هل المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها؟

السؤال 437612

ما صحة القول بأن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

الذريعة هي: "الْفِعْلُ الَّذِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ " انتهى من " الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (6/172) .

وقال الشاطبي رحمه الله :" حَقِيقَتَهَا : التَّوَسُّلُ بِمَا هُوَ مَصْلَحَةٌ ، إِلَى مَفْسَدَةٍ " انتهى من " الموافقات" (5/183) .

وعليه ، فالمقصود بـ " سد الذرائع ": سد الطرق المؤدية إلى الفساد ، وقطع الأسباب الموصلة إليه ، وحسم مادة الفساد ، من أصلها .

قال القرافي رحمه الله :" سَدُّ الذَّرَائِعِ ، وَمَعْنَاهُ : حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ ؛ دَفْعًا لَهَا ، فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ ، وَسِيلَةً لِلْمَفْسَدَةِ : مَنَعَ الإمام مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ " انتهى من " الفروق" (2/32) .

وقاعدة سد الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة، والخلاف بين العلماء إنما هو اختلاف في المناط الذي يتحقق فيه التذرع.

قال القرافي رحمه الله: "فليس سد الذرائع خاصًا بمالك، بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصل سدها مجمع عليه" انتهى من "الفروق" (2/ 33).

والأدلة على اعتبار الذرائع كثيرة، وقد ذكر ابن القيم في "أعلام الموقعين" تسعة وتسعين دليلًا على المنع من فعل ما يؤدي إلى الحرام، ولو كان جائزًا في نفسه.

وينظر: "أعلام الموقعين" (3/ 110-126).

وينظر في أقسام الذرائع؛ ما يسد منها، وما لا يسد: جواب السؤال رقم: (235778).

ثانيًا:

المبالغة في سد الذرائع إن أريد بها دخول الخلل على الفقيه في تطبيقها، كإعمال سد الذريعة، مع كون إفضائها للمفسدة نادرا، أو مع معارضة ذلك لمصلحة راجحة: فهذا خطأ لا يقبل من قائله، وذلك كما لو قال قائل بمنع الأغذية التي قد تضر بعض الناس نُدورا، أو بتحريم النظر عند الخِطبة، أو للتطبيب، فهذا خلل في تطبيق القاعدة.

قال الشاطبي رحمه الله: " ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا؛ كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبا إلى وقوع أحد فيه، وأكل الأغذية التي غالبها ألا تضر أحدا، وما أشبه ذلك".

ثم قال: " وأما السادس: وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا؛ فهو على أصله من الإذن؛ لأن المصلحة إذا كانت غالبة، فلا اعتبار بالندور في انخرامها؛ إذ لا توجدُ في العادة مصلحة عَرِيَّة عن المفسدة جُمْلةً، إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبةَ المصلحة، ولم يعتبر ندور المفسدة، إجراءً للشرعيات مجرى العاديات في الوجود" انتهى من "الموافقات" (3/ 54، 74).

وقال شيخ الإسلام رحمه الله :"الذَّرِيعَةَ إلَى الْفَسَادِ يَجِبُ سَدُّهَا، إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ ، وَلِهَذَا كَانَ النَّظَرُ الَّذِي يُفْضِي إلَى الْفِتْنَةِ مُحَرَّمًا، إلَّا إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، مِثْلُ نَظَرِ الْخَاطِبِ وَالطَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ لِلْحَاجَةِ ، لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ " .انتهى من " الفتاوى الكبرى " (1/287) .

وقال ابن القيم رحمه الله: " ما حُرِّم سدا للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة ، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل ، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر ، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم ، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال ، حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله ، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة"".

انتهى من "أعلام الموقعين" (2 / 161).

فمن منع من هذه الأشياء سدا للذريعة فقد أخطأ.

ولكن هذا الخطأ ونحوه من صور الخلل في تطبيق القاعدة، ليس كفتح الذرائع، فضلا عن المبالغة في فتحها!

وذلك أن فتح الذرائع يعني إلغاء قاعدة شرعية قامت الأدلة على اعتبارها، فلا يقارن ذلك بالخطأ في تطبيق القاعدة.

والله أعلم.      

المراجع

أصول الفقه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android