أولا:
إذا وجد الرجل من يريد الاعتداء على حريمه، فالواجب عليه أن يدفعه ويمنعه ولو أدى إلى قتله، وهذا من باب دفع الصائل أي المعتدي.
قال البهوتي في "كشاف القناع" (4/ 129): "(ومن صال) أي: وثب (عليه آدمي) صغير أو كبير، عاقل أو مجنون (أو غيره)، من البهائم والطيور، (فقتله) المصول عليه، (دفعا عن نفسه: لم يضمنه)، إن لم يندفع بغير القتل؛ لأنه قتله لدفع شره، فكأن الصائلَ قتل نفسه. (ولو دفعه) أي دفع إنسانٌ، الصائل (عن غيره، غير ولده) أي: القاتل (ونسائه)، كزوجته وأمه وأخته وعمته وخالته (بالقتل)، متعلق بدفعه: (ضمنه)" انتهى.
فإذا دفع المعتدي على ولده أو زوجته أو أمه أو أخته أو عمته أو خالته، ولو بالقتل، إذا لم يندفع بغيره: فلا شيء عليه.
والدفع عن نسائه واجب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في "الاستقامة" (2/ 327): "دفع الصَّائِل على الْحُرْمَة وَاجِب بِلَا نزاع".
وقال في "شرح منتهى الإرادات" (3/ 385): "(ويجب) الدفع (عن حرمته) إذا أريدت، نصا [أي عن أحمد]، فمن رأى مع امرأته أو بنته ونحوها رجلا يزني بها، أو مع ولده ونحوه رجلا يلوط به: وجب عليه قتله، إن لم يندفع بدونه؛ لأنه يؤدي به حقَّ الله تعالى من الكف عن الفاحشة، وحق نفسه بالمنع عن أهله، فلا يسعه إضاعة الحقين" انتهى.
فليس الأمر كما ظننت أن الإنسان يدع أهله وحريمه لمن أراد اغتصابها والفجور بها.
ثانيا:
إذا وجد امرأته تزني باختيارها، فهل له قتل الزاني أو قتلها؟
في ذلك خلاف، والأظهر أن له ذلك فيما بينه وبين الله، وأما في ظاهر الأحكام فلا بد من بينة، وهي شاهدان على وجود الرجل مع امرأته، أو أن يصدقه ولي المقتول، أن المقتول كان مع امرأته.
فإن لم تكن له بينة، ولا صدقه الولي: قتل به، وذلك صيانة للدماء؛ إذ لو سقط القصاص هنا، لأمكن كل من يريد قتل إنسان أن يستدرجه إلى بيته، ثم يقتله، ثم يدعي أنه كان يزني بامرأته، فلهذا إن لم يأت بالبينة اقتص منه.
ويشهد لهذا حديث سعد الآتي.
قال في "كشاف القناع" (6/ 156): "(وإذا وجد رجلا يزني بامرأته، فقتلهما: فلا قصاص عليه، ولا دية) رواه سعيد عن عمر.
(إلا أن تكون المرأة مكرهة، فعليه القصاص)، ويأثم؛ لسقوط الحد عنها بالإكراه، فهي معصومة. (هذا إذا كانت بينةٌ) أنه وجده يزني بها، (أو صدّقه الولي) على ذلك.
(وإلا)، أي وإن لم تكن بينة، ولم يصدقه الولي: (فعليه الضمان في الظاهر)؛ لأن الأصل العصمة.
وأما في نفس الأمر، إن كان صادقا: فلا قصاص عليه. (وتقدم في شروط القصاص بعض ذلك.
والبينة شاهدان، اختاره أبو بكر)؛ لأن البينة تشهد على وجوده مع المرأة، وهذا يثبت بشاهدين، وإنما الذي يحتاج إلى أربعة: الزنا، وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا.
وعنه: أربعة؛ لقول علي" انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله: في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (5 / 362): " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ بِهِ) : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ رَجُلًا فِي دَارِهِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ حَرِيمِهِ: قُتِلَ بِه ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، إِذْ لَوْ قُبِلَ قَوْلُهُ : لَأُهْدِرَتِ الدِّمَاءُ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ قَتْلَ رَجُلٍ، أَدْخَلَهُ دَارَهُ ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِه.
وَلَكِنْ هَاهُنَا مَسْأَلَتَانِ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا:
إِحْدَاهُمَا: هَلْ يَسَعُهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَقْتُلَهُ، أَمْ لَا؟
وَالثَّانِي: هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ أَمْ لَا؟
وَبِهَذَا التَّفْرِيقِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِيمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، حَتَّى جَعَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَذْهَبُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَمَذْهَبُ علي: أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ. وَالَّذِي غَرَّهُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَتَغَدَّى، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَعْدُو، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عمر، فَجَاءَ الْآخَرُونَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا.
فَقَالَ لَهُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَقُولُ؟
فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي ضَرَبْتُ بَيْنَ فَخِذَيِ امْرَأَتِي، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ، فَقَدْ قَتَلْتُهُ.
فَقَالَ عمر: مَا تَقُولُونَ؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ، فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ، وَفَخِذَيِ الْمَرْأَةِ، فَأَخَذَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَيْفَهُ فَهَزَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ: إِنْ عَادُوا، فَعُدْ).
فَهَذَا مَا نُقِلَ عَنْ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَمَّا علي، فَسُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ. فَظَنَّ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ عمر، فَجَعَلَهَا مَسْأَلَةَ خِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ .
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ حُكْمَيْهِمَا ، لمْ تَجِدْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافًا، فَإِنَّ عمر إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَوَدَ، لَمَّا اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا - وَاللَّفْظُ لِصَاحِبِ " الْمُغْنِي ": فَإِنِ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ : فَلَا قِصَاصَ، وَلَا دِيَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عمر ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ، وَكَلَامُهُ يُعْطِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْصِنًا وَغَيْرَ مُحْصِنٍ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ عمر فِي هَذَا الْقَتِيلِ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: " فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُحْصِنِ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ " الْمُسْتَوْعِبِ " قَدْ قَالَ: وَإِنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنَالُ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الرَّجْمَ ، فَقَتَلَهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ : فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ بِدَعْوَاهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ. قَالَ: وَفِي عَدَدِ الْبَيِّنَةِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: شَاهِدَانِ، اخْتَارَهَا أبو بكر؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوُجُودِ لَا عَلَى الزِّنَى. وَالْأُخْرَى: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَتَى قَامَتْ بِذَلِكَ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَلِيُّ : سَقَطَ الْقِصَاصُ، مُحْصِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَتَلَهُ: (إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ) وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدٍّ لِلزَّنَى، وَلَوْ كَانَ حَدًّا لَمَا كَانَ بِالسَّيْفِ، وَلَاعْتُبِرَ لَهُ شُرُوطُ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَكَيْفِيَّتُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ لِمَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ ، وَهَتَكَ حَرِيمَهُ ، وَأَفْسَدَ أَهْلَهُ .
وَكَذَلِكَ فَعَلَ الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا تَخَلَّفَ عَنِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ ، فَأَتَاهُ رَجُلَانِ فَقَالَا: أَعْطِنَا شَيْئًا، فَأَعْطَاهُمَا طَعَامًا كَانَ مَعَهُ ، فَقَالَا: خَلِّ عَنِ الْجَارِيَةِ . فَضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَعَلَى هَذَا : فَيَجُوزُ لَهُ ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى : قَتْلُ مَنِ اعْتَدَى عَلَى حَرِيمِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْصنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصِنٍ، مَعْرُوفًا بِذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ ، وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يَسَعُهُ قَتْلُهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصِنًا. جَعَلَاهُ مِنْ بَابِ الْحُدُودِ.
وَقَالَ أحمد وإسحاق: يُهْدَرُ دَمُهُ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ، وَلَمْ يَفْصِلَا بَيْنَ الْمُحْصِنِ وَغَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مالك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ ابن حبيب: إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُحْصنًا، وَأَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا قُتِلَ بِهِ.
وَقَالَ ابن القاسم: إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ: فَالْمُحْصِنُ وَغَيْرُ الْمُحْصِنِ سَوَاءٌ، وَيُهْدَرُ دَمُهُ، وَاسْتَحَبَّ ابن القاسم الدِّيَةَ فِي غَيْرِ الْمُحْصِنِ .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا " . فَقَالَ سعد: بَلَى، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ) وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: ( «إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي؟)
قُلْنَا: نَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالْقَوْلِ بِمُوجَبِهِ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ، لَمْ يُقَدْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: بَلَى ، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ!! وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى هَذَا الْحَلِفِ، وَلَمَا أَثْنَى عَلَى غَيْرَتِهِ، وَلَقَالَ: لَوْ قَتَلْتَهُ، قُتِلْتَ بِهِ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَرِيحٌ فِي هَذَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سعد، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي»؛ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَلَا نَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمٌ مُلْزِمٌ، وَكَذَلِكَ فَتْوَاهُ حُكْمٌ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِهِ ، لَكَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّ دَمَهُ هَدَرٌ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ وَبَاطِنِهِ، وَوَقَعَتِ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي دَرَأَهَا اللَّهُ بِالْقِصَاصِ، وَتَهَالَكَ النَّاسُ فِي قَتْلِ مَنْ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فِي دُورِهِمْ ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُمْ عَلَى حَرِيمِهِمْ، فَسَدَّ الذَّرِيعَةَ، وَحَمَى الْمَفْسَدَةَ ، وَصَانَ الدِّمَاءَ .
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ، وَيُقَادُ بِهِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، فَلَمَّا حَلَفَ سعد أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ، وَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ الشُّهُودَ : عَجِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرَتِهِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ غَيُورٌ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْرَةً، وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِقْرَارُهُ وَسُكُوتُهُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ سعد؛ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ قَتْلِهِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، وَلَا يُنَاقِضُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ آخِرَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ كَالْمُنْكِرِ عَلَى سعد، فَقَالَ: (أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ )، يَعْنِي: أَنَا أَنْهَاهُ عَنْ قَتْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ، وَأَنَّهُ شِدَّةُ غَيْرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ؛ وَقَدْ شَرَعَ إِقَامَةَ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، مَعَ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، فَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ ، وَرَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَعَ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ : أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَمَا شَرَعَهُ لَهُمْ مِنْ إِقَامَةِ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْقَتْلِ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سعد، وَقَدْ نَهَيْتُهُ عَنْ قَتْلِهِ.
وَقَدْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِكَلَامِهِ وَسِيَاقِ الْقِصَّة" انتهى باختصار.
والحاصل:
أنه يجب على الرجل دفع الغاصب والصائل عن حريمه، ولو بالقتل؛ إن لم يندفع إلا به.
وأن من وجد امرأته تزني مع رجل فقتلهما: فلا شيء عليه فيما بينه وبين الله، وأما في الدنيا فإن لم يأت بشاهدين أو يصدقه ولي المقتول، فإنه يقتل به.
ومن خشي أن يُقتل بالزاني، لعدم البينة، ولكون الولي سينكر وجوده مع امرأته، فقد جعل الله له مخرجا، وهو ملاعنة المرأة، والتخلص منها، والتبري من الحمل إن حصل حمل.
وقد بان بهذا أن الشريعة راعت الاحتياط للدماء، وراعت حق الرجل ألا يقر الفساد في أهله، أو يصبر على العدوان على أهله.
والله أعلم.