الاثنين 27 ذو القعدة 1443 - 27 يونيو 2022
العربية

هل يكون (قادرا على إظهار دينه) من لا يستطيع منع أولاده من المحرمات في بلاد الغرب؟

359256

تاريخ النشر : 30-05-2021

المشاهدات : 3284

السؤال

قرأت عن حكم الاقامة في الدول غير الاسلامية، فأكثر الفتاوى كان مدارها شرط القدرة على إظهار الدين، لكن لم يتضح جليا ما المقصود بإظهار الدين، هل يكون إظهاره بمجرد القدرة على إقامة العبادات الشعائرية كالصلاة والصيام، بالمقابل فالمسلم هناك يفقد كثيرا من قدراته الشرعية بسبب القوانين ومنها: عدم القدرة على التصريح برفض الشذوذ والإباحية في المجتمع إنما أقصى ما يمكن أن يقوله أن كل شخص حر في تصرفه وهو شخصيا يرفض الشذوذ لنفسه فقط ولا يسمح له بفرض رأيه على أسرته، وأيضا ففي حال خالفه أبناؤه في أوامره التربوية كالصلاة أو الحجاب وغيرها فإن الأب لا يستطيع تقويمهم إن رفضوا بل إنهم قد يلجؤون للدولة لحمايتهم منه فيسحبون منه صلاحيات الأبوة وقوامته على أبنائه بحجة تسلطه على حريتهم، وكذلك بحالة الزوجة فالرجل لا يستطيع أن يطبق الاحكام الشرعية بالقوامة على زوجته فتستطيع أن تعصيه وتلجأ للدولة لتعاقبه او تبعده عنها، فيكون الرجل المسلم مكبل اليدين يتجنب الصدام مع زوجته أو أبنائه مما يفقده قوامته الفعلية. فهل تخدش هذه الامور بفكرة إظهار الدين التي اشترطها العلماء؟ أم أن الواجب هو تربية الأبناء بالتفاهم والود دون شرط القوامة والسلطة، وإن فشل الأب في تربيتهم فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها؟

ملخص الجواب

1. دلت الأدلة على تحريم المُقام بين ظهراني المشركين، ووجوب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن قدر على ذلك. هذا هو الأصل العام، إلا أنه يجوز الذهاب إلى تلك البلاد للمصلحة والحاجة، كالتجارة، كما تجوز الإقامة، بشرط التمكن من إظهار الدين وشعائره. وأما من لم يمكنه إظهار الدين فإنه يحرم عليه البقاء، وتلزمه الهجرة مع القدرة. 2. من لم يمكنه ضبط أهله، ومنع أولاده من الحرام، فليس قادرا على إظهار دينه، وعليه الهجرة إن قدر على ذلك، ويحرم عليه السفر إلى تلك البلاد إن غلب على ظنه حصول ذلك من أهله أو أولاده. 3. من لم يجد ملاذا له في بلاد الإسلام، فليبحث عن أقل هذه البلدان ضررا، وليحرص على مكان يجتمع فيه العدد الكثير من المسلمين، تخفيفا للشر، وتقليلا للمفاسد، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وينظر للأهمية الجواب المطول ففيه زيادة بيان 

الحمد لله.

أولا:

حكم الإقامة في بلاد غير المسلمين

دلت الأدلة على تحريم المُقام بين ظهراني المشركين، ووجوب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لمن قدر على ذلك. قال الله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا  النساء/97.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:  أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ  رواه أبو داود(2645) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

هذا هو الأصل العام، إلا أنه يجوز الذهاب إلى تلك البلاد للمصلحة والحاجة، كالتجارة، كما تجوز الإقامة، بشرط التمكن من إظهار الدين وشعائره. وأما من لم يمكنه إظهار الدين فإنه يحرم عليه البقاء، وتلزمه الهجرة مع القدرة. 

ثانيا:

ما المقصود بإظهار الدين؟

المقصود بإظهار الدين هو إعلانه وعدم إخفائه، وهذا يشمل إعلان التوحيد، والبراءة من الشرك، وإقامة الشعائر كالجمع والجماعات، وإظهار تحريم المحرمات كالخمر والخنزير.

وهذا على عكس حال من يُخفي إيمانه، فإنه لا يمكنه إعلان التوحيد، ولا إظهار الواجبات المختصة بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تحريم المحرمات الظاهرة.

ولوضوح هذا المعنى فإن كثيرا من الفقهاء يقتصرون على قولهم: أن يكون قادرا على إظهار دينه، دون تفصيل؛ فلكل دين شعائره وشرائعه، والمبيح للبقاء بين أظهر الكفار القدرة على إظهار شعائر الدين وشرائعه، وإلا وجبت الهجرة لمن قدر عليها.

ومن كلام أهل العلم في ذلك:

قال النووي رحمه الله في روضة الطالبين(10 / 282): "فَرْعٌ: الْمُسْلِمُ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي دَارِ الْكُفْرِ، لا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ: حَرُمَ عَلَيْهِ الإِقَامَةُ هُنَاكَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ، فَإِنْ فُتِحَ الْبَلَدُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، سَقَطَ عَنْهُ الْهِجْرَةُ. وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، لِكَوْنِهِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، أَوْ لأَنَّ لَهُ هُنَاكَ عَشِيرَةً يَحْمُونَهُ، وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ: لَمْ تَجِبِ الْهِجْرَةُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ، لِئَلا يُكَثِّرَ سَوَادَهُمْ، أَوْ يَمِيلَ إِلَيْهِمْ، أَوْ يَكِيدُوا لَهُ." انتهى

وقال عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير(10/ 381):

"والناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:

أحدها: من تجب عليه، وهو: مَن يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، أو لا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار؛ فهذا تجب عليه الهجرة، لقول الله تعالى(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) ؛ وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه، واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب." انتهى

وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: أَفتنا عن معنى حديث:(مَن سَاكَن الْمشرك وَجَامَعَه فهوَ مِثله). وحديث: (أَنا بَرِيءٌ مِن مَسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين).

فأجاب: "حديث: (مَن جَامَعَ الْمشرِك أَو سَكن مَعَه فهوَ مِثله)، وحديث: (أَنا بَرِيءٌ مِن مسلِم بَات بَين ظهرَاني الْمشرِكِين): هذان الحديثان هما من الوعيد الشديد المفيد غلظ تحريم مساكنة المشركين ومجامعتهم، كما هما من أَدلة وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.

وهذا في حق من لم يقدر على إظهار دينه. وأَما من قدر على إظهار دينه، فلا تجب عليه الهجرة، بل هي مستحبة في حقه.

وقد لا تستحب؛ إذا كان في بقائه بين أَظهرهم مصلحة دينية، من دعوة إلى التوحيد والسنة، وتحذير من الشرك والبدعة، علاوة على إظهاره دينه.

وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين، واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك؛ إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد، والبراءة مما عليه المشركون، من الشرك بالله في العبادة، وغير ذلك من أَنواع الكفر والضلال." انتهى من "فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم"(1/77).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "فإذا كان في بلد الكفر يصلِّي ويتصدق ويقيم الجماعة والجمعة، ولا أحد يمنعه من ذلك؛ فهذا قادر على إظهار دينه." انتهى من مجموع فتاوى ابن عثيمين(25/ 391).

ثالثا:

القدرة على إظهار الدين تختلف من بلد إلى بلد

القدرة على إظهار الدين- على نحو ما ذكرنا- في عصرنا هذا تختلف من بلد إلى بلد، فقد يمكن ذلك، وقد لا يمكن، ومن أهل العلم من صرح بأن إظهار الدين على الوجه التام متعذر.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله في رسالة وجهها لمسلم يقيم في إيطاليا: "فإشارة إلى رسالتك التي تذكر فيها أنك شاب مسلم تقيم في إيطاليا، وأن بها شبابا من المسلمين كثيرين، وأن أغلبهم استجاب لرغبة الصليبيين في إبعادهم عن دين الإسلام وتعاليمه السامية، فأصبح أغلبهم لا يصلي، وتخلق بأخلاق سيئة، ويعمل المنكرات ويستبيحها.. إلى غير ذلك مما ذكرته في رسالتك.

وأفيدك بأن الإقامة في بلد يظهر فيها الشرك والكفر ، ودين النصارى وغيرهم من الكفرة: لا تجوز... وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك، والتحذير منه، ووجوب الهجرة مع القدرة، اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة، فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وشرح محاسن الإسلام لهم...

وأما دعوى بغضهم وكراهتهم، مع الإقامة في ديارهم: فذلك لا يكفي.

وإنما حرم السفر والإقامة فيها لوجوه،  منها:

  1. أن إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمة متعذر، وغير حاصل.
  2.  نصوص العلماء رحمهم الله تعالى، وظاهر كلامهم، وصريح إشاراتهم: أن من لم يعرف دينه بأدلته وبراهينه , ويستطيع المدافعة عنه، ويدفع شبه الكافرين، لا يباح له السفر إليهم.
  3. من شروط السفر إلى بلادهم: أمن الفتنة بقهرهم وسلطانهم، وشبهاتهم وزخرفتهم ، وأمن التشبه بهم والتأثر بفعلهم..." انتهى من "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز"(9/ 403).

والأظهر، والله أعلم: أن هذا يختلف باختلاف البلدان، ففي بعضها يمكن إظهار جميع ما ذكرنا، من الشعائر، والشرائع. ومن ذلك إظهار المسلم موقفه من تحريم الشذوذ، والزنا، وشرب الخمر.

ضبط حال الأولاد والزوجة في بلاد الغرب

وأما عدم القدرة على ضبط حال الأولاد والزوجة في حال كفرهم أو رغبتهم في الفواحش، أو عدم القدرة على أمرهم بالصلاة وغيرها من الواجبات، فهذا من أعظم مضار ومفاسد العيش في هذه البلاد، وأخطرها، وأخوفها على المسلم؛ فعلى المؤمن أن يعمل لذلك حسابه، وأن يفر بأهله وأولاده إن بدر منهم شيء من الانحراف، وأن لا يقدم على دخول هذه البلاد إن خشي فتنة أحد منهم، لا سيما إذا كان أولاده في سن الشباب.

وإقامة الواجبات من إظهار الدين، كما تقدم، فمن لم يمكنه ضبط أهله، ومنع أولاده من الحرام، فليس قادرا على إظهار دينه، وعليه الهجرة إن قدر على ذلك، ويحرم عليه السفر إلى تلك البلاد إن غلب على ظنه حصول ذلك من أهله أو أولاده.

ومن لم يجد ملاذا له في بلاد الإسلام، فليبحث عن أقل هذه البلدان ضررا، وليحرص على مكان يجتمع فيه العدد الكثير من المسلمين، تخفيفا للشر، وتقليلا للمفاسد، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ونسأل الله أن يعز دينه وأولياءه، وأن يجعل لعباده المستضعفين فرجا ومخرجا.

 والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب