرع إنها مباركة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
"أصل البركة: الزيادة والنماء" كما في "تهذيب اللغة" (10/ 131)، ومختار الصحاح (1/33).
وقال الزجاج في "معاني القرآن" (4/ 57): "ومعنى البركة: الكثرة في كلِّ ذي خيرٍ"، انتهى.
ولا بد من التفريق بين أمرين:
الأول: وصف الشيء بأنه مبارك، أو فيه بركة.
والثاني: التبرُّك بالشيء، أي: السعي في طلَب خيره وبركته والانتفاع به.
وقد جاء الأمران، جميعا، في القرآن والسنة؛ فقد وصفَتْ أشياء في القرآن والسنة بأنها مباركة، وجاء أيضًا في القرآن والسنة بيان طرق الانتفاع بهذه الأشياء وتحصيل بركتها وخيرها، وهذا هو التبرك بها.
وقد بارك الله تعالى بعضَ الأماكن كمكة والمدينة، وبعض الأزمنة كليلة القدر، وبعض الطعام كالسحور، وبارك ماء زمزم، وبعض المخلوقات كالنخل والخيل والمطر، وجعل القرآن كتابًا مباركًا، وغير ذلك مما بين الله تعالى أنه بارك فيه، أو بيَّنه رسوله صلى لله عليه وسلم.
ومعنى البركة فيها: أنها أسبابٌ في كثرة الخير والنفع والرزق للخلق.
ثم قد بيَّنت الشريعة طرق تحصيل هذه البركات ونَيلها.
فالقرآن كتاب مبارك، وتحصيل بركة القرآن إنما تكون بقراءته، وتدبره، والعمل به، وتحكيمه، والاستشفاء والتحصن والرقيا به، وقد بيَّنت الشريعة كل ذلك، وفصلت الواجب منه والمستحب، وهذا هو المشروع من التبرك بالقرآن، أي: تحصيل بركته وطلبها.
وأعظم ما يكون من التبرك به: تدبره، وفهمه، والعمل به، واتباعه في كل شيء. قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ص/29
قال ابن عطية، رحمه الله: "ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه، لأنه يورث الجنة وينقذ من النار، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة" انتهى، من "المحرر الوجيز" (4/ 502).
وقال الشيخ السعدي، رحمه الله: "كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق العالم منذ أنشأه الله.
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب" انتهى، من "تفسير السعدي" (ص712).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "فهو مبارك؛ لأنه شفاء لما في الصدور إذا قرأه الإنسان بتدبر وتفكر؛ فإنه يشفي القلب من المرض، وقد قال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
مبارك في اتباعه؛ إذ به صلاح الأعمال الظاهرة والباطنة.
مبارك في آثاره العظيمة؛ فقد جاهد المسلمون به بلاد الكفر؛ لأن الله يقول: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا، والمسلمون فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بهذا القرآن حتى ملكوها، ولو رجعنا إليه؛ لملكنا مشارق الأرض ومغاربها، كما ملكها أسلافنا، ونسأل الله ذلك.
مبارك في أن من قرأه؛ فله بكل حرف عشر حسنات؛ فكلمة (قال) مثلا فيها ثلاثون حسنة، وهذا من بركة القرآن؛ فنحن نحصل خيرات كثيرة لا تحصى بقراءة آيات وجيزة من كلام الله عز وجل.
والحاصل: أن القرآن كتاب مبارك؛ فكل أنواع البركة حاصلة بهذا القرآن العظيم"، انتهى من "مجموع فتاويه" (8/ 371).
فقد جمعت في القرآن أنواع البركة، ومنها ما يجب تحصيله، ومنها ما يستحب.
وليلة القدر مباركة لقول الله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ثم بيَّنت السنَّة أن التبرك بليلة القدر يحصل بإحيائها بالصلاة والدعاء والذكر، ونحوه ذلك.
وفي مسند الإمام أحمد (7148) عن أبي هريرة قال: لمَّا حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد جاءكم رمضان، شهر مبارك ...) الحديث، وصححه محققو المسند، وصححه الشيخ الألباني لغيره في "صحيح الترغيب" (999).
ففي الحديث إثبات أنه شهر مباركٌ، ثم عُلِّمنا أن تحصيل بركته تكون بالصيام الواجب، وبسائر أعمال الطاعة المشروعة بأدلتها، إذا يضاعف فيه الأجر، فيكثر الخير من الله تعالى ويزيد.
وماء زمزم ماء مبارك، فهذا حكمٌ قد بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ماء كثير الخير والنفع للعبيد، ثم بيَّنت السنَّة أن التبرك المشروع بماء زمزم إنما يكون بشربه للتقوت، والاستشفاء به، واستعماله في البدن، وشربه بنية صالحة.
والسحور طعام مبارك كما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: (تسحروا فإن في السحور بركة)، والتبرك بالسحور إنما يكون بالحرص على التسحر للصيام ولو بجرعةِ ماءٍ، كما روى ابن حبان (3476 – الإحسان) وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب" (1071).
هذا؛ ومن المعلوم أن كثيرا من الناس قد يقرُّ ببركة السحور ثم لا يتسحر، أو يؤمن ببركة زمزم ثم لا يشرب منه للتقوّت تبركا، أو يؤمن ببركة القرآن ثم يهجر قراءته، ونحو ذلك.
فالمقصود:
أن وصف الشيء بأنه مبارك شيء، والتبرك به شيء آخر، وأن في القرآن والسنة بيانَ كيفية التبرك، وتحصيل منافع الأشياء التي ثبتت بركتها فيهما، وبعض ذلك التبرك واجب، وبعضه مستحب.
وكذلك فبعض هذه الأشياء المباركة قد تصل بركتها إلى المؤمن والكافر، مثل ماء المطر، ومثل ماء زمزم، وينظر لمزيد فائدة جواب السؤال: (565056)، و(147779).
ثانيًا:
الأمور المباركة ليست محصورة فيما ذكر بركته في القرآن والسنة، فكثير من الأمور قد بارك الله فيها، أي: جعلها كثيرة الخير والنفع، ومع ذلك فلم يأت نصٌّ صريح بأنها (مباركة)، وإنما عرفت بركتها من خلال خصائصها، أو آثارها. وقد نبه د. ناصر الجديع في دراسته "التبرك أنواعه وأحكامه" (ص44) على أنه أوردَ في كتابه: "بعض الأمور المباركة، التي لم ينص الشرع عليها صراحة، وإنما عرِفت بركتها من خلال خصائصها أو آثارها".
ثم قال:
"لم أستوعب ذكر الأمور المباركة التي لم يرد فيها نص صريح بالبركة، مع وجود البركة فيها، لكثرتها، ولعدم الإطالة، فإن جميع شرائع الدين مثلا مباركة في الدين والدنيا، كالصلاة والزكاة ... ونحو ذلك. كما أن هناك من الأمور الدنيوية ما هو مبارك أيضًا بركة دنيوية، كالعسل، ونحوه مما لم أذكره ...
[و] البركة الدنيوية إذا لم تستعمل في طاعة الله تعالى، ولم يتقوَّ بها على ذلك؛ فليست في الحقيقة بركة، وإنما هي نقمة"، انتهى باختصار.
وبناء على ذلك يترتب الكلام في مقامين:
فالمقام الأول:
أن يصفَ شخصٌ ما شيئًا بأنه (مبارَك) أو (فيه بركة)، لما ظهر له من آثار الخير فيه، أو بسببه، أو لما ظن أنه كثير النفع والخير في الدنيا أو في الدين، مع عدم ورود القرآن والسنة بنص صريح على أنه شيء مبارك؛ فلا حرج من ذلك، ولا مانع منه.
لكنَّ قول هذا القائل ما هو إلا مجرد إخبار منه، بحسب ظنِّه، فقد يكون حقًا وصدقًا، وقد يكون باطلًا وخبرًا كاذبًا أو وهمًا.
ومعرفة صدق ذلك أو كذبه، يعود إلى مدى مطابقة وصفه للمعاني الشرعية، وللخير والنفع الذي جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم.
والمقام الثاني:
أن يتعدى إلى إحداث عبادةٍ أو قربةٍ، واجبة أو مستحبة، بدعوى أن هذا شيء مبارك، فهي بدعة مذمومة، ومردودة على مبتدعها، وهذا كما ابتدعت فرق من الصوفية أنواعًا من القربات والعبادات، تبركا بأماكن أو مشايخ أو بالقبور والمقبورين، وكل ذلك بدع مذمومة، وبعضها أقبح من بعض، وقد تصل بهم إلى أعمال المشركين وعباداتهم.
وهذا كله: سواء صحَّ وصف الشيء بالبركة، أو لم يصح، فإن الوصف بالبركة شيء، والتبرك شيء آخر، كما سبق شرحه، فقد يكون الشيء مباركا حقا، ثم يتبرك به تبركا لم يأذن به الله.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"والتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
1- أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم؛ مثل القرآن، قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ، فمن بركته: أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أمما كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
2- أن يكون بأمر حسي معلوم؛ مثل: التعليم، والدعاء، ونحوه؛ فهذا الرجل يتبرك بعلمه ودعوته إلى الخير؛ فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيرا كثيرا.
وقال أسيد بن حضير: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر)؛ فإن الله يُجري على بعض الناس من أمور الخيرِ، ما لا يُجريه على يد الآخر.
وهناك بركات موهومة باطلة؛ مثل ما يزعمه الدجالون: أن فلانا الميت الذي يزعمون أنه وليٌّ أنزلَ عليكم من بركته وما أشبه ذلك؛ فهذه بركة باطلة، لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر، لكنها لا تعدو أن تكون آثارا حسية، بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ؛ فيكون في ذلك فتنة.
أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؛ فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة؛ فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره.
ومن ذلك: ما جعل الله على يد شيخ الإسلام ابن تيمية من البركة التي انتفع بها الناس في حياته وبعد موته"، انتهى من "مجموع فتاويه" (9/ 185).
والحاصل مما سبق:
أنه لا حرج من وصف شيء ما بأنه "مبارك" حتى لو لم يرد نص خاص به في الكتاب والسنة، إذا قصد بذلك أن فيه خيرا ونفعا، بشرط ألا يقترن هذا الوصف بإحداث حكم شرعيٍّ، كتحليل أو تحريم أو إحداث عبادة أو قربة لم يرد بخصوصها دليل شرعي صريح.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟