الأربعاء 29 ذو القعدة 1443 - 29 يونيو 2022
العربية

متى يدخل الإمام المسجد، وإذا بكر قبل الإقامة هل يجلس أو يظل واقفا؟

373808

تاريخ النشر : 22-03-2022

المشاهدات : 1007

السؤال

إمام مسجد الحي عندنا يأتي إلى المسجد بعد الأذان، ويمشي مباشرة إلى المحراب، فيتنفل ما شاء أن يتنفل، ثم يأخذ في القراءة في المصحف متكأً على جدار المحراب، ويبقى على ذلك حتى تقام الصلاة، فما هي السنة للإمام إذا دخل المسجد - قبل أو بعد الأذان- هل يجلس في مقدمة المسجد، أم في آخره؟

الحمد لله.

أولا:

هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الخروج للمسجد قبل الإقامة

كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم: الخروج إلى المسجد قبيل الإقامة، فإذا رآه بلال رضي الله عنه أقام الصلاة، وتارة كان يذهب إليه بلال ثم يخرج معه فيقيم.

عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ" رواه البخاري(626)، ومسلم(736).

وعنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: "كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ [أي زالت الشمس]، فَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ" رواه مسلم(606).

قال ابن رجب رحمه الله في شرح الحديث الأول: " وفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فأما الإمام، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذنه بالصلاة ويخرج معه فيقيم الصلاة حينئذ بالمسجد فيصلي بالناس، فهذا غير مكروه بالإجماع، وهذه كانت عادة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وفي حديث ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ركعتي الفجر، واضطجع حتى يأتيه المؤذن بالإقامة؛ فإن الإقامة إنما تكون بإذن الإمام، أو عند خروجه إلى الناس، بخلاف الأذان" انتهى من "فتح الباري" (5/353).

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " هل الأفضل للإمام التأخر عن الحضور إلى المسجد إلى وقت الإقامة أو التبكير في الحضور؟

فأجاب: ظاهر فعل النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان يتأخر في بيته إلى وقت الإقامة, وهذا هو الأفضل في حق الإمام، إلا أن يكون في تقدمه مصلحة كتعليم علم ونحوه" انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين"(15/180).

ثانيا:

تبكير الإمام للمسجد قبل الإقامة 

إذا بكر الإمام قبل الإقامة لكون بيته بعيدا عن المسجد، أو لمصلحة، فإن المشروع في حقه أن يصلي تحية المسجد، وأن يصلي السنة القبلية إن لم يكن صلاها في بيته، ثم يجلس في أي موضع من المسجد، أو يأمر المؤذن فيقيم.

سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: " إذا كان إمام المسجد ينتظر في بيته ولا يحضر إلى المسجد إلا عند الإقامة، ولا ينشغل في البيت بصلاة نافلة أو قراءة قرآن فهل الأفضل له التبكير إلى المسجد قبل الإقامة؟

فأجاب: هذا لا نعلم فيه حدا محدودا، ولا سنة واضحة، بل الأمر يرجع إلى الإمام، فإن رأى أن حضوره للمسجد أصلح لقلبه وأنفع للناس ليصلي ما تيسر ويقرأ، وربما كان عالما فيفتي الناس بما يسألونه عنه ونحو ذلك كان هذا أفضل، وإن رأى أن بقاءه في البيت أصلح له، يقرأ في بيته ويصلي الرواتب في بيته، ثم يأتي عند إقامة الصلاة كما هو الغالب من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، والمعروف من فعله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبقى في البيت، فإذا جاء وقت الإقامة خرج إلى الناس عليه الصلاة والسلام هذا هو الأصل؛ أن يبقى في بيته، ويشتغل بما يسر الله له من قراءة أو علم أو صلاة نافلة أو نحو ذلك، ويحرص على الرواتب التي شرعها الله من أربع قبل الظهر وثنتين بعدها، وثنتين بعد المغرب، وثنتين بعد العشاء، وثنتين قبل صلاة الصبح، الرواتب التي حافظ عليها النبي عليه الصلاة والسلام، فإن فعلها الإمام في البيت، وفعل ما يسر الله له من الخير؛ كقراءة القرآن أو قراءة علم، أو يحفظ شيئا ينفعه من العلم أو القرآن فكل هذا طيب، فالأصل أن الإمام يبقى في البيت اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ثم يأتي وقت الإقامة فيقيم الصلاة، فإذا رأى في حالة من الحالات أو في قرية من القرى أو بلد من البلدان أن مجيئه إلى المسجد قبل الصلاة، ينتظرها مع الناس في المسجد، ويصلي ما كتب الله له مما شرع الله، ويقرأ القرآن أو يسبح ويهلل في محل من المسجد، حتى يحضر وقت الإقامة كل هذا لا بأس به، والخلاصة أن الأصل والأفضل أن يكون في البيت حتى يأتي وقت الإقامة اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإذا حصل له أمر آخر يقتضي أنه يحضر في المسجد، وأن في ذلك لمصلحة راجحة على البقاء في البيت فلا أعلم في هذا بأسا، بل ينبغي له أن يتحرى ما هو أقرب إلى المصلحة والنفع للمسلمين" انتهى من "فتاوى نور على الدرب"(12/ 134).

ثالثا:

جلوس الإمام في المحراب في انتظار إقامة الصلاة

أما جلوسه في المحراب إلى إقامة الصلاة، فهذا مكروه، وقد كره جماعة من الفقهاء جلوسه في المحراب بعد السلام، لخلاف السنة، ولأنه قد يدخل عليه منه ترفع وتكبر، وهذا المعنى موجود في التنفل وفي الجلوس في المحراب قبل الصلاة، بل الظاهر أن كراهة الجلوس هنا أشد؛ إذ بعد السلام قد يجلس لانشغاله بأذكار الصلاة، وأما قبل الصلاة فلا وجه لجلوسه.

قال الشاطبي رحمه الله في "الاعتصام"(2/266): " وروى البخاري من حديث أم سلمة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا سلم يسيرا. قال ابن شهاب: حتى ينصرف النساء فيما نرى.

وفي مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام".

وأما فعل الأئمة بعده: فقد نقل الفقهاء من حديث أنس ـ في غير كتب الصحيح ـ: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا سلم يقوم، وصليت خلف أبي بكر رضي الله عنه، فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة؛ يعني: الحجر المحمى.

ونقل ابن يونس الصقلي عن ابن وهب، عن خارجة: أنه كان يعيب على الأئمة قعودهم بعد السلام، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تقوم.

وقال ابن عمر: جلوسه بدعة.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لأن يجلس على الرضف خير له من ذلك.

وقال مالك في "المدونة": إذا سلم فليقم ولا يقعد، إلا أن يكون في سفر أو في فنائه.

وعدّ الفقهاء إسراع القيام ساعة يسلم من فضائل الصلاة، ووجهوا ذلك بأن جلوسه هنالك يدخل عليه فيه كبر وترفع على الجماعة، وانفراده بموضع عنهم يرى به الداخل أنه إمامهم، وأما انفراده به حال الصلاة فضرورة" انتهى.

ثم إذا كان يجلس مستقبلا بوجه الناس ففيه تعريض المصلين لاستقباله في صلاتهم-وذلك مكروه-، أو ترك ما قابله من الصف الأول فارغا.

قال النووي رحمه الله في "المجموع" (3/230) : " يكره أن يصلي وبين يديه رجل أو امرأة يستقبله ويراه , وقد كرهه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ; ولأنه يشغل القلب غالبا , فكره، كما كره النظر إلى ما يلهيه , كثوب له أعلام , ورفع البصر إلى السماء وغير ذلك مما ثبتت فيه الأحاديث الصحيحة , وقال البخاري في صحيحه : كره عثمان رضي الله عنه أن يستقبل الرجل وهو يصلي , قال البخاري : وإنما هذا إذا اشتغل به , فأما إذا لم يشتغل به فقد قال زيد بن ثابت : "ما باليتُ ، إنّ الرجل لا يقطع صلاة الرجل" " انتهى.

والحاصل: أنه ينبغي نصح الإمام بترك التنفل والجلوس في المحراب قبل الصلاة، بل إذا أتى مبكرا صلى في أي مكان آخر من المسجد، وجلس حتى تقام الصلاة.

تنبيه: يستثنى من كراهة جلوس الإمام في موضعه بعد الصلاة: جلوسه بعد الفجر، فإنه يستحبُّ للإمام أَنْ يمكث جالسًا بعد استقباله للناس إلى أَنْ تطلع الشمس؛ لما روى مسلم (670) عن جابر بنِ سَمُرَة رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: كَانَ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

قال النووي رحمه الله: "فيه استحبابُ الذِّكر بعد الصبح ومُلازَمة مجلسها ما لم يكن عذر" انتهى.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب