أولًا:
هناك فرق بين القراءة والرواية والطريق .
فما نسب لإمام من الأئمة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه فهو قراءة ، وكل ما نسب للراوي عن الإمام فهو رواية ، وكل ما نسب للآخذ عن الراوي وإن سفل فهو طريق .
- فمثلًا : الفتح في لفظ ضعف في سورة الروم قراءة حمزة ، ورواية شعبة ، وطريق عبيد بن الصباح عن حفص ، وكذلك إثبات البسملة قراءة المكي ، ورواية قالون عن نافع ، وطريق الأصبهاني عن ورش، وهكذا.
انظر: "مقدمات في علم القراءات" (78).
ثانيًا :
"حفص بن سليمان بن المغيرة ، أبو عمر الأسدي الكوفي الغاضري البزاز ، يعرف بـ (حفيص) وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضًا .
أقرأ الناس دهرًا ، وكان في القراءة ثقة ثبتًا ضابطًا لها.
- شيوخه : أخذ القراءة عرضًا وتلقينًا عن عاصم ، وكان ربيبه ، ابن زوجته .
- تلاميذه : روى القراءة عنه عرضًا وسماعًا حسين بن محمد المروذي ، وحمزة ابن القاسم الأحول ، وسليمان بن داود الزهراني ، وحمدان بن أبي عثمان الدقاق ، وعمرو بن الصباح ، وعبيد بن الصباح ، وأبو شعيب القواس وغيرهم .
- وفاته : توفي سنة (180 هـ) وقيل غير ذلك ، وكان قد ناهز التسعين من العمر . رحمه الله".
انظر: "مقدمات في علم القراءات" (119).
ثالثًا:
اختلاف الطرق عن الراوي، كاختلاف الرواة عن الإمام القارئ ، فبهذه الطرق قرأ هؤلاء الأئمة على شيوخهم ، الذين قرأوا على شيوخهم كذلك ، وقد جمع العلماء اختلاف الطرق كما جمعوا اختلاف القراءات ، قال " أبو الخير ابن الجزري " : " وإني لما رأيت الهمم قد قصرت ، ومعالم هذا العلم الشريف قد دثرت ، وخلت من أئمته الآفاق ، وأقوت من موفق يوقف على صحيح الاختلاف والاتفاق ، وتُرك لذلك أكثر القراءات المشهورة ، ونُسي غالب الروايات الصحيحة المذكورة ، حتى كاد الناس لم يثبتوا قرآنًا إلا ما في الشاطبية والتيسير، ولم يعلموا قراءات سوى ما فيهما من النذر اليسير ، وكان من الواجب عليّ التعريف بصحيح القراءات ، والتوقيف على المقبول من منقول مشهور الروايات ، فعمدت إلى أَثبتِ ما وصل إلي من قراءاتهم ، وأوثق ما صح لدي من رواياتهم ، من الأئمة العشرة قراء الأمصار ، والمقتدى بهم في سالف الأعصار ، واقتصرت عن كل إمام براويين ، وعن كل راو بطريقين ، وعن كل طريق بطريقين : مغربية ومشرقية ، مصرية وعراقية ، مع ما يتصل إليهم من الطرق ، ويتشعب عنهم من الفرق " ، انتهى .
"النشر في القراءات العشر" (1/ 54).
وقد ذكر الإمام " الداني " طرق حفص في " جامع البيان في القراءات السبع " (1/360)، وذكر الإمام " ابن الجزري " طرقه عنه في "النشر في القراءات العشر" (1/152).
ولمزيد من معرفة اختلاف الطرق عن حفص، انظر كتاب: ( صريح النص في الكلمات المختلف فيها عن حفص ).
رابعًا :
هذه المسألة ترجع أيضًا لمسألة أخرى ، وهي : الاختيار عند القراء ، فهؤلاء الرواة اختاروا بعض طرق الأداء التي تلقوها عن شيوخهم ؛ فحفص، وإن كان راويا عن عاصم؛ إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون قد اختار بعض وجوه الأداء المختلفة ، التي كان يقرأ بها – جميعا – عاصم.
ومما يؤكد وجود ظاهرة الاختيار عند الأئمة ، قول الإمام " نافع " : " أدركت عدة من التابعين، فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم، فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألفت هذه القراءة " ، انتهى .
"جامع البيان في القراءات السبع" (1/227)، "سير أعلام النبلاء"(7/ 337).
وقال " أبو عمرو الداني " : «فإن قال قائل : إن أبا بكر بن عيَّاش ، وحفص بن سليمان ، على ما رويته عن القدوة ، وحكينا عن الجلة ، أضبط من عرض على عاصم اختياره ، وروى عنه حروفه ، فما بالهما اختلفا عليه اختلافًا شديدًا متفاوتًا، حتى صار ما رواه كل واحد منهما عنه ، كأنه قراءة على حدة ؟ هل ذلك لسوء نقل، واختلال حفظ، وقلَّة ضبط من أحدهما ؟ أو اختلاط ونسيان ووهم دخلهما ؟
قلت : لم يتفاوت الاختلاف بينهما عنه لشيء من ذلك ؛ إذ كانا من الشُّهرة والإتقان وحسن الاضطلاع والمعرفة بنقل الحروف ، بموضع لا يجهل ومكان لا ينكر، بل تفاوت ذلك بينهما من جهة صحيحة ، لا مدخل للطعن عليها ، ولا سبيل للقدح فيها ، وهي : أن عاصمًا أقرأ كل واحد منهما بمذهب غير المذهب الذي أقرأ به الآخر ، على ما نقله عن سلفه ، وقرأه عن أئمته .
والاختلاف بين الصحابة والتابعين في حروف القرآن ، قد كان موجودًا مستفيضًا، وقد جاء هذا المعنى مفسَّرا عن عاصم نفسه .
... قال حفص : قال لي عاصم : ما كان من القراءة التي أقرأتك بها ، فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن عن عليِّ بن أبي طالب ، وما كان من القراءة التي أقرأت بها أبا بكر بن عيَّاش ، فهي القراءة التي كنت أعرضها على زرِّ بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود.
لأن كل واحد من أئمة القراءة ، قد عرض على جماعة من السَّلف في مصره ، وفي غير مصره وشاهدهم ، وسمع منهم ، وروى الحروف عنهم ، وهم لا شك مختلفون فيها ، على نحو ما عُلِّموه وتلقوه وأدي إليهم ، وأذن لهم فيه من الوجوه المفترقة ، واللغات والقراءات المختلفة .
فهو تارة يقرئ بحرف من تلك الحروف ، وتارة يقرئ بهما معًا ؛ لصحَّتهما عنده في الأثر ونشرهما لديه في الاستعمال ، فهي كلها على اختلافها واتفاقها ، وتغاير ألفاظها واختلاف معانيها عن السَّلف منقولة ، ومن الصحابة مأخوذة ، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة ، ومن عند الله عزَّ وجلَّ منزَّلة .
وسبيل اختلاف الناقلين لها من الأئمة ، سبيل من دونهم من الراوين ، وشبه ما ذكرناه وبينَّا صحَّته ، وبالله التوفيق " ، انتهى .
ومن البدهي أن الاختيار لا بد له من أهلية، وله شروط لا يتم إلا بها .
انظر: " جامع البيان في القراءات السبع " : (1/ 261 - 262) ، " الاختيار عند القراء، أمين فلاتة " : (36 - 39).
والله أعلم.