أولا:
لا يجوز اتهام بريء بما لم يفعل؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) النساء/112
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) رواه أبو داود (5129) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
قال في "عون المعبود" (10/ 5): "(ما ليس فيه): أي من المساوىء.
(ردغة الخبال) قال في النهاية: هي طين ووحل كثير، وجاء تفسيرها في الحديث أنها عصارة أهل النار...
(حتى يخرج مما قال) قال القاضي: وخروجه مما قال أن يتوب عنه، ويستحل من المقول فيه.
وقال الأشرف: ويجوز أن يكون المعنى: أسكنه الله ردغة الخبال، ما لم يخرج من إثم ما قال، فإذا خرج من إثمه، أي إذا استوفى عقوبة إثمه، لم يسكنه الله ردغة الخبال، بل ينجيه الله تعالى منه ويتركه" انتهى.
ثانيا:
لا يجوز الحلف الكاذب، وهو كبيرة من الكبائر؛ لما روى البخاري (6675) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ).
وسميت غموسا؛ لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم.
وفاعل الكبيرة إن لم يتب، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، فلا يخلد في النار كما جاء في السؤال.
ثالثا:
قد أخطأت خطأين عظيمين، اتهام البريء، والحلف الكاذب، والواجب عليك التوبة إلى الله تعالى، والتحلل من هذا البريء، إلا إن خشيت وقوع مفسدة أعظم بتحللك منه، فيكتفى حينئذ بالتوبة، وذكره بالخير أمام من ذكرته بالسوء.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ). رواه البخاري (2269).
قال الغزالي رحمه الله: " وأما العرض فإن اغتبته، أو شتمته، أو بهتَّه: فحقك أن تكذب نفسك بين يدي من فعلت ذلك عنده، وأن تستحل من صاحبه إن أمكنك.
هذا إذا لم تخش زيادة غيظ، وتهييج فتنة في إظهار ذلك، وتجديده.
فإن خشيت ذلك؛ فالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ليرضيه عنك" انتهى نقلا عن "الفتاوى الفقهية الكبرى" لابن حجر الهيتمي (4/ 242).
ومعنى "حسبي الله ونعم الوكيل" أن الله كافيني وحافظني، فلو قالها إنسان في مواجهة غيره فالمعنى: أن الله يكفيني أمره، ويحفظني من شره، ولم نقف على شيء فيما لو قالها مدعيا أنه مظلوم وهو ظالم.
لكن إشهاد الله جل جلاله، على أمر، أنت فيه كاذب: أمر جلل، وجرأة على مقام رب العالمين، أن تستشهده، وتوكله، وأنت كاذب؛ فليحذر العبد من الجرأة على مقام الله في ذلك أو غيره، وليدرك نفسه بالتوبة النصوح قبل أن يلقى الله بذلك.
وقد قال الإمام البخاري، رحمه الله في "صحيحه": "بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 77]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 224]، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل: 95]، وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً [النحل: 91].
ثم روى بعده (6677) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ؛ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً [آل عمران: 77] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ لِي بِئِرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ. قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ).
نسأل الله أن يمن عليك بالتوبة النصوح، وأن يرزقك الإنابة إليه، وأن يرضي عنك صاحبك.
والله أعلم.