السبت 3 ذو الحجة 1443 - 2 يوليو 2022
العربية

الاستدلال بالأدلة العقلية في مسائل الإيمان

354819

تاريخ النشر : 29-05-2022

المشاهدات : 355

السؤال

كنت قد سمعت زميلا لي يقول ذات مرة إن الإنسان لا يستطيع أن يستدل على وجود الله تعالى بالعلوم، فقلت له: إن هذا غير صحيح، ولكن منذ ذلك الموقف تأتيني وساوس أحاول ألا أسترسل معها، فأحيانا تقول لي الوساوس: ماذا عن الرياضيات، أليست من العلوم كيف نستدل بها؟ وهكذا يأتيني هذا الوسواس في كل العلوم، وكل شيء فتقول لي استدل بكذا وكذا على وجود الله تعالى. وسؤالي آمل ألا يكون استرسالا معها، ولكن من باب قول الرسول عليه الصلاة و السلام : (أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ). سؤالي هو: في عقيدتنا، ما الذي يجب أن نؤمن أنه دليل قائم نستدل به على وجود الله تعالى؟ أي هل يجب أن نؤمن أنه يمكن أن نستدل بكل شيء وكل العلوم؟ أم نؤمن بالاستدلال بالعقل والفطرة والرسالة فقط؟ أم ماذا؟ وما حكم من قال أنه مسلم، ولكن أنكر وجود الدليل العقلي على وجود الله تعالى، فقد قال ذلك أحد زملائي، وأنكرت ذلك عليه؟

الحمد لله.

أولا:

جاء الوحي بالإرشاد إلى الأدلة العقلية التي تدل على صدق الرسالة

من الثابت أن الوحي أرشد إلى الأدلة العقلية التي يستدل بها على صدق ما جاء به الإسلام من الإيمان بالله تعالى بربوبيته وألوهيته، والإيمان باليوم الآخر وغير هذا من أصول الشرع، ولذا تكرر في القرآن الحث على استعمال العقل في الاستدلال، كقوله تعالى:

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ البقرة /164.

وكقوله تعالى: إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الجاثية/3-5.

وبيّن أن سبب ضلال الضالين هو تقصيرهم في استعمال نعمة العقل هذه، وبهذا سيعترف أهل الكفر وهم في النار، كما في قوله تعالى:

وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ الملك/10-11.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" (وَقَالُوا) معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ، فنفوا عن أنفسهم طرق الهدى، وهي السمع لما أنزل الله، وجاءت به الرسل، والعقل الذي ينفع صاحبه، ويوقفه على حقائق الأشياء، وإيثار الخير، والانزجار عن كل ما عاقبته ذميمة، فلا سمع لهم ولا عقل، وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان، وأرباب الصدق والإيمان، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية، فسمعوا ما جاء من عند الله، وجاء به رسول الله، علمًا ومعرفة وعملا.

والأدلة العقلية: المعرفة للهدى من الضلال، والحسن من القبيح، والخير من الشر، وهم -في الإيمان- بحسب ما من الله عليهم به من الاقتداء بالمعقول والمنقول، فسبحان من يختص بفضله من يشاء، ويمنّ على من يشاء من عباده، ويخذل من لا يصلح للخير " انتهى من"تفسير السعدي" (ص 876).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وإن كان يظن طوائف من المتكلمين والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق،  فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر معقولات محضة؛ فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما؛ بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد؛ بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها - أهل العلم والإيمان - من أن الله سبحانه وتعالى بيّن من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك " انتهى من "مجموع الفتاوى" (3 / 296).

وقال رحمه الله تعالى:

" جميع الطوائف - حتى أئمة الكلام والفلسفة - معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة الدالة على معرفة الله وتصديق رسله " انتهى من "درء تعارض العقل والنقل" (9 / 53).

ثانيا:

الدعوة إلى عدم الاعتماد على الدليل العقلي في إثبات الرسالة

لكن قد تسمع من بعض المنتسبين للإسلام من يقول بعدم الاعتداد بالدليل العقلي، وهذا القول تتعدد مقاصد قائليه؛ منها:

المقصد الأول وهو مقصد باطل: ادعاء نفي دلالة العقل على الله تعالى، وهذا نهج بعض المتصوفة الذين يرون أن ذكرهم لله تعالى بطرقهم المبتدعة، حتى يصبح الواحد منهم على حال من الجنون؛ فيزعمون أنهم يعرفون ربهم في هذا الحال معرفة لا تدرك حال سلامة عقولهم، وهذا ضلال كبير ومناقضة للشرع؛ لأن الوحي يرشد في نصوص عديدة الى الانتفاع بنعمة العقل في معرفة الله تعالى ومعرفة أصول الإسلام.

المقصد الثاني وهو مقصد صحيح سليم: ما يقصده جمع من أهل العلم من نفي دليل عقلي خاص؛ وهي بعض الأدلة العقلية النظرية التي أخذها جمع من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم عن فلاسفة اليونان؛ لأن مثل هذا الدليل العقلي يبنونه على مجادلات تثير شبهات لا علما.

فهؤلاء المتكلمون ادعوا حججا عقلية ليست بحجج، كما أن أولئك المتصوفة نفوا الدليل العقلي الذي عدّه الشرع دليلا، وأهل السنة وسط بينهما فأثبتوا الدليل العقلي الصحيح، الذي لا يناقض الشرع، بل يدل على ما دل عليه، ويشهد له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" ولما أعرض كثير من أرباب الكلام ... وأرباب العمل... عن القرآن والإيمان: تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة؛ يجعلون العقل وحده أصل علمهم ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.

وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل، ويمدحون السُّكْر والجنون والولَه، وأمورا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها .. ، وكلا الطرفين مذموم...

المسرفون فيه - العقل- قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها، لحجج عقلية – بزعمهم -  اعتقدوها حقا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (3 / 338 - 339).

ثالثا:

الناس متفاوتون في العقل والعلم

لا يلزم من صحة الأدلة العقلية في الجملة، ولا من دلالتها على الله جل جلاله، ووحدانيته وعظمته، وظهور ذلك في الكون المحيط بنا : أن يدرك تلك الدلالات المتنوعة كل أحد ، فمن الناس من لا يلتفت إلى دلائل العظمة في الكون، أو يدرك منها شيئا دون شيئا، أو يدركها في حال دون حال.

ولا يلزم من إدراك الدليل، في الجملة، حسن التعبير عنه، ولا يلزم من التعبير عنه، صحة ذلك التعبير؛ فهذه كلها مقامات مختلفة؛ وإنما المعول على ذلك: أن يعلم العبد ربه، ويوحده، ويعبده ، ولا يشرك به شيئا ، لا في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه ولا في صفاته، بل يؤمن بأنه لا إله إلا هو سبحانه ، ويوقن بذلك، ويقر به ، ثم يمضي من ذلك إلى عبادة ربه، وأداء ما افترض عليه ؛ قال الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ محمد/19.

ولا يؤمر العبد بأن يتكلف وجوه الدلالات في الكون من حوله، ولا في شتى العلوم، من رياضيات، وكيمياء ونحو ذلك ؛ فإن التكليف بمثل ذلك لم يرد به شرع، ولم يقل به أحد من أهل العلم، فيما نعلم . وقد قال الله تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ص/86.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) أي: وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة.

... عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) " انتهى من"تفسير ابن كثير" (7 / 82).

فلا ينبغي أن تتكلف باستخراج دليل من كل علم، بل يكفيك ما ظهر لك من الآيات التي تشاهدها في الكون حولك وفي نفسك، فإن الناس يتفاوتون في العقل والعلم، فقد يظهر لشخص من الأدلة لقوة علمه وعقله وإيمانه مالا يدركه غيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وإذا علم العبد - من حيث الجملة - : أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة ؛ كفاه هذا، ثم كلما ازداد علما وإيمانا، ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله، ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه حيث قال: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) " انتهى من"مجموع الفتاوى" (8 / 97).

وقال رحمه الله تعالى:

" ولكل قوم بل، ولكل إنسان، من الدلائل المعيَّنة التي يريه الله إياها في نفسه وفي الآفاق، ما لا يعرف أعيانها قوم آخرون، قال تعالى:

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.

والضمير في ذلك عائد إلى القرآن عند المفسرين والسلف وعامة العلماء...

فأخبر أنه سيري الناس في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات العيانية المشهورة المعقولة، ما يبين أن الآيات القرآنية المسموعة المتلوة حق، فيتطابق العقل والسمع، ويتفق العيان والقرآن، وتصدق المعاينة للخبر " انتهى من "الجواب الصحيح" (6 / 378 - 379).

وللتوسع في هذا الموضوع يحسن مطالعة كتاب:

كتاب "منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة" للدكتور عثمان بن علي حسن.

وكتاب "الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد" للشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب