الأحد 10 ذو الحجة 1445 - 16 يونيو 2024
العربية

ما الفائدة من الإنجاب في زمن الفتن، وقد يتعرض الأبناء للانحراف؟

396122

تاريخ النشر : 22-12-2022

المشاهدات : 5660

السؤال

ما المغزى من الإنجاب إذا كان احتمال دخول الأبناء النار والعذاب السرمدي يوم القيامة كبيرا بسبب عدم التربية الدينية العقدية القوية، وطرق التعامل مع الحياة إذ إن الأب قد لا يربي أبنائه على هذا بسبب جهل منه، أو عدم اهتمام، وبسبب هذا قد يتعرض للفتن والوسواس الكثيرة من شياطين الجن والأنس؟ وأيضا ما المغزى من بر الوالدين إذا كانوا يقومون بإنجاب الأطفال ليتعرضوا للفتن والوسواس والعذاب الدنيوي والمعاصي والغضب من الله تعالى وعدم فهم الحياة بسبب ما ذكرت آنفا، حيث إن غالبية الآباء ليسوا مربين؟ فلو أفترضنا أن أحد الوالدين أخطأ في التربية، وهو محاسب على هذا أنا ماذا أستفيد، فمشكلتي باقية وعذابي قائم.

الجواب

الحمد لله.

أولا :

حث النبي صلى الله عليه وسلم على النكاح، وأمر به .

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) رواه البخاري (5066)، ومسلم (1400).

كما حث على السعي في إنجاب الأولاد.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه الإمام أحمد في "المسند" (20/63)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (6/195).

وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ ) رواه أبو داود (2050)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود".

فالمسلم يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويجتهد في إصلاح ولده.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) رواه مسلم ( 2664).

وما تتخوف منه لا يصلح أن تعارض به الأوامر الشرعية؛ بل هو نوع من اليأس وانتظار الشر، وعدم التفاؤل والرجاء في رحمة الله تعالى.

واليأس من رحمة الله تعالى ذنب عظيم.

كما في قول الله تعالى:(إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف/87.

وقال الله تعالى:(قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) الحجر/56.

وعن فَضَالَة بْن عُبَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( وَثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللهَ رِدَاءَهُ، فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) رواه الإمام أحمد (39/368)، وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2/81).

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: (أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (9/171)، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (5/79).

وما ذكرته يضاد أيضا الاعتقاد بأن التوفيق إلى الهداية هو بيد الله تعالى وحده، وما التربية إلا مجرد سبب.

كما في قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) البقرة/272.

وقول الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) القصص/56.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

" الهدى المنفي عنه صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى هنا: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)، هو هدى التوفيق؛ لأن التوفيق بيد الله وحده، وأن الهدى المثبت له صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، هو هدى الدلالة على الحق والإرشاد إليه " انتهى من "أضواء البيان" (6/505).

ثم ما ذكرته يعارض بضده، فنحن نرى في مجتمعاتنا، أجيالا من الشباب قَصَّر الآباء والأمهات في تربيتهم التربية الشرعية، وأدركتهم رحمة الله تعالى، فتابوا ورجعوا إلى طريق الهدى وكانوا سببا في هداية آبائهم.

سُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" قررت أنا وزوجتي أن نمتنع عن الإنجاب حتى نتمكن من تربية أولادنا التربية الإسلامية الصحيحة، فما هو الحل في نظركم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحل غير صحيح أعني إيقاف الإنجاب؛ لأنه مخالف لما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال : (تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة )، ولأن الإنسان لا يدري وربما يموت هؤلاء الأبناء الذين عنده فيبقى بدون ذرية، والتعليل بأن ذلك من أجل السيطرة على تربيتهم وربما يقوم على القيام بنفقتهم تعليل عليل في الواقع؛ لأن الصلاح بيد الله عز وجل، والتربية سبب لا شك، وكم من إنسان ليس عنده إلا ولد وعجز عن تربيته، وكم من إنسان عنده عشرة من الولد وقام بتربيتهم وأصلحهم الله على يده.

ولا شك أن الذي يقول: إنهم إذا كثروا لا يستطيع السيطرة عليهم أنه أساء الظن بالله عز وجل، وربما يعاقب على هذا الظن، بل المؤمن الحازم يفعل الأسباب الشرعية ويسأل الله المعونة والتوفيق، وإذا علم الله منه صدق النية أصلح الله له أموره.

فأقول للأخ السائل: لا تفعل، لا توقف الإنجاب، بل أكثر من الأولاد ما استطعت، فرزقهم على الله ، وصلاحهم على الله، وأنت كلما ازددت تربية ازددت أجرا، فإذا كان لديك ثلاثة وأدبتهم وأحسنت تربيتهم أجرت على ثلاثة فقط، لكن لو كانوا عشرة أجرت على عشرة، ولا تدري أيضا ربما هؤلاء العشرة يجعل الله منهم علماء ومجاهدين فينفعون الأمة الإسلامية، ويكون ذلك من أثار إحسانك، فأكثر من الأولاد، أكثر من الأولاد، أكثر الله أموالك ، وأوسع لك في رزقك " انتهى من "فتاوى نور على الدرب" (11/287).

ثانيا:

على كل  واحد من الأب والولد واجبات وحقوق تجاه الآخر ، فمن قصر أو أخطأ في ذلك فهو محاسب على تقصيره ، ولن يضر ذلك الآخر شيئا ، لأن كل إنسان أعطاه الله تعالى العقل وأدوات الفهم والعلم والمعرفة ، فليبحث عن الحق وليلتزمه ، ولا يضره خطأ من أخطأ ، أو تقصير من قصر .

وحينئذ؛ فأنت المسؤول الآن عن نفسك، لا تحمل تقصيرك ولا تفريطك على والديك، بل واجبهما عليك عكس ذلك تماما، أن تدعو لهما، وتستغفر لهما : ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/24.

ولتعلم أن قاعدة الشرع المطهر، المطردة: ألا يحمل ذنب أحد على أحد سواه، فلا والد يحمل عن ولده، ولا العكس.

قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) لقمان/33

وعَنْ أَبِي رِمْثَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِأَبِي: (ابْنُكَ هَذَا؟) قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: (حَقًّا؟) قَالَ: أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا مِنْ ثَبْتِ شَبَهِي فِي أَبِي، وَمِنْ حَلِفِ أَبِي عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ)، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)الأنعام/164.

رواه أبو داود (4495) وغيره، وصححه الألباني.

فدع عنك ما يشغلك به الشيطان من الوساوس، وأقبل على طاعة ربك، وانظر ما أمرك به، فائتمر به، وما نهاك عنه، فانته عنه؛ واتق الله في السر والعلن.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب