الاثنين 7 ربيع الأوّل 1444 - 3 اكتوبر 2022
العربية

حكم تسجيل المكالمات الهاتفية وترجمتها بدون علم أصحابها

364325

تاريخ النشر : 17-07-2022

المشاهدات : 941

السؤال

أنا مترجمة أعمل في هذا الميدان حديثا، أتوصل ببعض مشاريع الترجمة التي بدت لي أنها غير صائبة، وانتابني بعض الشك حول ما إذا كانت أتعابي فيها حلالا أم لا، فهذه المشاريع تخص التفريغ الصوتي، أو ترجمة بعض المكالمات الهاتفية التي قد يكشف المتحدث فيها عن اسمه أو اسم مخاطبه، وأنا لا أعلم ما إذا كانت هذه المكالمات المسجلة قانونية، وبإذن صاحبيها أم لا، ولا أعلم فيم يستخدمون هذه الترجمات والتفريغ الصوتي، ينتابني أحيانا شعور بأن هذا تجسس، ولكن أنا لا أعلم من هم هؤلاء الأشخاص المتحدثون، وأقول ربما يستخدمونها لتطوير الذكاء الصناعي، والتعرف على اللغات، قبلت بمشروع واحد، واشتغلت على تفريغه وترجمته، لكنني لم أتلقى أتعابي عنه بعد، لذلك، أنا أسأل هل يجوز العمل على هذه المشاريع بدون نية تجسس أو استخدام غير مشروع أم لا؟ وهل يعتبر هذا تجسسا مع أنني أظن أن أحد الطرفين المتحدثين يكون أحيانا على علم أن مكالمته تسجل، وقد يكون هو من طلب ترجمة المكالمة؟ وهل يجوز أن أتلقى المبلغ الذي اشتغلت عليه من قبل أم أتنازل عنه للمترجم المدير؟ يُعرف هذا النوع من الخدمات ب Transcription بالإنجليزية.

الحمد لله.

أولَا :

تحريم إفشاء خصوصيات الغير 

من الآداب التي جاء بها الإسلام : تحريم التجسس على الغير ، وإفشاء خصوصياته من غير علمه . وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية .

قال الله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ  الحجرات/12.

وروى البخاري (5143)، ومسلم (6701) عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:  إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا  .

قال النووي رحمه الله في "شرح صحيح مسلم":

"قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا)

الْأَوَّل بِالْحَاءِ ، وَالثَّانِي الْجِيم . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : ( التَّحَسُّس ) بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاع لِحَدِيثِ الْقَوْم ، وَالْجِيم الْبَحْث عَنْ الْعَوْرَات . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ التَّفْتِيش عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور، وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ ، وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ ، وَالنَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ أَنْ تَطْلُبهُ لِغَيْرِك ، وَبِالْحَاءِ أَنْ تَطْلُبهُ لِنَفْسِك . قَالَهُ ثَعْلَب. وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى . وَهُوَ طَلَب مَعْرِفَة الْأَخْبَار الْغَائِبَة وَالْأَحْوَال" انتهى .

وروى أبو داود (4870) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:  إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِىَ أَمَانَةٌ  وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1090).

جاء في "عون المعبود" :

"(ثُمَّ الْتَفَتَ): أَيْ : يَمِينًا وَشِمَالًا؛ اِحْتِيَاطًا.

(فَهِيَ): أَيْ : ذَلِكَ الْحَدِيث ، وأُنِّث بِاعْتِبَارِ خَبَره ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْحَدِيث بِمَعْنَى الْحِكَايَة.

(أَمَانَة): أَيْ : عِنْد مَنْ حَدَّثَهُ . أَيْ : حُكْمه حُكْم الْأَمَانَة، فَلَا يَجُوز إِضَاعَتهَا بِإِشَاعَتِهَا .

قَالَ اِبْن رَسْلَان : لِأَنَّ اِلْتِفَاته إِعْلَام لِمَنْ يُحَدِّثهُ أَنَّهُ يَخَاف أَنْ يَسْمَع حَدِيثه أَحَد، وَأَنَّهُ قَدْ خَصَّهُ سِرّه ، فَكَانَ الِالْتِفَات قَائِمًا مَقَام : اُكْتُمْ هَذَا عَنِّي ، أَيْ : خُذْهُ عَنِّي وَاكْتُمْهُ ، وَهُوَ عِنْدك أَمَانَة . اِنْتَهَى" انتهى.

فهذه الأدلة –وغيرها – تدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يتجسس على أحد، أو أن يفشي كلامه الذي يكره اطلاع الناس عليه.

ومعلوم أن المحادثات الهاتفية تكون خاصة، فإنها تكون بين أطراف محددين، ولذلك يتبسط فيه المتحدث، مطمئنا إلى أنه لا يسمع كلامه إلا صاحبه.

فالتجسس على هذه المكالمات وتسجيلها محرم، وهو نوع من الفجور والخيانة، لا يجوز للمسلم أن يفعله.

والواجب على المسلم إذا رأى من يفعل ذلك أن ينكر عليه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:  مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ  رواه مسلم (49).

وأقل درجات الإنكار: الإنكار بالقلب، فيظهر المسلم كراهية هذا المنكر ولا يشارك فيه بوجه من الوجوه.

وعلى هذا، فلا يجوز العمل في ترجمة المحادثات الهاتفية إلا إذا علم المترجم – وتأكد - أن المتحدثين كليهما يعلمان ذلك.

أما إذا كان أحدهما فقط هو الذي يعلم، أو حصل الشك: هل يعلمان أم لا ؟ فلا يجوز العمل في ترجمتها؛ لأن هذا يعني الرضا بالتجسس على أصحابها، وعدم إنكار ما يفعله المتجسسون .

ثانيا :

حكم أخذ أجرة الترجمة للمكالمات الهاتفية

أما أجرة الترجمة ، فما قبضته قبل العلم بالتحربم ، وحيث كنت تعتقدين أن ذلك العمل مباح : فلا حرج عليك من الانتفاع به ، لقول الله تعالى في الربا الذي هو من أعظم المحرمات:  فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ البقرة/275.

قال الشيخ ابن عثيمين: "من فوائد الآية : أن ما أخذه الإنسان من الربا قبل العلم بالتحريم: فهو حلال له، بشرط أن يتوب وينتهي" انتهى من "تفسير سورة البقرة"(3/377) .

أما إذا كنت لم تقبضيه، فإننا نرى أن تأخذيه وتتصدقي به، ولا تتركيه للمدير، لأن في تركه له إعانة له على الحرام، حيث يكون قد استوفى المنفعة المحرمة، ورددنا إليه ماله .

قال ابن القيم رحمه الله: " إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض، كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة : يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لصاحبه في مقابلته نفع مباح.

وقالت طائفة : بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين ... " انتهى من "مدارج السالكين"(1/389).

وينظر السؤال: (78289) .

والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب