الاثنين 2 جمادى الأولى 1443 - 6 ديسمبر 2021
العربية

إذا منع الموظفون والعمال من الذهاب للعمل هل تفسخ الإجارة لهذا العذر الطاريء ؟

السؤال

توقف الكثير من الأعمال بسبب الحجر الصحي ضد كورونا، وأوقف معه الكثير من العمال عن العمل، وأسئلتي هي: - هل يعتبر هذا التوقف والإيقاف من قبيل القوة القاهرة؟ - هل يتوقف سريان عقود العمل بمثل هذا؟ - هل يترتب على وقف سريان عقد العمل توقف ما يقابله من المرتب أو المكافأة؟ - هل هناك أثر لاشتراط صاحب العمل في العقد توقف الراتب إذا تعذر أداء العمل بسبب القوة القاهرة؟ - هل هناك جهة يلزمها تعويض العمال أو أصحاب العمل جراء توقف الأعمال؟ وجزاكم الله خيرا

الحمد لله.

أولا: الوظائف نوع من أنوع الإجارة 

الوظائف من أنواع الإجارات التي تندرج تحت إجارة الأشخاص، والإجارة بنوعيها- إجارة الأشخاص والأعيان- عقدٌ لازم، لا ينفسخ إلا برضا الطرفين، ويجب الوفاء فيها بالعقد إلى تمام مدته.

لكن إن حصل عذر طارئ يمنع من الانتفاع بالعين، أو بالشخص كما لو مُنعت المؤسسة من ممارسة العمل، ولديها موظفون، لا تحتاج إليهم، أو لا يمكنها سداد رواتبهم، أو استؤجر من ينقل الطلاب للمدارس ثم أغلقت المدارس بسبب الوباء، أو استؤجر معلم لتدريس مادة، فألغيت المادة، وغير ذلك من الصور التي يتعذر فيها استيفاء منفعة العين أو منفعة الشخص.

فقد اختلف أهل العلم في ذلك هل تنفسخ الإجارة بهذه الأعذار أم تبقى لازمة؟  والأصل عند الجمهور لزوم الإجارة، وعند الحنفية وظاهر قول المالكية أنها تنفسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن عثيمين وبه أخذت هيئة المعايير الشرعية، وقد سبق التفصيل في حكم المسألة وبيان الأقوال فيها في جواب السؤال رقم: (350012).


ثانيا: فسخ عقد الإجارة بسبب جائحة كورونا

بناء على ما سبق إذا منع العمال والموظفون من أداء أعمالهم، بسبب مرض كورونا، وطالت المدة، كان لصاحب العمل الفسخ، ويترتب على ذلك توقف الراتب، فلا راتب بعد الفسخ.

قال الدكتور خالد المشيقح حفظه الله: "الحادي والعشرون: وجوب وضع الجوائح لمن تضرر بهذه النازلة في عقود المعاملات كالإيجار والاستصناع وغيرها؛ فإن وضع الجوائح ليس خاصا بالثمر" انتهى من محاضرة بعنوان: "الأحكام الفقهية المتعلقة بفيروس كرونا".

وخير من الفسخ، ألا يستغنى عن العامل، وإنما تخفض أجرته، إلى أن يرفع البلاء.

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَلَمْ يَأْتِهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ فَتَلِفَ الزَّرْعُ. هَلْ تُوضَعُ الْجَائِحَةُ؟

فَأَجَابَ:

"أَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَلَمْ يَأْتِ الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ فَلَهُ الْفَسْخُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ إنْ تَعَطَّلَتْ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بِلَا فَسْخٍ فِي الْأَظْهَرِ.

وَأَمَّا إذَا نَقَصَتْ الْمَنْفَعَةُ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَتْ الْمَنْفَعَةُ ، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. فَيُقَالُ: كَمْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مَعَ حُصُولِ الْمَاءِ الْمُعْتَادِ؟ فَيُقَالُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَيُقَالُ : كَمْ أُجْرَتُهَا مَعَ نَقْصِ الْمَطَرِ هَذَا النَّقْصُ؟ فَيُقَالُ: خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَيَحُطُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ نِصْفَ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ .

فَإِن تَلِفَ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيع قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ الْأَرْضَ جَرَادٌ أَوْ نَارٌ أَوْ جَائِحَةٌ أَتْلَفَ بَعْضَ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ" انتهى من مجموع الفتاوى (30/257).

وينبغي للمؤمنين أن يتراحموا وأن يتعاونوا وأن يؤثروا على أنفسهم، ويراعوا حق الضعيف والمسكين، وألا ينظر الواحد منهم إلى مصلحته فحسب، وقد روى الترمذي (1924) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ  وصححه الترمذي في صحيح الترمذي.


ثالثا: اشتراط فسخ عقد الإجارة عند العذر الطارئ

إذا كان صاحب العمل أو العامل قد اشترط الفسخ عند العذر القاهر، فهذا يباح له الفسخ من باب أولى لوجود الشرط؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ  رواه أبو داود (3594) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".


رابعا:

ما سبق ذكره بشأن الفسخ أو تخفيض الأجرة هو لبيان كلام أهل العلم في المسألة، وأما من حيث التطبيق العملي فإن ذلك سيترتب عليه خصومة غالبا، ولا يفصل فيها إلا القضاء، لا سيما مع ترتيب الدولة أنظمة تتعلق بالعمال وحقوقهم، فإذا قرر صاحب العمل الفسخ، فللموظف أن يرفع شكواه إلى الجهة المسئولة عن حقوق العمال، فتنظر في أمره، فقد تقضي بلزوم العقد ومنع فسخه، وقد ترى الفسخ أو تخفيض الأجرة، ومعلوم أن حكم الحاكم يرفع الخلاف.


خامسا:

قد ترى الدولة تعويض العامل أو صاحب العمل، وذلك من باب رفع الضرر، ورعاية المحتاج، كما تفعله مع القصّر والأرامل والعاطلين ونحوهم، وهذا يرجع إلى إمكانيات كل دولة، وتقديرها للمصالح والمفاسد.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب