الأربعاء 7 ذو الحجة 1443 - 6 يوليو 2022
العربية

أسألك بالله والرحم.. هل هو قسم ممنوع أم توسل جائز؟

344453

تاريخ النشر : 12-09-2021

المشاهدات : 2263

السؤال

لديّ سؤال في العقيدة في باب التوسل، أنا أعرف أنه يحرم على الرجل أن يحلف بغير الله، أو أن يتوسل بغيرالله؛ لأن التوسل الشرعي ثلاثة أنواع؛ 1- التوسل بأسماء الله وصفاته، 2- والتوسل بالعمل الصالح، 3- والتوسل بدعاء الرجل الصالح. لكن الإشكال هنا، وجدت من يرى التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا كان التوسل في أمور الدنيا وليس في جنب الله تعالى، مثلا: يقول الرجل أسألك بأبيك أن تعطيني كتابك، أو أسألك بالله وبالنبي أن تذهب معي إلى مكان كذا، كما يقول الرجل : نشدتك الله والرحم، أو أسألك بالله وبالرحم، ويستدل هنا بقول الله: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام). فما حكم هذا؟ وكيف نرد عليه هذه الشبهة؟

الحمد لله.

أولا:

لا يجوز الحلف بغير الله

لا يجوز الحلف بغير الله تعالى؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) رواه البخاري (2679).

وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ) رواه الترمذي (1535) وأبو داود (3251) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".

قال ابن قدامة رحمه الله: " ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى، وصفاته، نحو أن يحلف بأبيه، أو الكعبة " انتهى من "المغني" (9/ 488).

وينظر بيان ذلك في جواب سؤال: (حكم الحلف بغير الله تعالى).

ثانيا:

أسألك بالله والرحم هل هو قسم أو توسل؟

السؤال بالرحم، كأن يقول: أسالك بالله والرحم، هل هو قسم ممنوع، أم توسل جائز وليس قسما؟

خلاف بين أهل العلم، وأكثرهم على أنه قسم ممنوع، وجعله بعضهم توسلا جائزا.

وأما قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/1.

فقراءة الأكثر بنصب الأرحام، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها.

وقرأ حمزة بخفض الأرحام، وهذه لها توجيهات:

1-أنها قسم من الله بالرحم، والله يقسم بما شاء. ورده بعضهم بأن نظم الكلام وسرده: يأباه.

2-أنها من السؤال بالرحم، الذي كانوا يفعلونه في الماضي، فهي حكاية عما كان منهم من قبل.

3-أنها توسل واستعطاف بالرحم، أي بحق الرحم، وليس قسما. وهذا جائز، ومعنى قول الإنسان لغيره: أسألك بالرحم، أي أن تراعي حق الرحم، فإن للرحم حقا عظيما، وهو كقوله: أنشدك الرحم، أو أذكرك الرحم التي بيننا.

وهو توسلٌ بسبب منه، يوجب تحصيل مقصوده، ومعنى صالح لتحقيق مطلوبه ؛ كالتوسل بالعمل الصالح في دعاء الله، وليس توسلا بذوات مجردة.

وأما قوله: أسألك بأبيك، فهذا حلف، ومثله لو قال: أسألك بالله والنبي، فهذا حلف، ولا يجوز الحلف بغير الله.

قال ابن الجوزي في "زاد المسير" (1/ 367): " فأما قوله (والأرحام) فالجمهور على نصب الميم على معنى: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها، وفسّرها على هذا ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسُّدّي، وابن زيد.

وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش، وحمزة بخفض الميم على معنى: تساءلون به وبالأرحام، وفسرها على هذا الحسن، وعطاء والنخعي.

وقال الزجاج: الخفض في الأرحام خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين، لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: لا تحلفوا بآبائِكم ، وذهب إلى نحو هذا الفرّاء.

وقال ابن الأنباري: إِنما أراد حمزة الخبر عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به، فالمعنى: الذي كنتم تساءلون به وبالأرحام، في الجاهلية.

قال أبو علي: من جر، عطف على الضمير المجرور بالباء، وهو ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال، فترك الأخذ به أحسن" انتهى.

وقال ابن عطية في تفسيره (2/ 5) عن قراءة الخفض: " ويردّ عندي هذه القراءة من المعنى وجهان:

أحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يُتساءل به: لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق، في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة.

والوجه الثاني: أن في ذكرها على ذلك تقريرا للتساؤل بها، والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله عليه السلام: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.

وقالت طائفة: إنما خفض والأرحام على جهة القسم من الله، على ما اختص به لا إله إلا هو من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) .

وهذا كلام : يأباه نظم الكلام ، وسرده" انتهى.

وممن نصر قراءة الخفض وجعلها من التوسل الجائز أو من حلف الله بمخلوقاته: أبو نصر القشيري.

قال القرطبي في تفسيره (5/ 4) بعد ذكر ما اعترض على قراءة الخفض: " وردّه الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، واختار العطف ، فقال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء : ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تُتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته.

وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر، لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء: (وأبيك لو طعنت في خاصرته).

ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم؛ فلا نهي فيه.

قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرحم، أي اتقوا الله وحقِّ الرحم، كما تقول: افعل كذا وحق أبيك. وقد جاء في التنزيل: (والنجم)، والطور، والتين، لعمرك) ؛ وهذا تكلف.

قلت: لا تكلف فيه ، فإنه لا يبعد أن يكون (والأرحامِ) : من هذا القبيل، فيكون أقسم بها ، كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته ، تأكيدا لها ، حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولله أن يقسم بما شاء ، ويمنع ما شاء ، ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسما، والعرب تقسم بالرحم" انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا معنى التوسل بالرحم، وأنه مراعاة حقها:

" وقد قال تعالى (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) : فعلى قراءة الجمهور بالنصب: إنما يسألون بالله وحده ، لا بالرحم. وتساؤلهم بالله تعالى يتضمن إقسام بعضهم على بعض بالله، وتعاهدهم بالله.

وأما على قراءة الخفض : فقد قال طائفة من السلف: هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم، وهذا إخبار عن سؤالهم.

وقد يقال: إنه ليس بدليل على جوازه.

فإن كان دليلا على جوازه ، فمعنى قوله أسألك بالرحم: ليس إقساما بالرحم - والقسم هنا لا يسوغ - لكن بسبب الرحم ؛ أي : لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقا، كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة ، وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته.

ومن هذا الباب : ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، أن ابن أخيه عبد الله بن جعفر : كان إذا سأله بحق جعفر ، أعطاه .

وليس هذا من باب الإقسام؛ فإن الإقسام بغير جعفر أعظم، بل من باب حق الرحم؛ لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على علي" انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/ 339).

وينظر للفائدة: http://www.saaid.net/monawein/taimiah/14.htm

وبما سبق يتبين أن هذه الآية، لا علاقة لها بمسألة "التوسل إلى الله تعالى" ؛ سواء كان التوسل المشروع الذي يقول به أهل السنة ، وغيرهم . أو التوسل البدعي الممنوع ؛ فإن هذا التوسل كله : إنما هو توسل من العبد إلى رب العالمين، إي : التماس الوسيلة التي توصله إلى إجابة رب العالمين، وتعينه على تحقيق مطلوبه، وإجابة دعوته.

وأما المذكور في هذه الآية، فسواء قلنا : إنه من باب القسم ، أو من باب التوسل: فهذا إنما يكون بين العباد ، بعضهم وبعض ؛ يذكر أحق صاحبه بالرحم التي بينهما ، وحق هذه الرحم أن توصل، ومن صلتها : أن يقضي له حاجته ، أو يعطيه سؤاله . ولا شك أن الرحم سبب شرعي إلى ذلك ، أمر الله بصلتها ، فمن سأل صاحبه حاجة ، وذكره بأن من حق الرحم أن يجيبه ، فلا إنكار عليه ، ولا مدخل لذلك بقضية التوسل إلى الله تعالى ، بوجه أصلا .

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب