ما سبب الاختلاف في رواية حفص عن عاصم وغيره من الطرق المختلفة؟

السؤال 409482

ما هو سبب الاختلاف في رواية حفص عن عاصم من الطرق المختلفة، فمثلا من طريق الشاطبية تقرأ سورة الأعراف ٦٩ (بسطة) بالسين، في حين من طريق طيبة النشر تقرأها (بصطة) بالصاد، وغيرها من الاختلافات، فما السبب مع أن كلها عن حفص، وحفص راوي، وليس قارئا ليختار بين القراءات؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

هناك فرق بين القراءة والرواية والطريق .

فما نسب لإمام من الأئمة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه فهو قراءة ، وكل ما نسب للراوي عن الإمام فهو رواية ، وكل ما ‌نسب ‌للآخذ ‌عن ‌الراوي وإن سفل فهو طريق .

- فمثلًا : الفتح في لفظ ضعف في سورة الروم قراءة حمزة ، ورواية شعبة ، وطريق عبيد بن الصباح عن حفص ، وكذلك إثبات البسملة قراءة المكي ، ورواية قالون عن نافع ، وطريق الأصبهاني عن ورش، وهكذا.

انظر: "مقدمات في علم القراءات" (78).

ثانيًا :

"حفص بن سليمان بن المغيرة ، أبو عمر الأسدي الكوفي الغاضري البزاز ، يعرف بـ (حفيص) وهو الذي أخذ قراءة عاصم على الناس تلاوة ، ونزل بغداد فأقرأ بها ، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضًا .

أقرأ الناس دهرًا ، وكان في القراءة ثقة ثبتًا ضابطًا لها.

- شيوخه : أخذ القراءة عرضًا وتلقينًا عن عاصم ، وكان ربيبه ، ابن زوجته .

- تلاميذه : روى القراءة عنه عرضًا وسماعًا حسين بن محمد المروذي ، وحمزة ابن القاسم الأحول ، وسليمان بن داود الزهراني ، وحمدان بن أبي عثمان الدقاق ، وعمرو بن الصباح ، وعبيد بن الصباح ، وأبو شعيب القواس وغيرهم .

- وفاته : توفي سنة (180 هـ) وقيل غير ذلك ، وكان قد ناهز التسعين من العمر . رحمه الله".

انظر: "مقدمات في علم القراءات" (119).

ثالثًا:

اختلاف الطرق عن الراوي، كاختلاف الرواة عن الإمام القارئ ، فبهذه الطرق قرأ هؤلاء الأئمة على شيوخهم ، الذين قرأوا على شيوخهم كذلك ، وقد جمع العلماء اختلاف الطرق كما جمعوا اختلاف القراءات ، قال " أبو الخير ابن الجزري " : " وإني لما رأيت الهمم قد قصرت ، ومعالم هذا العلم الشريف قد دثرت ، وخلت من أئمته الآفاق ، وأقوت من موفق يوقف على صحيح الاختلاف والاتفاق ، وتُرك لذلك أكثر القراءات المشهورة ، ونُسي غالب الروايات الصحيحة المذكورة ، حتى كاد الناس لم يثبتوا قرآنًا إلا ما في الشاطبية والتيسير، ولم يعلموا قراءات سوى ما فيهما من النذر اليسير ، وكان من الواجب عليّ التعريف بصحيح القراءات ، والتوقيف على المقبول من منقول مشهور الروايات ، فعمدت إلى أَثبتِ ما وصل إلي من قراءاتهم ، وأوثق ما صح لدي من رواياتهم ، من الأئمة العشرة قراء الأمصار ، والمقتدى بهم في سالف الأعصار ، واقتصرت عن كل إمام براويين ، وعن كل راو بطريقين ، وعن كل طريق بطريقين : مغربية ومشرقية ، مصرية وعراقية ، مع ما يتصل إليهم من الطرق ، ويتشعب عنهم من الفرق " ، انتهى .

"النشر في القراءات العشر" (1/ 54).

وقد ذكر الإمام " الداني " طرق حفص في " جامع البيان في القراءات السبع " (1/360)، وذكر الإمام " ابن الجزري " طرقه عنه في "النشر في القراءات العشر" (1/152).

ولمزيد من معرفة اختلاف الطرق عن حفص، انظر كتاب: ( صريح النص في الكلمات المختلف فيها عن حفص ).

رابعًا :

هذه المسألة ترجع أيضًا لمسألة أخرى ، وهي : الاختيار عند القراء ، فهؤلاء الرواة اختاروا بعض طرق الأداء التي تلقوها عن شيوخهم ؛ فحفص، وإن كان راويا عن عاصم؛ إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون قد اختار بعض وجوه الأداء المختلفة ، التي كان يقرأ بها – جميعا – عاصم.

ومما يؤكد وجود ظاهرة الاختيار عند الأئمة ، قول الإمام " نافع " : " أدركت عدة من التابعين، فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم، ‌فأخذته، ‌وما ‌شذ ‌فيه ‌واحد تركته، حتى ألفت هذه القراءة " ، انتهى .

"جامع البيان في القراءات السبع" (1/227)، "سير أعلام النبلاء"(7/ 337).

وقال " أبو عمرو الداني " : «فإن قال قائل : إن أبا بكر بن عيَّاش ، وحفص بن سليمان ، على ما رويته عن القدوة ، وحكينا عن الجلة ، أضبط من عرض على عاصم اختياره ، وروى عنه حروفه ، فما بالهما اختلفا عليه اختلافًا شديدًا متفاوتًا، حتى صار ما رواه كل واحد منهما عنه ، كأنه قراءة على حدة ؟ هل ذلك لسوء نقل، واختلال حفظ، وقلَّة ضبط من أحدهما ؟ أو اختلاط ونسيان ووهم دخلهما ؟

قلت : لم يتفاوت الاختلاف بينهما عنه لشيء من ذلك ؛ إذ كانا من الشُّهرة والإتقان وحسن الاضطلاع والمعرفة بنقل الحروف ، بموضع لا يجهل ومكان لا ينكر، بل تفاوت ذلك بينهما من جهة صحيحة ، لا مدخل للطعن عليها ، ولا سبيل للقدح فيها ، وهي : أن عاصمًا أقرأ كل واحد منهما بمذهب غير المذهب الذي أقرأ به الآخر ، على ما نقله عن سلفه ، وقرأه عن أئمته .

والاختلاف بين الصحابة والتابعين في حروف القرآن ، قد كان موجودًا مستفيضًا،  وقد جاء هذا المعنى مفسَّرا عن عاصم نفسه .

... قال حفص : قال لي عاصم : ما كان من القراءة التي أقرأتك بها ، فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن عن عليِّ بن أبي طالب ، وما كان من القراءة التي أقرأت بها أبا بكر بن عيَّاش ، فهي القراءة التي ‌كنت ‌أعرضها ‌على ‌زرِّ بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود.

لأن كل واحد من أئمة القراءة ، قد عرض على جماعة من السَّلف في مصره ، وفي غير مصره وشاهدهم ، وسمع منهم ، وروى الحروف عنهم ، وهم لا شك مختلفون فيها ، على نحو ما عُلِّموه وتلقوه وأدي إليهم ، وأذن لهم فيه من الوجوه المفترقة ، واللغات والقراءات المختلفة .

فهو تارة يقرئ بحرف من تلك الحروف ، وتارة يقرئ بهما معًا ؛ لصحَّتهما عنده في الأثر ونشرهما لديه في الاستعمال ، فهي كلها على اختلافها واتفاقها ، وتغاير ألفاظها واختلاف معانيها عن السَّلف منقولة ، ومن الصحابة مأخوذة ، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة ، ومن عند الله عزَّ وجلَّ منزَّلة .

وسبيل اختلاف الناقلين لها من الأئمة ، سبيل من دونهم من الراوين ، وشبه ما ذكرناه وبينَّا صحَّته ، وبالله التوفيق " ، انتهى .

ومن البدهي أن الاختيار لا بد له من أهلية، وله شروط لا يتم إلا بها .

انظر: " جامع البيان في القراءات السبع " : (1/ 261 - 262) ، " الاختيار  عند القراء، أمين فلاتة " : (36 - 39).

والله أعلم.

المراجع

القرآن وعلومه

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android