الخبر الموقوف على الصحابي إذا كان متعلقا بأمر لا مجال للرأي فيه ، وإنما سبيل معرفته هو الوحي، وكان الصحابي غير معروف بذكر أخبار بني إسرائيل، فمثل هذا الموقوف يحتج به ، وله حكم الرفع.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي رضي الله عنه : إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ، ولا منقولا عن لسان العرب : فحكمه الرفع، وإلا ؛ فلا . كالأخبار عن الأمور الماضية ، من بدء الخلق وقصص الأنبياء ، وعن الأمور الآتية ، كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار، والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص؛ فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها، فيحكم لها بالرفع.
قال أبو عمرو الداني: " قد يحكي الصحابي رضي الله عنه قولا يوقفه، فيخرجه أهل الحديث في المسند، لامتناع أن يكون الصحابي رضي الله عنه قاله إلا بتوقيف...
وأما إذا فسر آية تتعلق بحكم شرعي ، فيحتمل أن يكون ذلك مستفادا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن القواعد، فلا يُجْزَم برفعه .
وكذا إذا فسر مفردا ؛ فهذا نقل عن اللسان خاصة ، فلا يُجزم برفع.
وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة ، كصاحبي الصحيح والإمام الشافعي وأبي جعفر الطبري وأبي جعفر الطحاوي وأبي بكر ابن مردويه في تفسيره المسند والبيهقي وابن عبد البر، في آخرين.
إلا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسر له من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات، كمُسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وغيره، وكعبد الله بن عمرو بن العاص" انتهى من "النكت" (2 / 531 – 532).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
" حاصل تحرير هذه المسألة: أن قول الصحابي الموقوف عليه، له حالتان:
الأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
الثانية: أن يكون مما له فيه مجال.
فان كان مما لا مجال للرأي فيه ، فهو في حكم المرفوع كما تقرر في علم الحديث، فيقدم على القياس، ويخص به النص، إن لم يعرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات " انتهى من "مذكرة أصول الفقه" (ص 256).
فإذا كانت له قوة المرفوع عند الأئمة ، فلا شك بأنه يقوي معنى الخبر المرفوع الضعيف السند، إذا كان مخرجهما مختلفا.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
" وقول الترمذي ـ رحمه الله ـ يروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
فيحتمل أن يكون مراده: عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يروى من غير وجه، ولو موقوفاً، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به.
وهذا كما قال الشافعي في الحديث المرسل: إنه إذا عضده قول صحابي، أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحاً " انتهى من "شرح علل الترمذي" (2/607).
فإذا كان هذا الاعتضاد يحصل بالموقوفات التي قد يدخلها الرأي والاجتهاد، أو التي ليس لها قوة الرفع؛ فلا شك أن حصوله بالموقوفات التي لا يدخلها الرأي أولى.
قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى، في كلامه على ما أنكر على نعيم بن حماد:
" الحديث الثاني: قال ابن جرير في تفسير سورة "سبأ": " حدثني زكريا بن أبان المصري قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ أَوْ قَالَ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ، خَوْفَ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَعِقُوا، وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جَبْرَائِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جَبْرَائِيلُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جَبْرَائِيلُ؟ فَيَقُولُ جَبْرَائِيلُ قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، قَالَ: فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جَبْرَائِيلُ، فَيَنْتَهِي جَبْرَائِيلُ بِالْوَحْيِ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ ).
سئل عنه دحيم فقال: لا أصل له.
أقول: المتن غير منكر، وله شواهد، ففي (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة مرفوعا: ( إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ... ) هكذا في تفسير سورة "سبأ"، وأخرجه البخاري أيضاً في "التوحيد" وذكر معه قال مسروق عن ابن مسعود: ( إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ ) " انتهى من "التنكيل" (2 / 734 - 735).
وأما إذا اتحد المخرج فإنه قد يضعف المرفوع بالموقوف، لأنه في هذه الحال هناك خلاف بين رواته، فلا يتقوى أحدهما بالآخر، بل يرجح بينهما بحسب القرائن.
قال العلائي رحمه الله تعالى:
" إنّ الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حديث، كان القول فيهم للأكثر عددا، أو للأحفظ، والأتقن... وهذه قاعدة متفق على العمل بها عند أهل الحديث " انتهى من "نظم الفرائد" (ص 367).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" ثم إن تعليلهم الموصول بالمرسل أو المنقطع، والمرفوع بالموقوف أو المقطوع: ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر على غلبة الظن، بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه " انتهى من "النكت" (2/746).
مثال ذلك حديث أَبي الأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشَاءِ ) الآيَةَ. ) رواه الترمذي (2988)، وغيره ، وقال الترمذي:
" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي الأَحْوَصِ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ " انتهى.
فالحديث اختلف رواته في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعضهم رواه موقوفا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، كما عند الطبري في "التفسير" (5/ 6 - 8).
قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
" وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن للملك لمة، وللشيطان لمة... )، الحديث؟
فقال أبو زرعة: الناس يوقفونه عن عبد الله؛ وهو الصحيح.
فقال أبي: رواه حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله، موقوف.
قلت: فأيهما الصحيح؟
قال: هذا من عطاء بن السائب؛ كان يرفع الحديث مرة، ويوقفه أخرى، والناس يحدثون من وجوه عن عبد الله؛ موقوف.
ورواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود، موقوف " انتهى من"العلل" (5 / 636 - 638).
والله أعلم.