ما أقسمت عليه أمكم يُقر على أنه وصية تجري عليه أحكام الوصايا، وتسلم إلى وزارة الأوقاف، فإن تعذر ذلك صرفها الورثة في مصارف البر المختلفة، ويخرجون كفارة يمينها من التركة.
حلفت أن تكون أموالها للدولة ولا يأخذ الورثة منها شيئا، فما العمل؟
السؤال: 434472
والدتي رحمها الله تعالى كان لها مبلغ في البنك، قبل وفاتها أقسمت أن لا نأخذ أموالها، وقالت: أموالي للدولة، ولن أسمح لكم بأخذ أموالي، فهل قسمها ينفع، أم نطعم 10 مساكين، ونقسم المبلغ الذي تركته؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا :
ما أقسمت عليه أمك، هو في حقيقته تصرف في مالها بعد الوفاة، وهذا يأخذ حكم الوصية، والوصية لا تنفذ إلا في حدود الثلث فأقل، إلا أن يُجيز الورثة ما زاد على الثلث.
فإذا كان هذا المال الذي في البنك يعادل ثلث مالها الذي تركته أو أقل، فينفذ فيه أحكام الوصايا، وما زاد فهو مال الورثة، إلا إذا أجازوا ما زاد على الثلث.
فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه رضي الله عنه قال: مَرِضْتُ، فَعَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لي أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي، قَالَ: (لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ، وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا). قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ، قُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قَالَ: (النِّصْفُ كَثِيرٌ). قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: (الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ). قَالَ: فَأَوْصَى الناس بالثلث، فجاز ذلك لهم) البخاري (2593).
قال ابن عبد البر رحمه الله: " هذا حديث قد اتفق أهل العلم على صحة إسناده، وجعله جمهور الفقهاء أصلا في مقدار الوصية، وأنه لا يتجاوز بها الثلث" انتهي من "التمهيد" (6/ 45).
وقال ابن قدامة رحمه الله: "الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة، وما زاد على الثلث يقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل. في قول جميع العلماء" انتهى من "المغني" (8/ 404).
ثانياً:
إذا كان المال الذي في البنك قدر الثلث من مجموع مال أمك أو أقل، فإنه وصية صحيحة نافذة.
وفي هذه الحال:
إذا كان في بلدكم وزارة للأوقاف تسير في تصرفاتها وفق السياسة الشرعية في صرف الأموال وإنفاقها: فإن المال يدفع لها، وكذا لوكان هناك مشيخة إسلامية أو مجلس إسلامي في حال عدم وجود وزارة للأوقاف.
وتسليم المال إلى وزارة الأوقاف أو الجهة الشرعية الرسمية في الدولة يُعدُّ تسليمًا للدولة حقيقةً وحكمًا؛ لأن هذه الجهات إنما أُنشئت لتكون نائبة عن الدولة في شؤون الأوقاف والوصايا والصدقات العامة، فهي ذراعها الشرعي في هذا الباب.
وعليه؛ فإن دفع المال إلى وزارة الأوقاف أو الهيئة الشرعية الرسمية المختصة يكون تنفيذًا صريحًا لوصيتها، وتحقيقًا لمقصودها، ولا يُعدّ عدولًا عنها ولا تحريفًا لمعناها، بل هو أقرب الصور إلى مرادها عرفًا وشرعًا.
أما إذا لم توجد جهة رسمية تضطلع بهذا الدور، أو وُجدت لكنها لا تلتزم بالضوابط الشرعية في التصرف بالأموال، فإن الوصية تُنزَّل حينئذٍ على أنها وصية لجهة عامة، ويقوم الورثة – أو من يُنيبونه – بصرفها في المصالح العامة المشروعة، تحقيقًا لمقصود الوصية قدر الإمكان.
قال ابن المنذر رحمه الله:" وروينا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا الآية يعني إثما، يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته، أو حاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب، وبه قال قتادة، وأحمد، وإسحاق" انتهى من "الإشراف على مذاهب العلماء" (4/ 405). وانظر: "الأوسط"، لابن المنذر (8/24)، "تفسير الطبري" (3/400).
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية المذكورة سلفاً: "وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها ...، فللوصي، والحالة هذه، أن يصلح القضية، ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت، إلى ما هو أقرب الأشياء إليه، وأشبه الأمور به؛ جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق، ليس من التبديل في شيء" انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/ 363).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسير قوله تعالى فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 182].. "ومنها -أي مما يستفاد من الآية-: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز؛ بل هو واجب بدليل آخر" انتهى من "تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة" (2/ 314).
ثالثاً:
المشروع، من حيث الأصل، إذا كان حلف المسلم على يمين بر وخير: أن يبر أخوه قسمه، فلا يحنثه فيه. وإذا كان الحالف أحد الوالدين: كان حقه في إبرار قسمه: آكد، وأعظم.
أما بخصوص اليمين الذي حلفته، فإخلافه هو البر بها لقوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه) رواه مسلم (1650).
والكفارة في هذه الحالة تكون على أمكم لأنها التي حلفت في حال لم تجيزوا الوصية كاملة وإنما في الثلث فقط
قال ابن قدامة رحمه الله: "فإن قال: والله ليفعلن فلان كذا، أو لا يفعل. أو حلف على حاضر، فقال: والله لتفعلن كذا. فأحنثه، ولم يفعل، فالكفارة على الحالف. كذا قال ابن عمر، وأهل المدينة، وعطاء، وقتادة، والأوزاعي، وأهل العراق، والشافعي؛ لأن الحالف هو الحانث، فكانت الكفارة عليه، كما لو كان هو الفاعل لما يحنثه" انتهى من "المغني" (13/ 502).
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله" : إذا حلفت على أولادك أو غيرهم، حلفاً مقصوداً، أن يفعلوا شيئاً، أو ألا يفعلوه، فخالفوك: فعليك كفارة يمين" انتهى من "فتاوى إسلامية" (3/657).
أما وقد توفيت -رحمها الله- فعلى الورثة أن يكفروا عن يمينها من التركة، وجوباً، فيختارون الأقل من الثلاث الخصال (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة).
ولا ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام إلا عند فقد الخصال الثلاث السابقة.
لقوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 89].
قال الشربيني رحمه الله: "ومن مات وعليه كفارة فالواجب أن يخرج من تركته أقل الخصال قيمة" انتهى من "مغني المحتاج" (6/ 192).
وما دامت الوالدة قد ورثت مالا، فكفارة اليمين تخرج مما تركته، قبل أداء الوصية، أو تقسيم المواريث.
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟