ما حكم ادخار الطعام والدعوة إلى ذلك بسبب الحرب؟

السؤال 429725

أود أن أستفسر عن صحة الدعوة لتخزين الطعام المتداولة على الفيس بوك الآن من قِبل بعض الأشخاص ،
و منهم تاجر يعيش في إفريقيا و يعتمد على معلوماته التجارية و تعاملاته مع أسواق عدة ،و رؤى رآها، تحسباً لشح شديد منتظر في الطعام نتيجة الحرب ،
و هل هناك أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أو آثار عن بعض الصحابة أو التابعين أنبأت عن هذا و دلت على أهمية تخزين الطعام عند وقوع مثل ما نحن فيه الآن؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

الدعوة إلى تخزين الطعام يترتب عليها مفسدتان ظاهرتان:

الأولى: غلاء السعر؛ فإنه إذا كثر الطلب على هذه السلع، قلَّت في السوق، وارتفع سعرها، فحصل بذلك ضرر عام للناس. ثم إن حصل الادخار بعد ضيق القوت في البلد، كان محرما كما سيأتي.

الثاني: أن ذلك يدفع كثيرا من التجار لاحتكار السلعة، ومنع بيعها مع حاجة الناس إليها، والاحتكار محرم.

روى مسلم (130) عنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ).

قال النووي رحمه الله: "قال أهل اللغة: الخاطئ هو العاصي الآثم، وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار" انتهى.

ثانيا:

إشاعة أخبار المجاعة، وما يمكن أن يترتب على الحرب: يُدخل على الناس الحزن، ويملأ قلوبهم بالفزع، ويزيد من ضعف توكلهم ويقينهم.

ومعلوم أنه لن تموت نفس حتى تستوعب رزقها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن رُوح القدس نفث في رُوعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله ، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته) رواه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" برقم: (2085).

والذي ينبغي فعله عند الغلاء وقلة الأقوات: التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، وكثرة الاستغفار، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، وقد قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) نوح/10، 11.

وقال سبحانه: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) هود/3

وقال سبحانه: (وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) هود/52

وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) الطلاق/2،3.

ثم اللائق بالمسلمين في تلك الأحوال: التباذل، والإيثار، وتوسعة الناس بعضهم على بعض، ومواساة المرء لأخيه، والجار لجاره، كل بما يجد ويستطيع. وترك الشح والأثرة؛ فإنها من مساوئ الأخلاق، ومن أسباب قلة البركات.

ولا نعلم حديثا صحيحا في ادخار الطعام في آخر الزمان، لكن روى الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: (إذا رأيتم عمودا أحمر من قبل المشرق في شهر رمضان، فادخروا طعام سنتكم، فإنها سنة جوع) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (514)

ثالثا:

يجوز ادخار الطعام والقوت، في وقت السعة، من غير احتكار؛ لما روى البخاري (5357) ومسلم (1757) عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ".

قال النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (12/ 70): " وفي هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأما إذا أراد أن يشتري من السوق، ويدخره لقوت عياله:

فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز، بل يشتري مالا يضيق على المسلمين، كقوت أيام أو شهر.

وإن كان في وقت سعة: اشترى قوت سنة وأكثر، هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقا" انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " واختلف في جواز ادخار القوت لمن يشتريه من السوق:

قال عياض: أجازه قوم، واحتجوا بهذا الحديث. ولا حجة فيه، لأنه إنما كان من مغل الأرض. ومنعه قوم، إلا إن كان لا يضر بالسعر. وهو متجه، إرفاقا بالناس.

ثم محل هذا الاختلاف: إذا لم يكن في حال الضيق، وإلا؛ فلا يجوز الادخار في تلك الحالة أصلا" انتهى من "فتح الباري" (9/ 503).

والله أعلم.

المراجع

معاملات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android