إذا طلق زوجته في مرض الموت، فهل ترثه؟

السؤال 419726

طلقني أثناء مرضه بالسرطان ـ رحمهُ الله تعالى ـ، ثم توفى بعد فترة، ومكثت بعده ٧ سنوات، ثم تزوجت، وانفصلت، هل لي نصيباً من أرث الطليق الأول؛ لكونه طلقني أثناء مرض لا يُرجى برؤه ؟ علماً أن ابنائه من ضغطوا عليه حتى يطلق.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا :

إن كان طلاقك رجعيا ومات وأنت في عدتك لم تكن قد انتهت، فإنك ترثينه باتفاق أهل العلم؛ لأن سبب الإرث، وهو الزوجية لم ينقطع بعد.

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى:

" أجمع كل من نحفظ قوله: على أن من طلق زوجته، مدخولاً بها، طلاقاً ملك رجعتها، وهو صحيح أو مريض، فمات، أو ماتت قبل أن تنقضي عدتها= أنهما يتوارثان " انتهى. "الإشراف" (5 / 220).

وقال ابن حزم رحمه الله تعالى:

" واتفقوا أن المطلقة طلاقا رجعيا ترث زوجها، ويرثها، ما دامت في العدة " انتهى. "مراتب الإجماع" (ص 103).

وأما إذا انتهت عدتكِ، وبنتِ منه، أو كانت الطلقة الثالثة ، وكان طلاقك، كما يظهر من سياق السؤال: استجابة لطلب أولاده، ومات من مرضه المخوف هذا= فإنك ترثينه ، ما دام قد مات قبل زواجك .

والغالب أن من يفعل ذلك إنما يريد حرمان زوجته من الميراث ، فيعاقب بنقيض قصده .

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

" لأنّ هذا قصد قصدا فاسدا في الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل القاصد استعجال الميراث؛ يعاقب بحرمانه.

إذا ثبت هذا، فالمشهور عن أحمد أنها ترثه، في العدة وبعدها؛ ما لم تتزوج.

قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله في المدخول بها، إذا طلقها المريض؛ أنها ترثه، في العدة وبعدها، ما لم تتزوج " انتهى. "المغني" (9 / 195).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وإن كان الطلاق بائنا كالمطلقة ثلاثا؛ ورثته أيضا عند جماهير أئمة الإسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، لما طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية، طلقها ثلاثا في مرض موته، فشاور عثمان الصحابة، فأشاروا على أنها ترث منه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف.

وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير؛ فإنه قال: لو كنت أنا لم أورثها.

وابن الزبير قد انعقد الإجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد.

وإلى ذلك ذهب أئمة التابعين ومن بعدهم، وهو مذهب أهل العراق: كالثوري؛ وأبي حنيفة وأصحابه ومذهب أهل المدينة؛ كمالك وأصحابه، ومذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وأمثاله، وهو القول القديم للشافعي...

والجمهور قالوا: إن المريض مرض الموت قد تعلق الورثة بماله من حين المرض؛ وصار محجورا عليه بالنسبة إليهم، فلا يتصرف في مرض موته من التبرعات إلا ما يتصرفه بعد موته؛ فليس له في مرض الموت أن يحرم بعض الورثة ميراثه، ويخص بعضهم بالإرث، كما ليس له ذلك بعد الموت، وليس له أن يتبرع لأجنبي بما زاد على الثلث في مرض موته؛ كما لا يملك ذلك بعد الموت " انتهى. "مجموع الفتاوى" (31 / 370).

وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

" كل مريض مثبت المرض، طلق امرأته في مرضه، ثم مات من ذلك المرض: ورثته امرأته عند مالك وجمهور أهل المدينة، وعليه أكثر أهل العلم، اتباعا لعثمان في توريث امرأة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وسواء عند مالك مات في العدة، أو بعد انقضاء العدة، وسواء عند مالك طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، اتباعا لقضاء عثمان بمحضر جماعة من الصحابه، والطلاق البت والخلع وغير ذلك سواء إذا كان المرض مخوفا عليه ومات منه " انتهى. "الكافي" (2 / 584).

ثانيا :

مرض السرطان – عافانا الله وجميع المسلمين – في الجملة هو مرض موت ، فإنه يؤدي إلى الوفاة ، ولا يستنكر موت إنسان منه .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" ( - المرض المخوف ) أي: مرضه المخوف الذي مات به ولم يستنكره الناس، مثل الحمى الشديدة، أو ذات الجنب، وفي عصرنا هذا انتشر داء السرطان ... " انتهى. "الشرح الممتع" (11 / 310).

ولكن هذا ليس في جميع حالات المرض ، فإن ذلك يختلف باختلاف موضعه من الجسم ، وباختلاف درجة خطورته ، فإذا وصل المرض إلى درجة خطيرة، يعقبها الموت عادة، فهو مرض موت ، أما إذا كان في أوائله فلا يعد مرض موت ، والمرجع في هذا إلى الأطباء .

جاء في "الموسوعة الفقهية" (36/353) :

"اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ مَرَضِ الْمَوْتِ اصْطِلاَحًا ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ مَخُوفًا : أَيْ يَغْلِبُ الْهَلاَكُ مِنْهُ عَادَةً، أَوْ يَكْثُرُ ، وَأَنْ يَتَّصِل الْمَرَضُ بِالْمَوْتِ ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْمَوْتُ بِسَبَبِهِ، أَمْ بِسَبَبٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ عَنِ الْمَرَضِ، كَقَتْلٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . انتهى .

وجاء فيها أيضا :(37/7) :

"حُكْمُ الأْمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ :

الأْمْرَاضُ الْمُزْمِنَةُ أَوِ الْمُمْتَدَّةُ لاَ تُعَدُّ مَرَضَ الْمَوْتِ ، إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ حَال الْمَرِيضِ، وَاشْتَدَّ، وَخِيفَ مِنْهُ الْهَلاَكُ ، فَيَكُونُ حَال التَّغَيُّرِ مَرَضَ الْمَوْتِ، إِنِ اتَّصَل بِالْمَوْتِ .

قَال الْكَيْسَانِيُّ : وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْفَالِجِ [الشلل] وَنَحْوُهُ، إِذَا طَال بِهِ ذَلِكَ: فَهُوَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ ، لأِنَّ ذَلِكَ إِذَا طَال لاَ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا ، فَلَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ ، إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ ، فَيَكُونُ حَال التَّغَيُّرِ مَرَضَ الْمَوْتِ ، لأِنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا ، فَيَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ ، وَكَذَا الزَّمِنُ وَالْمُقْعَدُ .

وَجَاءَ فِي فَتَاوَى عُلَيْشٍ : قَال ابْنُ سَلْمُونَ : وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي الْمَرَضِ: الْعِلَل الْمُزْمِنَةُ الَّتِي لاَ يُخَافُ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْهَا، كَالْجُذَامِ وَالْهَرَمِ ، وَأَفْعَال أَصْحَابِ ذَلِكَ، أَفْعَال الأَْصِحَّاءِ بِلاَ خِلاَفٍ ا هـ . قَال عَبْدُ الْبَاقِي : وَفِي الْمُدَوَّنَةِ ، كَوْنُ الْمَفْلُوجِ وَالأْبْرَصِ وَالأْجْذَمِ وَذِي الْقُرُوحِ مِنَ الْخَفِيفِ، مَا لَمْ يُقْعِدْهُ وَيُضْنِهِ ، فَإِنْ أَقْعَدَهُ وَأَضْنَاهُ وَبَلَغَ بِهِ حَدَّ الْخَوْفِ عَلَيْهِ ، فَلَهُ حُكْمُ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ " انتهى.

والله أعلم.

المراجع

الإرث وتوزيع التركة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android