هل يؤاخذ من مات قبل أداء حقوق العباد لعذر؟

السؤال 428936

حكم من كان عليه حق من عباد الله ثم مات، وكان ناسياً للحق؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

من مات وعليه حق للعباد ، وكان عازما على أدائه ، غيرَ أنه لم يتمكن من ذلك لعذرٍ ، كما لو مات فجأة ، أو مات فقيرا فلم يستطع أداء ما عليه من ديون ... فيرجى من فضل الله: ألا يكون عليه تبعة في ذلك، وألا يؤخذ من حسناته لتعطى لصاحب الحق ، وإنما يُرضي اللهُ تعالى صاحبَ الحقِّ يوم القيامة ، ما دام من عليه الحق كان عازما على أدائه متى تمكن من ذلك .

وقد دل على هذا ما رواه البخاري (2387) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

"قَوْلُهُ : (أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) وَلابْن ماجة وابن حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ : (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا، يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ: إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا).

وَظَاهِرُهُ: يحلُ الْمَسْأَلَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَفَاء،ِ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ ، كَأَنْ يُعْسِرَ مَثَلًا ، أَوْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ وَلَهُ مَالٌ مَخْبُوءٌ، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ وَفَاءَ دَيْنِهِ، وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عَلَى الْغَالِبِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فِي الْآخِرَةِ، بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ ، بَلْ يَتَكَفَّلُ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ. وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِك ابن عَبْدِ السَّلَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" انتهى،

"فتح الباري" (5/54) .

وقال الشيخ محمد بن آدم الأثيوبي رحمه الله  :

"فقد بيّن صلى اللَّه عليه وسلم أن من أخذ أموال الناس، سواء كان بالاستدانة، أو غيره من الأوجه المشروعة، وفي نيته أن يؤدّيها إليهم، أدّى اللَّه تعالى عنه، وإن لم يتمكّن هو من أدائها، وأما من أخذها، ومن نيّته أن لا يؤدّيها إليهم، فإنه آثم، يؤاخذ بجريمته، ومثله من كان أخذه على وجه غير مشروع، كالغصب، والسرقة، ونحوهما" انتهى . "ذخيرة العقبى" (26/246) .

وقال الصنعاني رحمه الله في "سبل السلام" :

"التَّعْبِيرُ (أَخْذِ أَمْوَالَ النَّاسِ) يَشْمَلُ أَخْذَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ، وَأَخْذَهَا لِحِفْظِهَا.

وَالْمُرَادُ مِنْ إرَادَتِهِ التَّأْدِيَةَ: قَضَاؤُهَا فِي الدُّنْيَا.

وَتَأْدِيَةُ اللَّهِ عَنْهَ: يَشْمَلُ تَيْسِيرَهُ تَعَالَى لِقَضَائِهَا فِي الدُّنْيَا، بِأَنْ يَسُوقَ إلَى الْمُسْتَدِينِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ ، وَأَدَاؤُهَا عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ: بِإِرْضَائِهِ غَرِيمَهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى" انتهى.

فالحاصل: أن من مات وعليه حقوق للعباد، وكان عازما على أدائها ولكنه لم يؤدها معذورا ، فإن الله يتحمل ذلك عنه يوم القيامة .

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : ما حكم من مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره ؟ هل تبقى روحه مرهونة معلقة ؟

فأجاب : "أخرج أحمد وابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ، وهذا محمول على من ترك مالا يقضى به عنه.

أما من مات عاجزا: فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث ؛ لقوله سبحانه وتعالى : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وقوله سبحانه : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ، كما لا يتناول من بَيَّتَ النيةَ الحسنةَ بالأداء عند الاستدانة، ومات ولم يتمكن من الأداء ؛ لما روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " انتهى، "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (20/229)  .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:  

"وأما الميت: فإن كان أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه ، وإن كان أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ، فهو على نيته، إن كان الرجل أخذ أموال الناس بنية الأداء ولكن اختلفت الأمور فلم يتمكن ، فالله عز وجل يقضي عنه دينه ، ويُرضي غرماءه ، ولا يلحقه في ذلك ذنب ولا إثم ، وإن كان سيء النية ، أخذ أموال الناس يتلاعب بها ولا يريد أداءها ، فإن الله تعالى يتلفه ويعاقبه على ذلك" انتهى من "فتاوى نور على الدرب"  .

والله أعلم .

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android